أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ° ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ° ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ° ، عَنْ أَنَسٍ ° ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ . فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا ، قَالَ : يَا رَبِّ ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ؟ فَمَا الرِّزْقُ ؟ فَمَا الأَجَلُ ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ . "
وقال جماعة : معنى الآية : إن اللَّه خلق الخلق ، ثم كفروا وآمنوا ، لأن اللَّه تعالى ذكر الخلق ، ثم وصفهم بفعلهم ، فقال : فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ سورة التغابن آية 2 كما قَالَ اللَّه تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي سورة النور آية 45 والله خلقهم ، والمشي فعلهم ، ثم اختلفوا فِي تأويلها : روي عَن أَبِي سَعِيد الخدري ، أنه قَالَ : فَمِنْكُمْ كَافِرٌ فِي حياته مُؤْمِنٌ فِي العاقبة ، ومنكم مؤمن فِي حياته ، كافر فِي العاقبة . وقال عطاء بْن أَبِي رباح : فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب ، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب . وقيل : فمنكم كافر بأن اللَّه تعالى خلقه . وهو مذهب الدهرية ، ومنكم مؤمن بأن اللَّه خلقه . وجملة القول فِيهِ : أن اللَّه خلق الكافر ، وكفره فعلا لَهُ وكسب ، وخلق المؤمن ، وإيمانه فعلا وكسب ، فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار ، وكسبه واختياره بتقدير اللَّه ومشيئته ، فالمؤمن بعد خلق اللَّه إياه يختار الإيمان ، لأن اللَّه تعالى أراد ذلك منه ، وقدره عَلَيْهِ وعلمه منه ، والكافر بعد خلق اللَّه تعالى إياه يختار الكفر ، لأن اللَّه تعالى أراد ذلك منه ، وقدره عَلَيْهِ وعلمه منه . وهذا طريق أهل السنة والجماعة ، من سلكه أصاب الحق وسلم من الجبر والقدر . خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ { 3 } يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ { 4 } أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ { 5 } سورة التغابن آية 3-5 . خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ { 3 } يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ { 4 } سورة التغابن آية 3-4 . أَلَمْ يَأْتِكُمْ سورة التغابن آية 5 يخاطب كفار مكة ، نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ سورة التغابن آية 5 يعني : الأمم الخالية ، فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ سورة التغابن آية 5 يعني : ما لحقهم من العذاب فِي الدنيا ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ سورة التغابن آية 5 فِي الآخرة . ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ { 6 } زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ { 7 } فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ { 8 } يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ { 9 } وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ { 10 } مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ { 11 } سورة التغابن آية 6-11 . ذَلِكَ سورة التغابن آية 6 العذاب ، بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا سورة التغابن آية 6 ولم يقل : يهدينا ، لأن البشر ، وإن كان لفظه واحدًا ، فإنه فِي معنى الجمع ، وهو اسم الجنس لا واحد لَهُ من لفظه ، وواحده إنسان ، ومعناه : ينكرون ، ويقولون : آدمي مثلنا يهدينا ؟ فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ سورة التغابن آية 6 عَن إيمانهم ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ سورة التغابن آية 6 عَن خلقه ، حَمِيدٌ سورة التغابن آية 6 فِي أفعاله ، ثم أخبر عَن إنكارهم البعث ، فقال جل ذكره : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ سورة التغابن آية 7 يَا مُحَمَّد ، بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ { 7 } فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا سورة التغابن آية 7-8 وهو القرآن ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ سورة التغابن آية 8 . يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ سورة التغابن آية 9 يعني : يوم القيامة ، يجمع فِيهِ أهل السموات والأرض ، ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ سورة التغابن آية 9 وهو تفاعل من الغبن ، وهو فوت الحظ ، والمراد بالمغبون : من غبن عَن أهله ومنازله فِي الجنة ، فيظهر يومئذ غبن كل كافر بتركه الإيمان ، وغبن كل مؤمن بتقصيره فِي الإحسان ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ سورة التغابن آية 9 قرأ أهل المدينة ، والشام نكفر و ندخله وفي سورة الطلاق ندخله بالنون فيهن ، وقرأ الآخرون بالياء . خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ سورة التغابن آية 9 . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ سورة التغابن آية 10 . مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ سورة التغابن آية 11 بإرادته وقضائه ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ سورة التغابن آية 9 فيصدق أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن اللَّه ، يَهْدِ قَلْبَهُ سورة التغابن آية 11 يوفقه لليقين حَتَّى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم لقضائه ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ سورة التغابن آية 11 . وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ { 12 } اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ { 13 } يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ { 14 } إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ { 15 } سورة التغابن آية 12-15 . وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ سورة التغابن آية 12 . اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ سورة التغابن آية 13 . قوله عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ سورة التغابن آية 14 قَالَ ابْن عباس : هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يهاجروا إِلَى المدينة ، فمنعهم أزواجهم وأولادهم ، وقالوا : صبرنا عَلَى إسلامكم فلا نصبر عَلَى فراقكم ، فأطاعوهم وتركوا الهجرة ، فقال تعالى : فَاحْذَرُوهُمْ سورة التغابن آية 14 أن تطيعوهم وتدعوا الهجرة . وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة التغابن آية 14 هذا فيمن أقام عَلَى الأهل والولد ، ولم يهاجر ، فإذا هاجر رأى الذين سبقوه بالهجرة ، وقد فقهوا فِي الدين هم أن يعاقب زوجه وولده الذين ثبطوا عَن الهجرة ، وإن لحقوا فِي دار الهجرة لم ينفق عليهم ، ولم يصبهم بخير ، فأمر اللَّه تعالى بالعفو عنهم ، والصفح . وقال عطاء بْن يسار : نزلت فِي عوف بْن مالك الأشجعي ، كان ذا أهل وولد ، وكان إذا أراد الغزو بكوا إِلَيْهِ ورققوه ، وقالوا : إِلَى من تدعنا ؟ فيرق لهم ويقيم ، فأنزل اللَّه : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ سورة التغابن آية 14 بحملهم إياكم عَلَى ترك الطاعة فاحذروهم أن تقبلوا منهم ، وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا سورة التغابن آية 14 فلا تعاقبوهم عَلَى خلافهم إياكم ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة التغابن آية 14 . إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ سورة التغابن آية 15 بلاء ، واختبار ، وشغل عَن الآخرة ، يقع بسببها الإنسان فِي العظائم ، ومنع الحق وتناول الحرام ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ سورة التغابن آية 15 قَالَ بعضهم : لما ذكر اللَّه العداوة ، أدخل فِيهِ " من " للتبعيض ، فقال : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ سورة التغابن آية 14 لأن كلهم ليسوا بأعداء ، ولم يذكر " من " فِي قوله : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ سورة التغابن آية 15 لأنها لا تخلو عَن الفتنة واشتغال القلب . وكان عَبْد اللَّه بْن مسعود ، يقول : لا يقولون أحدكم : اللهم إني أعوذ بك من الفتنة ، فإنه ليس منكم أحد يرجع إِلَى مال وأهل وولد ، إلا وهو مشتمل عَلَى فتنة ، ولكن ليقل : اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن .