أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ ° ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، أنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ° ، أنا اللَّيْثُ ° ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ° ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ° ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ° ، أَنَّهُ قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلا يَقْرُونَنَا ، فَمَا تَرَى ؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ "
وقرأ الضحاك بن مزاحم ، وزيد بن أسلم : إِلا مَنْ ظَلَمَ بفتح الظاء واللام ، معناه : لكن الظالم اجهروا له بالسوء من القول ، وقيل : معناه : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن يجهر من ظلم ، والقراءة الأولى هي المعروفة ، وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا سورة النساء آية 148 لدعاء المظلوم ، عَلِيمًا سورة النساء آية 148 بعقاب الظالم . قوله تعالى : إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا سورة النساء آية 149 يعني : حسنة فيعمل بها كتبت له عشرا ، وإن همّ بها ولم يعملها كتبت له حسنة واحدة ، وهو قوله : أَوْ تُخْفُوهُ سورة النساء آية 149 وقيل : المراد من الخير : المال ، يريد : إن تبدوا صدقة تعطونها جهرا أو تخفوها فتعطونها سرا ، أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ سورة النساء آية 149 أي : عن مظلمة ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا سورة النساء آية 149 فهو أولى بالتجاوز عنكم يوم القيامة . إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا { 150 } أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا { 151 } وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا { 152 } يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا { 153 } سورة النساء آية 150-153 قوله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ سورة النساء آية 150 الآية ، نزلت في اليهود ، وذلك أنهم آمنوا بموسى عليه السلام ، والتوراة ، وعزير ، وكفروا بعيسى والإنجيل وبمحمد والقرآن ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا سورة النساء آية 150 أي : دينا بين اليهودية والإسلام ، ومذهبا يذهبون إليه . أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا سورة النساء آية 151 حقق كفرهم ، ليعلم أن الكفر ببعضهم كالكفر بجميعهم ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا سورة النساء آية 151 . وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ سورة النساء آية 152 كلهم ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ سورة النساء آية 152 يعني : بين الرسل ، وهم المؤمنون ، يقولون : لا نفرق بين أحد من رسله ، أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ سورة النساء آية 152 بإيمانهم بالله ، وكتبه ، ورسله . قرأ حفص عن عاصم يؤتيهم بالياء ، أي : يؤتيهم الله ، والباقون بالنون ، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا سورة النساء آية 152 . قوله تعالى : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ سورة النساء آية 153 الآية ، وذلك أن كعب بن الأشرف ، وفنحاص بن عازوراء من اليهود قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء ، كما أتى به موسى عليه السلام . فأنزل الله عليه : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ سورة النساء آية 153 ، وكان هذا السؤال منهم سؤال تحكم واقتراح ، لا سؤال انقياد ، والله تعالى لا ينزل الآيات على اقتراح العباد ، قوله : فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ سورة النساء آية 153 أي : أعظم من ذلك ، يعني : السبعين الذي خرج بهم موسى عليه السلام إلى الجبل ، فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً سورة النساء آية 153 أي : عيانا ، قال أبو عبيدة : معناه : قالوا جهرة أرنا الله ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سورة النساء آية 153 يعني : إلها ، مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ سورة النساء آية 153 ولم نستأصلهم ، قيل : هذا استدعاء إلى التوبة ، معناه : أن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم ، فتوبوا أنتم حتى نعفو عنكم ، وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا سورة النساء آية 153 أي : حجة بينة من المعجزات ، وهي الآيات التسع . وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا { 154 } فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا { 155 } وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا { 156 } وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا { 157 } سورة النساء آية 154-157 قوله تعالى : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ سورة النساء آية 154 قرأ أهل المدينة بتشديد الدال وفتح العين : نافع برواية ورش ، ويجزمها الآخرون ، ومعناه : لا تعتدوا ولا تظلموا باصطياد الحيتان فيه ، وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا سورة النساء آية 154 . قوله تعالى : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ سورة النساء آية 155 أي : فبنقضهم ، وما صلة كقوله تعالى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ سورة آل عمران آية 159 ونحوها ، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ سورة النساء آية 155 أي : ختم عليها ، فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا سورة النساء آية 155 يعني : ممن كذب الرسل لا ممن طبع على قلبه ، لأن من طبع الله على قلبه لا يؤمن أبدا ، وأراد بالقليل : عبد الله بن سلام وأصحابه . وقيل : معناه : لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا ، وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا سورة النساء آية 156 حين رموها بالزنا ، وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ سورة النساء آية 157 وذلك أن الله تعالى ألقى شبه عيسى عليه السلام على الذي دل اليهود عليه ، وقيل : إنهم حبسوا عيسى عليه السلام في بيت وجعلوا عليه رقيبا ، فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه السلام على الرقيب فقتلوه ، وقيل غير ذلك ، كما ذكرنا في سورة آل عمران . قوله تبارك وتعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ سورة النساء آية 157 في قتله ، لَفِي شَكٍّ مِنْهُ سورة النساء آية 157 أي : في قتله . قال الكلبي : اختلافهم فيه هو أن اليهود قالت : نحن قتلناه . وقالت طائفة من النصارى : نحن قتلناه . وقالت طائفة منهم : ما قتله هؤلاء ولا هؤلاء ، بل رفعه الله إلى السماء ، ونحن ننظر إليه . وقيل : كان الله تعالى ألقى شبه عيسى عليه السلام على وجه صطيافوس ، ولم يلقه على جسده ، فاختلفوا فيه ، فقال بعضهم : قتلنا عيسى ، فإن الوجه وجه عيسى عليه السلام . وقال بعضهم : لم نقتله ، لأن جسده ليس جسد عيسى عليه السلام . فاختلفوا ، قال السُّدِّيُّ : اختلافهم من حيث إنهم قالوا : إن كان هذا عيسى ، فأين صاحبنا ؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ؟ قَالَ الله تَعَالَى : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ سورة النساء آية 157 من حقيقة أنه قتل أو لم يقتل ، إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ سورة النساء آية 157 لكنهم يتبعون الظن في قتله ، قَالَ الله جل جلاله : وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا سورة النساء آية 157 أي : ما قتلوا عيسى يقينا . بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا { 158 } وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا { 159 } سورة النساء آية 158-159 بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ سورة النساء آية 158 ، وقيل : قوله : يَقِينًا سورة النساء آية 157 ترجع إلى ما بعده ، وقوله : وَمَا قَتَلُوهُ سورة النساء آية 157 كلام تام ، تقديره : بل رفعه الله إليه يقينا ، والهاء في وَمَا قَتَلُوهُ سورة النساء آية 157 كناية عن عيسى عليه السلام . وقال الفراء رحمه الله : معناه : وما قتلوا الذين ظنوا أنه عيسى يقينا . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه : ما قتلوا ظنهم يقينا ، وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا سورة النساء آية 158 منيعا بالنقمة من اليهود ، حَكِيمًا سورة النساء آية 158 حكم باللعنة والغضب عليهم ، فسلط عليهم ضيطوس بن أسبسيانوس الرومي ، فقتل منهم مقتلة عظيمة . قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ سورة النساء آية 159 أي : وما من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى عليه السلام ، هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم ، وقوله : قَبْلَ مَوْتِهِ سورة النساء آية 159 اختلفوا في هذه الكناية ، فقال عكرمة ، ومجاهد ، والضحاك ، والسُّدِّيُّ : إنها كناية عن الكتابي ، ومعناه : وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى عليه السلام قبل موته ، إذا وقع في البأس حين لا ينفعه إيمانه ، سواء احترق ، أو غرق ، أو تردى في بئر ، أو سقط عليه جدار ، أو أكله سبع ، أو مات فجأة ، وهذه رواية ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس رضي الله عنهم . قال : فقيل لابن عباس رضي الله عنهما : أرأيت إن خر من فوق بيت ؟ قال : يتكلم به في الهواء . قال : فقيل : أرأيت إن ضرب عنق أحدهم ؟ قال : يتلجلج به لسانه . وذهب قوم إلى أن الهاء في موته كناية عن عيسى عليه السلام ، معناه : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى عليه السلام ، وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان ، فلا يبقى أحد إلا آمن به حتى تكون الملة واحدة ، ملة الإسلام . وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا ، يكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، ويقتل الدجال ، فيمكث في الأرض أربعين سنة ، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون " . وقال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ سورة النساء آية 159 قبل موت عيسى ابن مريم ، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات . وروي عن عكرمة أن الهاء في قوله : لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ سورة النساء آية 159 كناية عن محمد صلى الله عليه وسلم ، يقول : لا يموت كتابي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : هي راجعة إلى الله عز وجل ، يقول : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالله عز وجل قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه إيمانه . قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ سورة النساء آية 159 يعني : عيسى عليه السلام ، عَلَيْهِمْ شَهِيدًا سورة النساء آية 159 أنه قد بلغهم رسالة ربه ، وأقر بالعبودية على نفسه ، كما قال تعالى خبرا عنه : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ سورة المائدة آية 117 ، وكل نبي شاهد على أمته ، قال الله تعالى : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا سورة النساء آية 41 . فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا سورة النساء آية 160 قوله عز وجل : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا سورة النساء آية 160 وهو ما تقدم ذكره من نقضهم الميثاق ، وكفرهم بآيات الله ، وبهتانهم على مريم ، وقولهم : إنا قتلنا المسيح ، حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ سورة النساء آية 160 وهي ما ذكر في سورة الأنعام ، فقال : وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ سورة الأنعام آية 146 . ونظم الآية : فبظلم من الذين هادوا وهو ما ذكرنا ، وَبِصَدِّهِمْ سورة النساء آية 160 وبصرفهم أنفسهم وغيرهم ، عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا سورة النساء آية 160 أي : عن دين الله صدا كثيرا . وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا { 161 } لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا سورة النساء آية 161-162 وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ سورة النساء آية 161 في التوراة ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ سورة النساء آية 161 من الرشا في الحكم ، والمآكل التي يصيبونها من عوامهم ، عاقبناهم بأن حرمنا عليهم طيبات ، فكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم شيء من الطيبات التي كانت حلالا لهم ، قال الله تعالى : ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ سورة الأنعام آية 146 ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا سورة النساء آية 161 . لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ سورة النساء آية 162 يعني : ليس كل أهل الكتاب بهذه الصفة ، لكن الراسخون البالغون في العلم منهم أولو البصائر منهم ، وأراد به : الذين أسلموا من علماء اليهود ، مثل : عبد الله بن سلام وأصحابه ، وَالْمُؤْمِنُونَ سورة النساء آية 162 يعني : المهاجرون والأنصار ، يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ سورة النساء آية 162 يعني : القرآن ، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ سورة النساء آية 162 يعني : سائر الكتب المنزلة ، وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ سورة النساء آية 162 اختلفوا في وجه انتصابه ، فحكي عن عائشة رضي الله عنها ، وأبان بن عثمان أنه غلط من الكاتب ، ينبغي أن يكتب : " والمقيمون الصلاة " ، وكذلك قوله في سورة المائدة : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ سورة المائدة آية 69 ، وقوله : إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ سورة طه آية 63 ، قالوا : ذلك خطأ من الكاتب . وقال عثمان : إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها . فقيل له : ألا تغيره ؟ فقال : دعوه ، فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا . وعامة الصحابة وأهل العلم على أنه صحيح ، واختلفوا فيه ، قيل : هو نصب على المدح ، وقيل : نصب بإضمار فعل تقديره : أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ، وقيل : موضعه خفض . واختلفوا في وجهه ، فقال بعضهم : معناه : لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة ، وقيل : معناه : يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة ، ثم قوله : وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ سورة النساء آية 162 رجوع إلى النسق الأول ، وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا سورة النساء آية 162 قرأ حمزة سيؤتيهم بالياء ، والباقون بالنون . إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا سورة النساء آية 163 قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ سورة النساء آية 163 هذا بناء على ما سبق من قوله : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ سورة النساء آية 153 ، فلما ذكر الله عيوبهم وذنوبهم غضبوا وجحدوا كل ما أنزل الله عز وجل ، وقالوا : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ سورة الأنعام آية 91 ، فنزل : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ سورة الأنعام آية 91 ، وأنزل : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ سورة النساء آية 163 فذكر عدة من الرسل الذين أوحى إليهم ، وبدأ بذكر نوح عليه السلام لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه السلام ، قال الله تعالى : وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ سورة الصافات آية 77 ، ولأنه أول نبي من أنبياء الشريعة ، وأول نذير على الشرك ، وأول من عذبت أمته لردهم دعوته ، وأهلك أهل الأرض بدعائه ، وكان أطول الأنبياء عمرا ، وجعلت معجزته في نفسه ، لأنه عمر ألف سنة فلم تسقط له سن ، ولم تشب له شعرة ، ولم ينتقص له قوة ، ولم يصبر نبي على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره . قوله تعالى : وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ سورة النساء آية 163 وهم أولاد يعقوب ، وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا سورة النساء آية 163 قرأ الأعمش ، وحمزة زُبورا ، والزبور بضم الزاي حيث كان ، بمعنى : جمع زبور ، أي : آتينا داود كتبا وصحفا مزبورة ، أي : مكتوبة ، وقرأ الآخرون بفتح الزاي ، وهو اسم الكتاب الذي أنزل الله تعالى على داود عليه السلام ، وكان فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله عز وجل ، وكان داود يبرز إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور ، ويقوم معه علماء بني إسرائيل ، فيقومون خلفه ويقوم الناس خلف العلماء ، ويقوم الجن خلف الناس ، الأعظم فالأعظم ، والشياطين خلف الجن ، وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه تعجبا لما يسمعن منه ، والطير ترفرف على رءوسهم ، فلما قارف الذنب لم ير ذلك ، فقيل له : ذاك أنس الطاعة ، وهذا وحشة المعصية .