162 أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ° ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ° ، أنا أَبُو مُصْعَبٍ ° ، عَنْ مَالِكٍ ° ، عَنْ هِشَام بْن عُرْوَةَ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنِ المسور بْن مخرمة ° ، أَن سبيعة نفست بَعْد وفاة زوجها بليال فجاءت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستأذنته أَن تنكح فأذن لَهَا فنكحت
قَوْله تَعَالَى : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ سورة البقرة آية 234 أي : انقضت عدتهن ، فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ سورة البقرة آية 234 خطاب للأولياء ، فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ سورة البقرة آية 234 أي : من اختيار الأزواج دُونَ العقد ، فإِن العقد إلى الولي ، وقيل : فيما فعلن من التزين للرجال زينة لا ينكرها الشرع ، بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ سورة البقرة آية 234 والإحداد واجب عَلَى المرأة فِي عدة الوفاة ، أما المعتدة عَنِ الطلاق ، نظر فَإِن كانت رجعية لا إحداد عَلَيْهَا فِي العدة ، لأن لَهَا أَن تضع مَا يشوق قلب الزوج إِلَيْهَا ليراجعها ، وَفِي البائنة بالخلع والطلقات الثلاثة قولان : أحدهما : عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها ، وَهُوَ قَوْل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة . وَالثَّانِي : لا إحداد عَلَيْهَا ، وَهُوَ قَوْل عَطَاء ، وَبِهِ قَالَ مَالِك . وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ سورة البقرة آية 235 قوله تعالى : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ سورة البقرة آية 235 أي : النِّسَاء المعتدات ، وأصل التعريض هُوَ التلويح بالشيء ، والتعريض فِي الْكَلام : مَا يفهم بِهِ السامع مراده من غَيْر تصريح ، والتعريض بالخطبة مباح فِي العدة ، وَهُوَ أَن يَقُول : رُبّ راغب فيك ، من يجد مثلك ، إنك لجميلة ، وإنك لصالحة ، وإنك عَلِي لكريمة ، وإني فيك لراغب ، وإن من غرضي أَن أتزوج ، وإن جمع اللَّه بيني وبينك بالحلال أعجبني ، ولئن تزوجتك لأحسنن إليك ، ونحو ذَلِكَ من الْكَلام من غَيْر أَن يَقُول : أنكحيني ، والمرأة تجيبه بمثله إِن رغبت فِيهِ ، وَقَالَ إِبْرَاهِيم : لا بأس أَن يهدي إِلَيْهَا ، ويقوم بشغلها فِي العدة إِذَا كانت من شأنه . رُوِيَ أَن سكينة بِنْت حنظلة بانت من زوجها فدخل عَلَيْهَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِي الباقر فِي عدتها ، وَقَالَ : يا بِنْت حنظلة ، أنا من قَدْ علمت قرابتي من رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وحق جدي عَلِي وقدمي فِي الإِسْلام . فَقَالَتْ سكينة : أتخطبني وأنا فِي العدة ، وأنت يؤخذ العلم عَنْك ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا أخبرتك بقرابتي من رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَدْ دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أم سلمة وَهِيَ فِي عدة زوجها أَبِي سلمة ، فذكر لَهَا منزلته من اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ متحامل عَلَى يده حَتَّى أثر الحصير فِي يده من شدة تحامله عَلَى يده . والتعريض بالخطبة جائز فِي عدة الوفاة ، أما المعتدة عَنْ فرقة الحياة نُظِر : إِن كانت مِمَّن لا يحل لمن بانت منه نكاحها كالمطلقة ثلاثا ، والمبانة باللعان ، والرضاع فَإِنَّهُ يَجُوز خطبتها تعريضا ، وإن كانت مِمَّن يحل للزوج نكاحها كالمختلعة والمفسوخ نكاحها ، يَجُوز لزوجها خطبتها تعريضا وتصريحا . وهل يَجُوز للغير تعريضا ؟ فِيهِ قولان : أحدهما : يَجُوز كالمطلقة ثلاثا . وَالثَّانِي : لا يَجُوز ، لأن المعاودة ثابتة لصاحب العدة كالرجعية لا يَجُوز للغير تعريضها بالخطبة . قوله تعالى : مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ سورة البقرة آية 235 الخطبة التماس النكاح ، وَهِيَ مصدر خطب الرجل المرأة يخطب خطبة ، وَقَالَ الأخفش : الخطبة الذكر ، والخطبة التشهد ، فيكون معناه : فيما عرضتم بِهِ من ذكر النِّسَاء عندهن ، أَوْ أَكْنَنْتُمْ سورة البقرة آية 235 أضمرتم ، فِي أَنْفُسِكُمْ سورة البقرة آية 235 من نكاحهن ، يقال : أكننت الشيء وكننته لغتان ، وَقَالَ ثعلب : أكننت الشيء ، أي : أخفيته فِي نفسي ، وكننته : سترته ، وقَالَ السدي : هُوَ أَن يدخل فيسلم ، ويهدي إِن شاء ، ولا يتكلم بشيء ، عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ سورة البقرة آية 235 بقلوبكم ، وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا سورة البقرة آية 235 اختلفوا فِي السر المنهي عَنْهُ ، فَقَالَ قوم : هُوَ الزنا ، كَانَ الرجل يدخل عَلَى المرأة من أجل الزينة وَهُوَ يتعرض بالنكاح ، وَيَقُول لَهَا : دعيني ، فَإِذَا أوفيت عدتك أظهرت نكاحك ، هَذَا قَوْل الْحَسَن ، وَقَتَادَة ، وإبراهيم ، وعطاء ، ورواية عطية عَنِ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ زَيْد بْن أسلم : أي لا ينكحها سرا فيمسكها ، فَإِذَا حلت أظهر ذَلِكَ . وَقَالَ مجاهد : هُوَ قَوْل الرجل : لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك ، وَقَالَ الشَّعْبِي والسدي : لا يأخذ ميثاقها أَن لا تنكح غيره ، وَقَالَ عكرمة : لا ينكحها ولا يخطبها فِي العدة . قَالَ الشَّافِعِي : السر هُوَ الجماع ، وَقَالَ الكلبي : أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ، فَيَقُول : آتيك الأربعة والخمسة وأشباه ذَلِكَ ، ويذكر السر ويراد بِهِ الجماع ، قَالَ امرؤ القيس : ألا زعمت بسباسة الْقَوْم أنني كبرت وألا يحسن السر أمثالي وإنما قيل للزنى والجماع : سر ، لأنه يَكُون فِي خفاء بَيْنَ الرجل والمرأة . قوله تعالى : إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا سورة البقرة آية 235 هُوَ مَا ذَكَرْنَا من التعريض بالخطبة . قوله تعالى : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ سورة البقرة آية 235 أي : لا تحققوا العزم عَلَى عقدة النكاح فِي العدة حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ، أي : حَتَّى تنقضي العدة ، وسماها اللَّه كتابا لأنها فرض من اللَّه كقوله تَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ أي : فرض عليكم . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ سورة البقرة آية 235 أي : فخافوا اللَّه ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ سورة البقرة آية 235 لا يعجل بالعقوبة . لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ سورة البقرة آية 236 قوله تَعَالَى : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً سورة البقرة آية 236 أي : وَلَمْ تمسوهن وَلَمْ تفرضوا ، نزلت فِي رجل من الأنصار تزوج امْرَأَة من بَنِي حَنِيفَة وَلَمْ يسم لَهَا مهرا ، ثُمَّ طلقها قبل أَن يمسها ، فنزلت هذه الآية ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " متعها ولو بقلنسوتك " . قرأ حمزة والكسائي مَا لَمْ تماسوهن بالألف ههنا ، وَفِي الأحزاب عَلَى المفاعلة ، لأن بدن كُل واحد منهما يلاقي بدن صاحبه ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا سورة المجادلة آية 3 ، وقرأ الباقون تَمَسُّوهُنَّ سورة البقرة آية 236 بلا ألف ، لأن الغشيان يَكُون من فعل الرجل ، دليله قَوْله تَعَالَى : وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ سورة آل عمران آية 47 . قوله تعالى : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً سورة البقرة آية 236 أي : توجبوا لهن صداقا ، فَإِن قيل : فَمَا الوجه فِي نفي الجناح عَنِ المطلق ؟ قيل : الطلاق قطع سبب الوصلة ، وجاء فِي الْحَدِيث : " أبغض الحلال إِلَى اللَّه تَعَالَى الطلاق " . فنفي الجناح عَنْهُ إِذَا كَانَ الفراق أروح من الإمساك ، وقيل : معناه لا سبيل للنساء عليكم إِن طلقتموهن من قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة ، وقيل : لا جناح عليكم فِي تطليقهن قبل المسيس فِي أي وقت شئتم ، حائضا كانت المرأة أَوْ طاهرا ، لأنه لا سنة ولا بدعة فِي طلاقها قبل الدخول بِهَا بخلاف المدخول بِهَا ، فَإِنَّهُ لا يَجُوز تطليقها فِي حال الحيض ، وَمَتِّعُوهُنَّ سورة البقرة آية 236 أي : أعطوهن من مالكم مَا يتمتعن بِهِ ، والمتعة والمتاع : مَا يتبلغ بِهِ من الزاد ، عَلَى الْمُوسِعِ سورة البقرة آية 236 أي : عَلَى الغني ، قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ سورة البقرة آية 236 أي : الفقير ، قَدَرُهُ سورة البقرة آية 236 أي : إمكانه وطاقته . قرأ أَبُو جَعْفَر ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص قدره بفتح الدال فيهما ، وقرأ الآخرون بسكونهما ، وهما لغتان ، وقيل : القدر بسكون الدال المصدر ، وبالفتح الاسم ، مَتَاعًا سورة البقرة آية 236 نصب عَلَى المصدر ، أي : متعوهن مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ سورة البقرة آية 236 أي : بِمَا أمركم اللَّه بِهِ من غَيْر ظلم ، حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ سورة البقرة آية 236 وبيان حكم الآية : أَن من تزوج امْرَأَة وَلَمْ يفرض لَهَا مهرا ، ثُمَّ طلقها قبل المسيس ، تجب لَها المتعة بالاتفاق ، وإن طلقها بَعْد الفرض قبل المسيس فلا متعة لَهَا عَلَى قَوْل الأكثرين ، وَلَهَا نصف المهر المفروض . واختلفوا فِي المطلقة بَعْد الدخول بِهَا ، فذهبت جَمَاعَة إِلَى أَنَّهَ لا متعة لَهَا ، لأنها تستحق المهر ، وَهُوَ قَوْل أَصْحَاب الرأي ، وذهب جَمَاعَة إِلَى أَنَّهَا تستحق المتعة ، لقوله تَعَالَى : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ سورة البقرة آية 241 ، وَهُوَ قَوْل عَبْد اللَّهِ بْن عُمَر ، وَبِهِ قَالَ عَطَاء ، ومجاهد ، والقاسم بْن مُحَمَّد ، وإليه ذهب الشَّافِعِي ، لأن استحقاقها المهر بمقابلة مَا أتلف عَلَيْهَا من منفعة البضع ، فلها المتعة عَلَى وحشة الفراق ، فعلى القول الأَوَّل : لا متعة إلا لواحدة ، وَهِيَ المطلقة قبل الفرض والمسيس ، وعلى القول الثَّانِي : لكل مطلقة متعة إلا لواحدة ، وَهِيَ المطلقة بَعْد الفرض قبل المسيس . وقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن عُمَر : لكل مطلقة متعة إلا الَّتِي فرض لَهَا وَلَمْ يمسها زوجها فحسبها نصف المهر . قَالَ الزُّهْرِي : متعتان يقضي بإحداهما السلطان ولا يقضي بالأخرى ، بَل يلزمه فيما بينه وبين اللَّه تَعَالَى ، فأما الَّتِي يقضي بِهَا السلطان فَهِيَ المطلقة قبل الفرض والمسيس ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ سورة البقرة آية 236 ، والتي تلزمه فيما بينه وبين اللَّه تَعَالَى ولا يقضي بِهَا السلطان فَهِيَ المطلقة بَعْد المسيس وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ سورة البقرة آية 241 . وذهب الْحَسَن وسعيد بْن جُبَيْر إِلَى أَن لكل مطلقة متعة ، سواء كَانَ قبل الفرض والمسيس أَوْ بَعْد الفرض قبل المسيس ، لقوله تَعَالَى : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ سورة البقرة آية 241 ، ولقوله تَعَالَى فِي سورة الأحزاب : فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا سورة الأحزاب آية 49 ، وَقَالا : معنى قَوْله تَعَالَى : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً سورة البقرة آية 236 أي : أو لم تفرضوا لهن فريضة . وَقَالَ بَعْضهم : المتعة غَيْر واجبة والأمر بِهَا أمر ندب واستحباب . ورُوِيَ أَن رجلا طلق امرأته وَقَدْ دَخَلَ بِهَا ، فخاصمته إِلَى شريح فِي المتعة ، فَقَالَ شريح : لا تأب أَن تكون من المحسنين ، ولا تأب أَن تكون من المتقين ، وَلَمْ يجبره عَلَى ذَلِكَ . واختلفوا فِي قدر المتعة ، فروي عَنِ ابْن عَبَّاس : أعلاها خادم ، وأوسطها ثلاثة أثواب : درع ، وخمار ، وإزار ، ودون ذَلِكَ وقاية أَوْ شَيْء من الورق . وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِي ، والزهري ، وَهَذَا مذهب الشَّافِعِي ، وقَالَ : أعلاها عَلَى الموسع خادم ، وأوسطها ثوب ، وأقلها ما له ثمن ، وحسن ثلاثون درهما . وطلق عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عوف امرأته وحممها جارية سوداء ، أي : متعها ، ومتع الْحَسَن بْن عَلِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ امْرَأَة لَهُ بعشرة آلاف درهم ، فَقَالَتْ : متاع قليل من حبيب مفارق . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رحمه اللَّه : مبلغها إِذَا اختلف الزوجان قدر نصف مهر مثلها لا يجاوز . والآية تَدُل عَلَى أَنَّهُ يعتبر حال الزوج فِي العسر واليسر ، ومن حكم الآية : أَن من تزوج امْرَأَة بالغة برضاها عَلَى غَيْر مهر يصح النكاح ، وللمرأة مطالبته بأن يفرض لَهَا صداقا ، فَإِن دَخَلَ بِهَا قبل الفرض فلها عَلَيْهِ مهر مثلها ، وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة ، وإن مَات أحدهما قبل الفرض والدخول اختلف أهل العلم فِي أَنَّهَا هل تستحق المهر أم لا ؟ فَذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى أَنَّهُ لا مهر لَهَا ، وَهُوَ قَوْل عَلِي ، وزيد بْن ثابت ، وعبد اللَّه بْن عُمَر ، وعبد اللَّه بْن عَبَّاس ، كَمَا لو طلقها قبل الفرض والدخول ، وذهب قوم إِلَى أَن لَهَا المهر ، لأن الْمَوْت كالدخول فِي تقرير المسمى ، كَذَلِكَ فِي إيجاب مهر المثل إِذَا لَمْ يكن فِي العقد مسمى ، وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِي وأَصْحَاب الرأي ، واحتجوا بِمَا رُوِيَ عَنْ علقمة ، عَنِ ابْن مَسْعُود أَنَّهُ سئل عَنْ رجل تزوج امْرَأَة وَلَمْ يفرض لَهَا صداقا ، وَلَمْ يدخل بِهَا حَتَّى مَات ؟ فَقَالَ ابْن مَسْعُود : لَهَا صداق نسائها ولا وكس ولا شطط ، وعليها العدة ، وَلَهَا الميراث . فقام معقل بْن يسار الأشجعي ، فَقَالَ : قضى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بروع بِنْت واشق امْرَأَة منا مثل مَا قضيت ، ففرح بِهَا ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَالَ الشَّافِعِي رحمه اللَّه : فَإِن ثبت حَدِيث بروع بِنْت واشق فلا حجة فِي قَوْل أحد دُونَ قَوْل النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإن لَمْ يثبت فلا مهر لَهَا وَلَهَا الميراث ، وَكَانَ عَلِي يَقُول فِي حَدِيث بروع : لا يقبل قَوْل أعرابي من أشجع عَلَى كتاب اللَّه وسنة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة البقرة آية 237 وقوله تَعَالَى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ سورة البقرة آية 237 هَذَا فِي المطلقة بَعْد الفرض قبل المسيس فلها نصف المفروض ، وإن مَات أحدهما قبل المسيس فلها كمال المهر المفروض ، والمراد بالمس المذكور فِي الآية : الجماع ، واختلف أهل العلم فيما لو خلا الرجل بامرأته ثُمَّ طلقها قبل أَن يدخل بِهَا ، فَذَهَبَ قوم إِلَى أَنَّهُ لا يجب لَهَا إلا نصف الصداق ، ولا عدة عَلَيْهَا ، لأن اللَّه تَعَالَى أوجب بالطلاق قبل المسيس نصف المهر ، وَلَمْ يوجب العدة ، وَهُوَ قَوْل ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ، وابن مَسْعُود ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِي رحمه اللَّه . وَقَالَ قوم : يجب لَهَا كمال المهر وعليها العدة ، لما رُوِيَ عَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أرخيت الستور فَقَدْ وجب الصداق . ومثله عَنْ زَيْد بْن ثابت ، وحمل بَعْضهم قَوْل عُمَر عَلَى وجوب تسليم الصداق إِلَيْهَا إِذَا سلمت نفسها لا عَلَى تقدير الصداق ، وقيل : هذه الآية ناسخة للآية الَّتِي فِي سورة الأحزاب : فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ سورة الأحزاب آية 49 ، فَقَدْ كَانَ للمطلقة قبل المسيس متاع فنسخت بِهَذِهِ الآية ، وأوجب للمطلقة المفروض لَهَا قبل المسيس نصف المفروض ولا متاع لَهَا . وقوله تَعَالَى : وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً سورة البقرة آية 237 أي : سميتم لهن مهرا ، فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ سورة البقرة آية 237 أي : لَهَا نصف المهر المسمى ، إِلا أَنْ يَعْفُونَ سورة البقرة آية 237 يَعْنِي : النِّسَاء ، أي : إلا أَن تترك المرأة نصيبها فيعود جَمِيع الصداق إِلَى الزوج . قوله تعالى : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ سورة البقرة آية 237 اختلفوا فِيهِ ، فَذَهَبَ بَعْضهم إِلَى أَن الَّذِي بيده عقدة النكاح هُوَ الولي ، وَبِهِ قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، معناه : إلا أَن تعفو المرأة بترك نصيبها إِلَى الزوج إِن كانت ثيبا من أهل العفو ، أَوْ يعفو وليها فيترك نصيبها إِن كانت المرأة بكرا أَوْ غَيْر جائزة الأمر ، فيجوز عفو وليها ، وَهُوَ قَوْل علقمة ، وعطاء ، والحسن ، والزهري ، وربيعة . وذهب بَعْضهم إلى أنه إنما يجوز عفو الولي إذا كانت المرأة بكرا ، فإن كانت ثيبا فلا يجوز عفو وليها . وقال بعضهم : الَّذِي بيده عقدة النكاح هُوَ الزوج ، وَهُوَ قَوْل عَلِي ، وَبِهِ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ، وسعيد بْن جُبَيْر ، والشعبي ، وشريح ، ومجاهد ، وَقَتَادَة ، وَقَالُوا : لا يَجُوز لوليها ترك الشيء من الصداق ، بكرا كانت أَوْ ثيبا ، كَمَا لا يَجُوز لَهُ ذَلِكَ قبل الطلاق بالاتفاق ، وكَمَا لا يَجُوز لَهُ أَن يهب شَيْئًا من مالها ، وَقَالُوا : معنى الآية : إلا أَن تعفو المرأة بترك نصيبها فيعود جَمِيع الصداق إِلَى الزوج ، أَوْ يعفو الزوج بترك نصيبه فيكون لَهَا جَمِيع الصداق ، فعلى هَذَا التأويل وجه الآية الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ سورة البقرة آية 237 : نكاح نَفْسه فِي كُل حال قبل الطلاق أَوْ بعده ، وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى سورة البقرة آية 237 موضعه رفع الابتداء ، أي : فالعفو أقرب للتقوى ، أي : إِلَى التقوى ، والخطاب للرجال والنساء جميعا ، لأن المذكر والمؤنث إِذَا اجتمعا كانت الغلبة للمذكر ، معناه : وعفو بعضكم عَنْ بَعْض أقرب للتقوى ، وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ سورة البقرة آية 237 أي : إفضال بعضكم عَلَى بَعْض بإعطاء الرجل تمام الصداق أَوْ ترك المرأة نصيبها ، حثهما جميعا عَلَى الإحسان ، إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة البقرة آية 237 . حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ سورة البقرة آية 238 قوله تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى سورة البقرة آية 238 أي : واظبوا وداوموا عَلَى الصلوات المكتوبات بمواقيتها ، وحدودها ، وإتمام أركانها ، ثُمَّ خص من بينها الصلاة الوسطى بالمحافظة عَلَيْهَا ، دلالة عَلَى فضلها . والوسطى تأنيث الأوسط ، ووسط الشيء : خيره وأعدله ، واختلف الْعُلَمَاء من الصَّحَابَة ومن بعدهم فِي الصلاة الوسطى ، فَقَالَ قوم : هِيَ صلاة الفجر ، وَهُوَ قَوْل عُمَر ، وابن عُمَر ، وابن عَبَّاس ، ومعاذ ، وجابر ، وَبِهِ قَالَ عَطَاء ، وعكرمة ، ومجاهد ، وإليه مال مَالِك ، والشَّافِعِي ، لأن اللَّه تَعَالَى قَالَ : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ سورة البقرة آية 238 والقنوت طول القيام ، وصلاة الصبح مخصوصة بطول القيام وبالقنوت ، لأن اللَّه تَعَالَى خصها فِي آية أُخْرَى من بَيْنَ الصلوات ، فَقَالَ اللَّه : وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا سورة الإسراء آية 78 ، يَعْنِي : تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار ، فَهِيَ مكتوبة فِي ديوان الليل وديوان النهار ، ولأنها بَيْنَ صلاتي جمع ، وَهِيَ لا تقصر ولا تجمع إِلَى غيرها . وذهب قوم إِلَى أَنَّهَا صلاة الظهر ، وَهُوَ قَوْل زَيْد بْن ثابت ، وأبي سَعِيد الخدري ، وأسامة بْن زَيْد ، لأنها فِي وسط النهار ، وَهِيَ أوسط صلاة النهار فِي الطول .