أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ ° ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ ° ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ ° ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ ° ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ° ، ثنا مَعْمَرٌ ° ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ° ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ° ، عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ ° وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ ، قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " لَيْسَ بالْكَذَّابِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَمَّى خَيْرًا "
قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ سورة النساء آية 114 أي : هذه الأشياء التي ذكرها ، ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ سورة النساء آية 114 أي : طلب رضاه ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ سورة النساء آية 114 في الآخرة ، أَجْرًا عَظِيمًا سورة النساء آية 114 قرأ أبو عمرو , وحمزة يؤتيه بالياء ، يعني : يؤتيه الله ، وقرأ الآخرون بالنون . وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا { 115 } إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا { 116 } إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا { 117 } سورة النساء آية 115-117 قوله تعالى : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ سورة النساء آية 115 نزلت في طعمة بن أبيرق ، وذلك أنه لما ظهرت عليه السرقة خاف على نفسه من قطع اليد والفضيحة ، فهرب إلى مكة وارتد عن الدين ، فقَالَ تَعَالَى : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ سورة النساء آية 115 أي : يخالفه ، مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى سورة النساء آية 115 من التوحيد والحدود ، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ سورة النساء آية 115 أي : غير طريق المؤمنين ، نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى سورة النساء آية 115 أي : نكله في الآخرة إلى ما تولى في الدنيا ، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا سورة النساء آية 115 . روي أن طعمة بن أبيرق نزل على رجل من بني سليم من أهل مكة ، يقال له : الحجاج بن علاط ، فنقب بيته فسقط عليه حجر فلم يستطع أن يدخل ولا أن يخرج حتى أصبح ، فأخذ ليقتل ، فقال بعضهم : دعوه ، فإنه قد لجأ إليكم . فتركوه ، فأخرجوه من مكة ، فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام ، فنزلوا منزلا فسرق بعض متاعهم وهرب ، فطلبوه وأخذوه ورموه بالحجارة حتى قتلوه ، فصار قبره تلك الحجارة ، وقيل : إنه ركب سفينة إلى جدة ، فسرق فيها كيسا فيه دنانير ، فأخذ فألقي في البحر ، وقيل : إنه نزل في حرة بني سليم ، وكان يعبد صنما إلى أن مات ، فأنزل الله تعالى فيه : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا سورة النساء آية 116 أي : ذهب عن الطريق وحرم الخير كله . وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن هذه الآية نزلت في شيخ من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا نبي ، إني شيخ متهتك في الذنوب ، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به ، ولم أتخذ من دونه وليا ، ولم أواقع المعاصي جرأة على الله ، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا ، وإني لنادم تائب مستغفر ، فما حالي ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية . قوله تعالى : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا سورة النساء آية 117 نزلت في أهل مكة ، أي : ما يعبدون ، كقوله تعالى : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي سورة غافر آية 60 أي : اعبدوني ، بدليل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سورة غافر آية 60 ، قوله : مِنْ دُونِهِ سورة النساء آية 117 أي : من دون الله ، إِلا إِنَاثًا سورة النساء آية 117 أراد بالإناث : الأوثان ، لأنهم كانوا يسمونها باسم الإناث ، فيقولون : اللات والعزى ومناة ، وكانوا يقولون لصنم كل قبيلة : أنثى بني فلان ، فكان في كل واحدة منهن شيطان يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم ، ولذلك قال : وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا سورة النساء آية 117 هذا قول أكثر المفسرين . يدل على صحة هذا التأويل ، أن المراد بالإناث الأوثان : قراءة ابن عباس رضي الله عنهما إن يدعون من دونه إلا أُثُنا جمع جمع الوثن فصير الواو همزة . وقال الحسن ، وقتادة : إلا إناثا أي : مواتا لا روح فيه ، لأن أصنامهم كانت من الجمادات ، سماها إناثا لأنه يخبر عن الموات ، كما يخبر عن الإناث ، ولأن الإناث أدون الجنسين ، كما أن الموات أرذل من الحيوان . وقال الضحاك : أراد بالإناث الملائكة ، وكان بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون : الملائكة إناث ، كما قال الله تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا سورة الزخرف آية 19 ، وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا سورة النساء آية 117 أي : وما يعبدون إلا شيطانا مريدا ، لأنهم إذا عبدوا الأصنام فقد أطاعوا الشيطان ، والمريد : المارد ، وهو المتمرد العاتي الخارج عن الطاعة ، وأراد : إبليس . لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا { 118 } وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا { 119 } سورة النساء آية 118-119 لَعَنَهُ اللَّهُ سورة النساء آية 118 أي : أبعده الله من رحمته ، وَقَالَ سورة النساء آية 118 يعني : قال إبليس ، لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا سورة النساء آية 118 أي : حظا معلوما ، فما أطيع فيه إبليس فهو مفروضه ، وفي بعض التفاسير : من كل ألف واحد لله تعالى ، وتسع مائة وتسعة وتسعون لإبليس ، وأصل الفرض في اللغة : القطع ، ومنه الفرصة في النهر وهي الثلمة تكون فيه ، وفرض القوس والشراك : للشق الذي يكون فيه الوتر والخيط الذي يشد به الشراك . وَلأُضِلَّنَّهُمْ سورة النساء آية 119 يعني : عن الحق ، أي : لأغوينهم ، يقوله إبليس ، وأراد به التزيين ، وإلا فليس إليه من الإضلال شيء ، كما قال : لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ سورة الحجر آية 39 ، وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ سورة النساء آية 119 قيل : أمنينهم ركوب الأهواء ، وقيل : أمنينهم أن لا جنة ولا نار ولا بعث ، وقيل : أمنينهم إدراك الآخرة مع ركوب المعاصي ، وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ سورة النساء آية 119 أي : يقطعونها ويشقونها ، وهي البحيرة ، وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ سورة النساء آية 119 قال ابن عباس رضي الله عنهما ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، وسعيد بن المسيب ، والضحاك : يعني : دين الله ، نظيره قوله تعالى : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ سورة الروم آية 30 أي : لدين الله ، يريد وضع الله في الدين بتحليل الحرام وتحريم الحلال . وقال عكرمة ، وجماعة من المفسرين : فليغيرن خلق الله بالخصاء ، والوشم ، وقطع الآذان حتى حرم بعضهم الخصاء ، وجوزه بعضهم في البهائم ، لأن فيه غرضا ظاهرا ، وقيل : تغيير خلق الله هو أن الله تعالى خلق الأنعام للركوب والأكل فحرموها ، وخلق الشمس , والقمر , والأحجار , لمنفعة العباد فيعبدونها من دون الله ، وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ سورة النساء آية 119 أي : ربا يطيعه ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا سورة النساء آية 119 . يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا { 120 } أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا { 121 } وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا { 122 } لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا { 123 } سورة النساء آية 120-123 يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ سورة النساء آية 120 فوعده وتمنيته ما يوقع في قلب الإنسان من طول العمر ، ونيل الدنيا ، وقد يكون بالتخويف بالفقر ، فيمنعه من الإنفاق وصلة الرحم ، كما قال الله تعالى : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ سورة البقرة آية 268 ، ويمنيهم بأن لا بعث ولا جنة ولا نار ، وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا سورة النساء آية 120 أي : باطلا . أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا سورة النساء آية 121 أي : مفرا ومعدلا عنها . قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ سورة النساء آية 122 أي : من تحت الغرف والمساكن ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا سورة النساء آية 122 . قوله تعالى : لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ سورة النساء آية 123 الآية ، قال مسروق ، وقتادة ، والضحاك : أراد ليس بأمانيكم أيها المسلمون ولا أماني أهل الكتاب ، يعني : اليهود والنصارى ، وذلك أنهم افتخروا ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، فنحن أولى بالله منكم . وقال المسلمون : نبينا خاتم الأنبياء ، وكتابنا يقضي على الكتب ، وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا ، فنحن أولى . وقال مجاهد : أراد بقوله : لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ سورة النساء آية 123 يا مشركي أهل الكتاب ، وذلك أنهم قالوا : لا بعث ولا حساب ، وقال أهل الكتاب : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً سورة البقرة آية 80 ، لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى سورة البقرة آية 111 ، فأنزل الله تعالى : لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ سورة النساء آية 123 ، أي : ليس الأمر بالأماني ، وإنما الأمر بالعمل الصالح . مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ سورة النساء آية 123 قال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وجماعة : الآية عامة في حق كل عامل . وقال الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين ، وقالوا : يا رسول الله ، وأينا لم يعمل سوءا غيرك ، فكيف الجزاء ؟ قال : " منه ما يكون في الدينا ، فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات ، ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشر ، وبقيت له تسع حسنات ، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره ، وأما من يكون جزاء في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته ، فيلقى مكان كل سيئة حسنة ، وينظر في الفضل ، فيعطى الجزاء في الجنة فيؤتي كل ذي فضل فضله " .