160 أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ ° ، قَالَ : زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا ، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا ، فَقُلْتُ لَهُ : زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا ، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا ؟ ! لا وَاللَّهِ لا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا . وَكَانَ رَجُلا لا بَأْسَ بِهِ ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ سورة البقرة آية 232 فَقُلْتُ : الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَزَوَّجْتُهَا إِيَّاهُ
قَوْله تَعَالَى : فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ سورة البقرة آية 232 أي : انقضت عدتهن ، فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ سورة البقرة آية 232 أي : لا تمنعوهن عَنِ النكاح ، والعضل : المنع ، وأصله الضيق والشدة ، يقال : عضلت المرأة إِذَا نشب ولدها فِي بطنها فضاق عَلَيْهِ الخروج ، والداء العضال : الَّذِي لا يطاق ، وَفِي الآية دليل عَلَى أَن المرأة لا تلي عقد النكاح ، إذ لو كانت تملك ذَلِكَ لَمْ يكن هناك عضل ، ولا لنهي الولي عَنِ العضل معنى ، وقيل : الآية خطاب مَعَ الأزواج لمنعهم من الإضرار ، لأن ابتداء الآية خطاب معهم ، وَالأَوَّل أصح . إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ سورة البقرة آية 232 بعقد حلال ، ومهر جائز ، ذَلِكَ سورة البقرة آية 232 أي : الَّذِي ذكر من النهي ، يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ سورة البقرة آية 232 وإنما قَالَ ذَلِكَ موحدا ، والخطاب للأولياء ، لأن الأصل فِي مخاطبة الجمع : ذلكم ، ثُمَّ كثر حَتَّى توهموا أَن " الكاف " من نفس الحرف وليس بكاف خطاب فَقَالُوا ذَلِكَ ، فَإِذَا قَالُوا : هَذَا ، كانت الكاف موحدة منصوبة فِي الاثنين والجمع والمؤنث والمذكر ، قيل : هُوَ خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلذلك وحد ، ثُمَّ رجع إِلَى خطاب الْمُؤْمِنيِنَ ، فَقَالَ . ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ سورة البقرة آية 232 أي : خير لكم ، وَأَطْهَرُ سورة البقرة آية 232 لقلوبكم من الريبة ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي نفس كُل واحد منهما علاقة حب ، لَمْ يؤمن أَن يتجاوز ذَلِكَ إِلَى غَيْر مَا أحل اللَّه لهما ، وَلَمْ يؤمن من الأولياء أَن يسبق إِلَى قلوبهم منهما مَا لعلهما أَن يكونا بريئين من ذَلِكَ فيأثمون ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ سورة البقرة آية 232 أي : يعلم من حب كُل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلمون أنتم . وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة البقرة آية 233 قوله تعالى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ سورة البقرة آية 233 يعني : المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن يرضعن ، خبر بمعنى الأمر ، وَهُوَ أمر استحباب لا أمر إيجاب ، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إِذَا كَانَ يوجد من ترضع الولد ، لقوله تَعَالَى فِي سورة الطلاق : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ سورة الطلاق آية 6 ، فَإِن رغبت الأم فِي الإرضاع فَهِيَ أولى من غيرها ، حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ سورة البقرة آية 233 أي : سنتين ، وذكر الكمال للتأكيد كقوله تَعَالَى : تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ سورة البقرة آية 196 ، وقيل : إِنَّمَا قَالَ كاملين لأن العرب قَدْ تسمي بَعْض الحول حولا ، وَبَعْض الشهر شهرا ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ سورة البقرة آية 197 ، وإنما هو شهران وَبَعْض الثالث ، وَقَالَ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ سورة البقرة آية 203 وإنما يتعجل فِي يَوْم وَبَعْض يَوْم ، ويقال : أقام فُلان بموضع كَذَا حولين ، وإنما أقام بِهِ حولا وَبَعْض آخر ، فبين اللَّه تَعَالَى أنهما حولان كاملان ، أربعة وعشرون شهرا ، واختلف أهل العلم فِي هَذَا الحد ، فمنهم من قَالَ : هُوَ حد لبعض المولودين ، فروى عكرمة عَنِ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا إِذَا وضعت لستة أشهر فإنها ترضعه حولين كاملين ، وإن وضعته لسبعة أشهر فإنها ترضعه ثلاثة وعشرين شهرا ، وإن وضعت لتسعة أشهر فإنها ترضعه أحدا وعشرين شهرا ، وإن وضعت لعشرة أشهر فإنها ترضعه عشرين شهرا ، كُل ذَلِكَ تمام ثلاثين شهرا ، لقوله تَعَالَى : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا سورة الأحقاف آية 15 . وَقَالَ قوم : هُوَ حد لكل مولود بأي وقت ولد ، لا ينقص رضاعه عَنْ حولين إلا باتفاق الأبوين ، فأيهما أراد الفطام قبل تمام الحولين لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلا أَن يجتمعا عَلَيْهِ ، لقوله تَعَالَى : فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ سورة البقرة آية 233 ، وَهَذَا قَوْل ابْن جريج والثوري ، ورواية الوالبي عَنِ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وقيل : المراد من الآية : بيان أَن الرضاع الَّذِي تثبت به الحرمة مَا يَكُون فِي الحولين ، فلا يحرم مَا يَكُون بَعْد الحولين ، قَالَ قَتَادَة : فرض اللَّه عَلَى الوالدات إرضاع حولين كاملين ، ثُمَّ أنزل التخفيف فَقَالَ : لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ سورة البقرة آية 233 أي : هَذَا منتهى الرضاعة ، وليس فِيمَا دُونَ ذَلِكَ حد محدود ، وإنما هُوَ عَلَى مقدار صلاح الصَّبِي وَمَا يعيش بِهِ ، وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ سورة البقرة آية 233 يَعْنِي : الأب ، رِزْقُهُنَّ سورة البقرة آية 233 طعامهن ، وَكِسْوَتُهُنَّ سورة البقرة آية 233 لباسهن ، بِالْمَعْرُوفِ سورة البقرة آية 233 أي : عَلَى قدر الميسرة ، لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا سورة البقرة آية 233 أي : طاقتها ، لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا سورة البقرة آية 233 قرأ ابْن كثير وأهل البصرة برفع الراء نسقا عَلَى قَوْله : لا تُكَلَّفُ سورة البقرة آية 233 وأصله : تُضَارر ، فأدغمت الراء فِي الراء ، وقرأ الآخرون تضارَّ بنصب الراء ، وَقَالُوا : لما أدغمت الراء فِي الراء ، حركت إِلَى أخف الحركات وَهُوَ النصب ، ومعنى الآية : لا تضار والدة بولدها فينزع الولد منها إِلَى غيرها بَعْد أَن رضيت بإرضاعه ، وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ سورة البقرة آية 233 أي : لا تلقيه المرأة إِلَى أَبِيهِ بعدما ألفها ، تضاره بِذَلِكَ ، وقيل : معناه : لا تضار والدة فتكره عَلَى إرضاعه إِذَا كرهت إرضاعه ، وقبل الصَّبِي من غيرها ، لأن ذَلِكَ لَيْسَ بواجب عَلَيْهَا ، وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ سورة البقرة آية 233 فيحتمل أَن تعطى الأم أَكْثَر مِمَّا يجب لَهَا إِذَا لَمْ يرتضع الولد من غيرها . فعلى هذين القولين أصل الكلمة لا تضارَّ بفتح الراء الأولى عَلَى الفعل المجهول ، والوالدة والمولود له مفعولان ، ويحتمل أَن يَكُون الفعل لهما ، وتكون تضار بمعنى تضارر بكسر الراء الأولى عَلَى تسمية الفاعل ، والمعنى : لا تضار والدة فتأبى أَن ترضع ولدها ليشق عَلَى أَبِيهِ ، وَلا مَوْلُودٌ لَهُ سورة البقرة آية 233 أي : لا يضار الأب أم الصَّبِي ، فينزعه منها ويمنعها من إرضاعه ، وعلى هذه الأقوال يرجع الإضرار إِلَى الوالدين ، يضار كُل واحد منهما صاحبه بسبب الولد ، يَجُوز أَن يَكُون الضرار راجعا إِلَى الصَّبِي ، أي : لا يضار كُل واحد منهما الصَّبِي ، فلا ترضعه الأم حَتَّى يموت ، أو لا ينفق الأب أَوْ ينتزعه من الأم حَتَّى يضر بالصبي ، فعلى هَذَا تكون الباء زائدة ، ومعناه : لا تضار والدة ولدها ولا أب بولده ، وكل هذه الأقاويل مروية عَنِ المفسرين . قوله تعالى : وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ سورة البقرة آية 233 اختلفوا فِي هَذَا الوارث ، فَقَالَ قوم : هُوَ وارث الصَّبِي ، معناه : وعلى وارث الصَّبِي ، الَّذِي لو مَات الصَّبِي وَلَهُ مال ورثه ، مثل الَّذِي كان على أَبِيهِ فِي حال حياته ، ثُمَّ اختلفوا فِي أيّ وارث هُوَ من ورثته ؟ فَقَالَ بَعْضهم : هُوَ عصبة الصَّبِي من الرجال ، مثل : الجد ، والأخ ، وابن الأخ ، والعم ، وابن العم ، وَهُوَ قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيم ، والحسن ، ومجاهد ، وعطاء ، وَهُوَ مذهب سُفْيَان ، قَالُوا : إِذَا لَمْ يكن للصبي ما ينفق عَلَيْهِ ، أجبرت عصبته الَّذِينَ يرثونه عَلَى أَن يسترضعوه ، وقيل : هُوَ وارث الصَّبِي من كَانَ من الرجال والنِّسَاء ، وَهُوَ قَوْل قَتَادَة ، وابن أَبِي ليلى ، ومذهب أَحْمَد ، وَإِسْحَاق ، وَقَالُوا : يجبر عَلَى نفقته كُل وارث عَلَى قدر ميراثه ، عصبة كَانُوا أَوْ غيرهم . وَقَالَ بَعْضهم : هُوَ من كَانَ ذا رحم محرم من ورثة المولود ، فمن لَيْسَ بمحرم مثل : ابْن العم ، والمولى ، فغير مراد بالآية ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة رحمه اللَّه ، وذهب جَمَاعَة إِلَى أَن المراد بالوارث هُوَ الصَّبِي نَفْسه ، الَّذِي هُوَ وارث أَبِيهِ المتوفى ، تَكُون أجرة رضاعه ونفقته فِي ماله ، فَإِن لَمْ يكن لَهُ مال فعلى الأم ، ولا يجبر عَلَى نفقة الصَّبِي إلا الوالدان ، وَهُوَ قَوْل مَالِك والشَّافِعِي رحمهما اللَّه ، وقيل : هُوَ الباقي من والدي المولود بَعْد وفاة الآخر ، عَلَيْهِ مثل مَا كَانَ عَلَى الأب من أجرة الرضاع والنفقة والكسوة . وقيل : لَيْسَ المراد منه النفقة ، بَل معناه : وعلى الوارث ترك المضارة ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِي والزهري ، فَإِنْ أَرَادَا سورة البقرة آية 233 يَعْنِي : الوالدين ، فِصَالا سورة البقرة آية 233 فطاما قبل الحولين ، عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا سورة البقرة آية 233 أي : اتفاق من الوالدين ، وَتَشَاوُرٍ سورة البقرة آية 233 أي : يشاورون أهل العلم بِهِ حَتَّى يخبروا أَن الفطام فِي ذَلِكَ الوقت لا يضر بالولد ، والمشاورة استخراج الرأي ، فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا سورة البقرة آية 233 أي : لا حرج عليهما فِي الفطام قبل الحولين ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ سورة البقرة آية 233 أي : لأولادكم مراضع غَيْر أمهاتهم إِذَا أبت أمهاتهم أن يرضعنهم ، أو تعذر لعلة بهن ، أَي : انقطاع لبن أَوْ أردن النكاح ، فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ سورة البقرة آية 233 إِلَى أمهاتهم ، مَا آتَيْتُمْ سورة البقرة آية 233 مَا سميتم لهن من أجرة الرضاع بقدر مَا أرضعن ، وقيل : إِذَا سلمتم أجور المراضع إليهن ، بِالْمَعْرُوفِ ، قرأ ابْن كثير مَا آتَيْتُمْ سورة البقرة آية 233 ، وَفِي الروم وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا سورة الروم آية 39 بقصر الألف ، ومعناه : مَا فعلتم ، يقال : أتيت جميلا إِذَا فعلته ، فعلى هذه القراءة يَكُون التسليم بمعنى الطاعة والانقياد لا بمعنى تسليم الأجرة ، يَعْنِي : إِذَا سلمتم لأمره وانقدتم لحكمه ، وقيل : إِذَا سلمتم للاسترضاع عَنْ تراض واتفاق دُونَ الضرار ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة البقرة آية 233 . وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ سورة البقرة آية 234 قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ سورة البقرة آية 234 أي : يموتون وتتوفى آجالهم ، وتوفى واستوفى بمعنى واحد ، ومعنى التوفي : أخذ الشيء وافيا ، وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا سورة البقرة آية 234 يتركون أزواجا ، يَتَرَبَّصْنَ سورة البقرة آية 234 ينتظرن ، بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا سورة البقرة آية 234 أي : يعتددن بترك الزينة والطيب والنقلة عَلَى فراق أزواجهن هذه المدة إلا أَن يكن حوامل فعدتهن بوضع الحمل ، وكانت عدة الوفاة فِي الابتداء حولا كاملا ، لقوله تَعَالَى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ سورة البقرة آية 240 ، ثُمَّ نسخت بأَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْر . وَقَالَ ابْن أَبِي نجيح عَنْ مجاهد : كانت هذه العدة يَعْنِي : أربعة أشهر وعشرا واجبة عِنْدَ أهل زوجها ، فأنزل اللَّه تَعَالَى : مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ سورة البقرة آية 240 ، فجعل لَهَا تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية ، إِن شاءت سكنت فِي وصيتها وإن شاءت خرجت ، وَهُوَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ سورة البقرة آية 240 ، فالعدة كَمَا هِيَ واجبة عَلَيْهَا . وَقَالَ عَطَاء : قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : نسخت هذه الآية عدتها عِنْدَ أهلها ، فتعتد حيث شاءت . قَالَ عَطَاء : إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت فِي وصيتها وإن شاءت خرجت ، قَالَ عَطَاء : ثُمَّ جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لَهَا . ويجب عَلَيْهَا الإحداد فِي عدة الوفاة ، وَهِيَ أَن تمنع من الزينة والطيب ، فلا يَجُوز لَهَا تدهين رأسها بأي دهن ، سواء كَانَ فِيهِ طيب أَوْ لَمْ يكن ، وَلَهَا تدهين جسدها بدهن لا طيب فِيهِ ، فَإِن كَانَ فِيهِ طيب فلا يَجُوز ، ولا يَجُوز لَهَا أَن تكتحل بكحل فِيهِ طيب ، أَوْ فِيهِ زينة كالكحل الأسود ، ولا بأس بالكحل الفارسي الَّذِي لا زينة فِيهِ ، فَإِن اضطرت إِلَى كحل فِيهِ زينة فَرخص فِيهِ كثير من أهل العلم ، مِنْهُم : سالم بْن عَبْد اللَّهِ ، وسليمان بْن يسار ، وعطاء ، والنخعي ، وَبِهِ قَالَ مَالِك وأَصْحَاب الرأي ، وَقَالَ الشَّافِعِي رحمه اللَّه : تكتحل بِهِ ليلا ، وتمسحه بالنهار . قَالَتْ أم سلمة : دَخَلَ عَلِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ توفي أَبُو سلمة ، وَقَدْ جعلت عَلَيّ صبرا ، فَقَالَ : " إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار " . ولا يَجُوز لَهَا الخضاب ولا لبس الوشي والديباج والحلي ، ويجوز لَهَا لبْسَ البيض من الثياب ولبس الصوف والوبر ، ولا تلبس الصوف المصبوغ للزينة كالأحمر والأخضر الناضر والأصفر ، ويجوز مَا صبغ لغير زينة كالسواد والكحلي ، وَقَالَ سُفْيَان : لا تلبس المصبوغ بحال .