أنا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ ° ، أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ ° ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ ° ، أنا الرَّبِيعُ ° ، أنا الشَّافِعِيُّ ° ، أنا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ° ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ° ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ° ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَقُولُ : " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ اسْتَنَدَ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ، فَلَمَّا صُنْعَ لَهُ الْمِنْبَرُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَةُ ، وَحَنَّتْ كَحَنِينِ النَّاقَةِ حَتَّى سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ ، حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَنَقَهَا فَسَكَنَتْ " .
قَالَ مجاهد : لا ينزل حجر من أعلى إِلَى الأسفل إلا من خشية اللَّه ، ويشهد لما قُلْنَا قَوْله تَعَالَى : لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سورة الحشر آية 21 . قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ سورة البقرة آية 74 بساه . عَمَّا تَعْمَلُونَ سورة البقرة آية 74 وعيد وتهديد ، وقيل : بتارك عقوبة مَا تعملون ، بَل يجازيكم بِهِ . قرأ ابْن كثير : يعملون بالياء ، والآخرون بالتاء . أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ { 75 } وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ { 76 } سورة البقرة آية 75-76 قَوْله تَعَالَى : أَفَتَطْمَعُونَ سورة البقرة آية 75 أفترجون ؟ يريد محمدًا وأَصْحَابه . أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ سورة البقرة آية 75 تصدقكم الْيَهُود بِمَا تخبرونهم بِهِ . وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ سورة البقرة آية 75 يَعْنِي التَّوْرَاة . ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ سورة البقرة آية 75 يغيرون مَا فِيهَا من الأَحْكَام . مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ سورة البقرة آية 75 علموه ، كما غَيّروا صفة مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وآية الرجم . وَهُمْ يَعْلَمُونَ سورة البقرة آية 75 أنهم كاذبون ، هَذَا قَوْل مجاهد ، وَقَتَادَة ، وعكرمة ، والسدي ، وجماعة . وَقَالَ ابْن عَبَّاس ومقاتل : نزلت فِي السبعين الَّذِينَ اختارهم مُوسَى لميقات ربه ، وَذَلِكَ أنهم لما رجعوا ، بعدما سمعوا كَلام اللَّه ، إِلَى قومهم ، رجع النَّاس إِلَى قولهم ، وَأَمَّا الصادقون مِنْهُم فأدوا كَمَا سمعوا ، وَقَالَتْ طائفة مِنْهُم : سمعنا اللَّه يَقُول فِي آخر كلامه : " إِن استطعتم أَن تفعلوا فافعلوا ، وإن شئتم فلا تفعلوا " . فهذا تحريفهم وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق . وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا سورة البقرة آية 76 قَالَ ابْن عَبَّاس ، والحسن ، وَقَتَادَة : يَعْنِي منافقي الْيَهُود الَّذِينَ آمنوا بألسنتهم ، إِذَا لقوا الْمُؤْمِنيِنَ المخلصين . قَالُوا آمَنَّا سورة البقرة آية 76 كإيمانكم . وَإِذَا خَلا سورة البقرة آية 76 رجع ، بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ سورة البقرة آية 76 كعب بْن الأشرف ، وكعب بْن أسد ، ووهب بْن يهودا ، وغيرهم من رؤساء الْيَهُود ، لأمرهم عَلَى ذَلِكَ . قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ سورة البقرة آية 76 بِمَا قص اللَّه عليكم فِي كتابكم أَن محمدا حق ، وقوله صدق ، والفتاح : القاضي . وَقَالَ الْكِسَائِي : بِمَا بينه الله لكم من العلم بصفة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونعته ، وَقَالَ الواقدي : بِمَا أنزل اللَّه عليكم ، ونظيره : لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ سورة الأعراف آية 96 أي : أنزلنا ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : بِمَا منّ اللَّه عليكم وأعطاكم . لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ سورة البقرة آية 76 ليخاصموكم ، يعني أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويحتجوا بقولكم عليكم ، فيقولوا : قَدْ أقررتم أَنَّهُ نبي حق فِي كتابكم ، ثُمَّ لا تتبعونه ! وَذَلِكَ أنهم قَالُوا لأهل الْمَدِينَة حِينَ شاوروهم فِي اتباع مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آمنوا بِهِ فَإِنَّهُ حق . ثُمَّ قَالَ بَعْضهم لبعض : أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا أنزل اللَّهُ عَلَيْكُمْ لتكون لَهُمُ الحجة عليكم ؟ عِنْدَ رَبِّكُمْ سورة البقرة آية 76 فِي الدنيا والآخرة ، وقيل : إنهم أخبروا الْمُؤْمِنيِنَ بِمَا عذبهم اللَّه بِهِ عَلَى الجنايات ، فَقَالَ بَعْضهم لبعض : أتحدثونهم بِمَا أنزل اللَّه عليكم من العذاب ، ليحاجوكم بِهِ عِنْدَ ربكم ، ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم عِنْدَ اللَّه ؟ وَقَالَ مجاهد : هُوَ قَوْل يَهُود قريظة ، قَالَ بَعْضهم لبعض حِينَ قَالَ لَهُمُ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يا إخوان القردة والخنازير " . فَقَالُوا : من أخبر محمدا بِهَذَا ؟ مَا خرج هَذَا إلا منكم . أَفَلا تَعْقِلُونَ سورة البقرة آية 76 . أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ { 77 } وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ { 78 } سورة البقرة آية 77-78 قَال الله تَعَالَى : أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ سورة البقرة آية 77 يخفون . وَمَا يُعْلِنُونَ سورة البقرة آية 77 يبدون ، يَعْنِي الْيَهُود . وقوله تَعَالَى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ سورة البقرة آية 78 أي : من الْيَهُود أميون لا يحسنون القراءة والكتابة ، جمع أمي ، منسوب إِلَى الأم كَأَنَّهُ باق عَلَى مَا انفصل من الأم ، لَمْ يتعلم كتابة ولا قراءة . وروي عَنِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " إنا أمة أمية ، لا نكتب ولا نحسب " . وقيل : هُوَ منسوب إِلَى أم القرى ، وَهِيَ مَكَّة . لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ سورة البقرة آية 78 قرأ أَبُو جَعْفَر : أَمَانِيَ بتخفيف الياء فِي كُل الْقُرْآن ، حذف إحدى الياءين تخفيفا ، وقراءة العامة بالتشديد ، وَهِيَ جمع الأمنية وَهِيَ التلاوة ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ سورة الحج آية 52 أي : فِي قراءته . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : إلا تلاوته وقراءته عَنْ ظهر القلب ، لا يقرءونه من كتاب . وقيل : يعلمونه حفظًا وقراءة لا يعرفون معناه . وقَالَ ابْن عَبَّاس : يَعْنِي : غَيْر عارفين بمعاني الكتاب . وَقَالَ مجاهد وَقَتَادَة : إلا كذبا وباطلا . قَالَ الفراء : الأماني : الأحاديث المفتعلة . قَالَ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَا تمنيت منذ أسلمت . أي : مَا كذبت . وأراد بِهَا الأشياء الَّتِي كتبها علماؤهم من عِنْدَ أنفسهم ، ثُمَّ أضافوها إِلَى اللَّه عز وجل من تغيير نعت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيره ، وَقَالَ الْحَسَن وَأَبُو العالية : هِيَ من التمني ، وَهِيَ أمانيهم الباطلة الَّتِي تمنوها عَلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ، مثل قولهم : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى سورة البقرة آية 111 وقولهم : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً سورة البقرة آية 80 وقولهم : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ سورة المائدة آية 18 فعلى هَذَا تَكُون إِلا بمعنى لكن ، أي : لا يَعْلَمُونَ الكتاب ، لكن يتمنون أشياء لا تحصل لَهُمْ . وَإِنْ هُمْ سورة البقرة آية 78 وَمَا هُمْ . إِلا يَظُنُّونَ سورة البقرة آية 78 وَمَا هم إلا يظنون ظنا وتوهما لا يقينا ، قاله قَتَادَة والربيع ، وَقَالَ مجاهد : يكذبون . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ سورة البقرة آية 79 قَوْله تَعَالَى : فَوَيْلٌ سورة البقرة آية 79 قَالَ الزجاج : ويل كلمة يقولها كل واقع فِي هلكة . وقيل : هُوَ دعاء الكفار عَلَى أنفسهم بالويل والثبور . وَقَالَ ابْن عَبَّاس : شدة العذاب . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : ويل واد فِي جهنم ، لو سيرت فِيهِ جبال الدنيا لانماعت من شدة حره .