أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ ° , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° , أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° , أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° , أنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ° , أنا اللَّيْثُ ° , عَنْ خَالِدٍ ° , عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ ° , عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ° , قَالَ : رَقَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ فَتَوَضَّأَ ، قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ : " إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ , فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ مِنْكُمْ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ "
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ { 7 } يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ { 8 } وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ { 9 } سورة المائدة آية 7-9 قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ سورة المائدة آية 7 يعني : النعم كلها ، وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ سورة المائدة آية 7 عهده الذي عاهدكم به أيها المؤمنون ، إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا سورة المائدة آية 7 وذلك حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما أحبوا وكرهوا , هذا قول أكثر المفسرين . وقال مجاهد , ومقاتل : يعني : الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجهم من صلب آدم عليه السلام ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ سورة المائدة آية 7 بما في القلوب من خير وشر . قوله تعالى : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ سورة المائدة آية 8 أي : كونوا له قائمين بالعدل قوالين بالصدق , أمرهم بالعدل والصدق في أعمالهم وأقوالهم ، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ سورة المائدة آية 8 ولا يحملنكم ، شَنَآنُ قَوْمٍ سورة المائدة آية 8 بغض قوم ، عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا سورة المائدة آية 8 أي : على ترك العدل فيهم لعداوتهم ، ثم قال : اعْدِلُوا سورة المائدة آية 8 يعني : في أوليائكم وأعدائكم ، هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى سورة المائدة آية 8 يعني : إلى التقوى ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ سورة المائدة آية 8 . وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ سورة المائدة آية 9 وهذا في موضع النصب , لأن فعل الوعد واقع على المغفرة , ورفعها على تقدير : أي : وقال لهم مغفرة وأجر عظيم . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ { 10 } يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ { 11 } سورة المائدة آية 10-11 وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ سورة المائدة آية 10 . قوله عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ سورة المائدة آية 11 بالدفع عنكم ، إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ سورة المائدة آية 11 بالقتل . وقال قتادة : نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل , فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة , فأطلع الله تبارك وتعالى نبيه على ذلك , وأنزل الله صلاة الخوف . وقال الحسن : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محاصرا غطفان بنخل , فقال رجل من المشركين : هل لكم في أن أقتل محمدا ؟ قالوا : وكيف تقتله ؟ قال : أفتك به . قالوا : وددنا أنك قد فعلت ذلك . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم , والنبي صلى الله عليه وسلم متقلد سيفه , فقال : يا محمد , أرني سيفك . فأعطاه إياه , فجعل الرجل يهز السيف , وينظر مرة إلى السيف , ومرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم , وقال : من يمنعك مني يا محمد ؟ قال : " الله " . فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشام السيف ومضى , فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال مجاهد , وعكرمة , والكلبي , وابن يسار عن رجاله : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي , وهو أحد النقباء ليلة العقبة ، في ثلاثين راكبا من المهاجرين والأنصار إلى بني عامر بن صعصعة , فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل على بئر معونة , وهي من مياه بني عامر , فاقتتلوا , فقتل المنذر بن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم ، أحدهم عمرو بن أمية الضمري ، فلم يرعهم إلا الطير تحوم في السماء , يسقط من بين خراطيمها علق الدم , فقال أحد النفر : قتل أصحابنا . ثم تولى يشتد حتى لقي رجلا ، فاختلفا ضربتين , فلما خالطته الضربة رفع رأسه إلى السماء , وفتح عينيه , وقال : الله أكبر , الجنة ورب العالمين . فرجع صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم , وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة , فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما , وقدم قومهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية , فخرج ومعه أبو بكر , وعمر , وعثمان , وعلي , وطلحة , وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم , حتى دخلوا على كعب بن الأشرف , وبني النضير , يستعينهم في عقلهما , وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال , وعلى أن يعينوه في الديات , قالوا : نعم يا أبا القاسم , قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة , اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي سألته . فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فخلا بعضهم ببعض , وقالوا : إنكم لن تجدوا محمد أقرب منه الآن , فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة , فيريحنا منه ؟ فقال عمر بن جحاش : أنا . فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه , فأمسك الله تعالى يده , وجاء جبريل وأخبره , فخرج النبي صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة , ثم دعا عليا فقال : لا تبرح مقامك , فمن خرج عليك من أصحابي , فسألك عني , فقل : توجه إلى المدينة . ففعل ذلك علي رضي الله عنه حتى تناهوا إليه ثم تبعوه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال : فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ سورة المائدة آية 11 . وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ سورة المائدة آية 12 قوله عز وجل : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا سورة المائدة آية 12 وذلك أن الله عز وجل وعد موسى عليه السلام أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهى الشام , وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون , فلما استقرت لبني إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله تعالى بالسير إلى أريحاء من أرض الشام وهي الأرض المقدسة , وكان لها ألف قرية ، في كل قرية ألف بستان , وقال : يا موسى ، إني كتبتها لكم دارا وقرارا , فاخرج إليها , وجاهد من فيها من العدو , فإني ناصرك عليهم , وخذ من قومك اثني عشر نقيبا , من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به . فاختار موسى النقباء , وسار موسى ببني إسرائيل حتى قربوا من أريحاء , فبعث هؤلاء النقباء يتجسسون له الأخبار ويعلمون علمها , فلقيهم رجل من الجبارين يقال له : عوج بن عنق , وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاث مائة وثلاث وثلاثين ذراعا وثلث ذراع , وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه , ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله . ويروى أن الماء طبق ما على الأرض من جبل , وما جاوز ركبتي عوج , وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله على يدي موسى عليه السلام , وذلك أنه جاء وقلع صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام , وكان فرسخا في فرسخ , وحملها ليطبقها عليهم , فبعث الله الهدهد فقور الصخرة بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته , فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله , وكانت أمه عنق إحدى بنات آدم , وكان مجلسها جريبا من الأرض , فلما لقي عوج النقباء وعلى رأسه حزمة من حطب , أخذ الاثني عشر وجعلهم في حجزته , وانطلق بهم إلى امرأته , وقال : انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا , وطرحهم بين يديها ، وقال : ألا أطحنهم برجلي ؟ فقالت امرأته : لا ، بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا . ففعل ذلك . وروي أنه جعلهم في كمه , وأتى بهم إلى الملك , فطرحهم بين يديه , فقال الملك : ارجعوا فأخبروهم بما رأيتم . وكان لا يحمل عنقودا من عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة , ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع منها حبها خمسة أنفس , فرجع النقباء , وجعلوا يتعرفون أحوالهم , وقال بعضهم لبعض : يا قوم ، إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله , ولكن اكتموا . وأخبروا موسى وهارون فيريان رأيهما ، وأخذ بعضهم على بعضهم الميثاق بذلك , ثم إنهم نكثوا العهد , وجعل كل واحد منهم ينهى سبطه عن قتالهم , ويخبرهم بما رأى إلا رجلان , فذلك قوله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا سورة المائدة آية 12 . وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ سورة المائدة آية 12 ناصركم على عدوكم , ثم ابتدأ الكلام فقال : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ سورة المائدة آية 12 يا معشر بني إسرائيل ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ سورة المائدة آية 12 نصرتموهم , وقيل : ووقرتموهم وعظمتموهم ، وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا سورة المائدة آية 12 قيل : هو إخراج الزكاة , وقيل : هو النفقة على الأهل ، لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ سورة المائدة آية 12 لأمحون عنكم سيئاتكم ، وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ سورة المائدة آية 12 أي : أخطأ قصد السبيل , يريد : طريق الحق , وسواء كل شيء : وسطه . فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ سورة المائدة آية 13 فَبِمَا نَقْضِهِمْ سورة المائدة آية 13 أي : بنقضهم ، وما صلة ، مِيثَاقَهُمْ سورة المائدة آية 13 قال قتادة : نقضوه من وجوه ، لأنهم كذبوا الرسل الذين جاءوا بعد موسى , وقتلوا أنبياء الله , ونبذوا كتابه , وضيعوا فرائضه ، لَعَنَّاهُمْ سورة المائدة آية 13 قال عطاء : أبعدناهم من رحمتنا . قال الحسن , ومقاتل : عذبناهم بالمسخ ، وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً سورة المائدة آية 13 قرأ حمزة , والكسائي قسيَّة بتشديد الياء من غير ألف , وهما لغتان مثل : الذاكية والذكية . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : قَاسِيَةً سورة المائدة آية 13 أي : يابسة , وقيل : غليظة لا تلين , وقيل : معناه : إن قلوبهم ليست بخالصة للإيمان , بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق , ومنه الدراهم القاسية وهي الردية المغشوشة . يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ سورة المائدة آية 13 قيل : هو تبديلهم نعت النبي صلى الله عليه وسلم , وقيل : تحريفهم بسوء التأويل ، وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ سورة المائدة آية 13 أي : وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته ، وَلا تَزَالُ سورة المائدة آية 13 يا محمد ، تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ سورة المائدة آية 13 أي : على خيانة , فاعلة بمعنى المصدر كالكاذبة واللاغية . وقيل : هو بمعنى الفاعل والهاء للمبالغة ، مثل : روَّاية ونسابة , وعلامة , وحسابة . وقيل : على فرقة خائنة ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : على خائنة أي : على معصية , وكانت خيانتهم نقضهم العهد ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهمهم بقتله وسمّه , ونحوهما من خياناتهم التي ظهرت ، إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ سورة المائدة آية 13 لم يخونوا , ولم ينقضوا العهد , وهم الذين أسلموا من أهل الكتاب ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ سورة المائدة آية 13 أي : أعرض عنهم , ولا تتعرض لهم ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ سورة المائدة آية 13 وهذا منسوخ بآية السيف . وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ سورة المائدة آية 14 قوله عز وجل : وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ سورة المائدة آية 14 قيل : أراد بهم اليهود والنصارى ، فاكتفى بذكر أحدهما , والصحيح أن الآية في النصارى خاصة , لأنه قد تقدم ذكر اليهود , وقال الحسن : فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا بتسمية الله تعالى ، أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ سورة المائدة آية 14 في التوحيد والنبوة ، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ سورة المائدة آية 14 بالأهواء المختلفة , والجدال في الدين . قال مجاهد , وقتادة : يعني بين اليهود والنصارى . وقال الربيع : هم النصارى وحدهم صاروا فرقا ، منهم : اليعقوبية , والنسطورية , والملكانية , وكل فرقة تكفر الأخرى ، وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ سورة المائدة آية 14 في الآخرة . يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ { 15 } يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ { 16 } لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ { 17 } سورة المائدة آية 15-17 قوله عز وجل : يَأَهْلَ الْكِتَابِ سورة المائدة آية 15 يريد : يأهل الكتابين ، قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ سورة المائدة آية 15 أي : من التوارة والإنجيل , مثل : صفة محمد صلى الله عليه وسلم , وآية الرجم , وغير ذلك ، وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ سورة المائدة آية 15 أي : يعرض عن كثير مما أخفيتم , فلا يتعرض له ولا يؤاخذكم به ، قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ سورة المائدة آية 15 يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم , وقيل : الإسلام ، وَكِتَابٌ مُبِينٌ سورة المائدة آية 15 أي : بيّن , وقيل : مبين ، وهو القرآن . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سورة المائدة آية 16 رضاه ، سُبُلَ السَّلامِ سورة المائدة آية 16 قيل : السلام هو الله عز وجل , وسبيله : دينه الذي شرع لعباده , وبعث به رسله , وقيل : السلام هو السلامة ، كاللذاذ واللذاذة بمعنى واحد , والمراد به : طرق السلامة ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ سورة المائدة آية 16 أي : من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، بِإِذْنِهِ سورة المائدة آية 16 بتوفيقه وهدايته ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ سورة المائدة آية 16 وهو الإسلام . قوله عز وجل : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ سورة المائدة آية 17 وهم اليعقوبية من النصارى , يقولون : المسيح هو الله تعالى ، قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا سورة المائدة آية 17 أي : من يقدر أن يدفع من أمر الله شيئا إذا قضاه ؟ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ سورة المائدة آية 17 . وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ { 18 } يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ { 19 } سورة المائدة آية 18-19 قوله عز وجل : وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ سورة المائدة آية 18 قيل : أرادوا أن الله تعالى لنا كالأب في الحنو والعطف ، ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة . وقال إبراهيم النخعي : إن اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري , فبدلوا : يا أبناء أبكاري , فمن ذلك قالوا : نحن أبناء الله . وقيل : معناه : نحن أبناء رسل الله . قوله تعالى : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ سورة المائدة آية 18 يريد : إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحباؤه , فإن الأب لا يعذب ولده , والحبيب لا يعذب حبيبه , وأنتم مقرون أنه معذبكم ! وقيل : فلم يعذبكم أي : لم عذب من قبلكم بذنوبهم فمسخهم قردة وخنازير ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ سورة المائدة آية 18 كسائر بني آدم مجزيون بالإساءة والإحسان ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ سورة المائدة آية 18 فضلا ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ سورة المائدة آية 18 عدلا ، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ سورة المائدة آية 18 . قوله عز وجل : يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا سورة المائدة آية 19 محمد صلى الله عليه وسلم ، يُبَيِّنُ لَكُمْ سورة المائدة آية 19 أعلام الهدى , وشرائع الدين ، عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ سورة المائدة آية 19 أي : انقطاع من الرسل . واختلفوا في مدة الفترة بين عيسى عليه السلام , ومحمد صلى الله عليه وسلم , قال أبو عثمان النهدي : ست مائة سنة , وقال قتادة : خمس مائة وستون سنة , وقال معمر , والكلبي : خمس مائة وأربعون سنة . وسميت فترة ، لأن الرسل كانت تترى بعد موسى عليه السلام من غير انقطاع إلى زمن عيسى عليه السلام , ولم يكن بعد عيسى عليه السلام سوى رسولنا صلى الله عليه وسلم ، أَنْ تَقُولُوا سورة المائدة آية 19 كيلا تقولوا ، مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ سورة المائدة آية 19 . وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ { 20 } يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ { 21 } سورة المائدة آية 20-21 قوله عز وجل : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ سورة المائدة آية 20 أي : منكم أنبياء ، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا سورة المائدة آية 20 قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني : أصحاب خدم وحشم ، قال قتادة : كانوا أول من ملك الخدم ، ولم يكن لمن قبلهم خدم . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَامْرَأَةٌ وَدَابَّةٌ يُكْتَبُ مَلِكًا " . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ : أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ . قَالَ : فَإِنَّ لِي خَادِمًا . قَالَ : فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ . قَالَ السُّدِّيُّ : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا أَحْرَارًا , تَمْلِكُونَ أَمْرَ أَنْفُسِكُمْ بَعْدَمَا كُنْتُمْ فِي أَيْدِي الْقِبْطِ يَسْتَعْبِدُونَكُمْ . قَالَ الضَّحَّاكُ : كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ وَاسِعَةً فِيهَا مِيَاهٌ جَارِيَةٌ , فَمَنْ كَانَ مَسْكَنُهُ وَاسِعًا وَفِيهِ ماء جَارٍ فَهُوَ مَلِكٌ ، وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ سورة المائدة آية 20 يعني : عالمي زمانكم . قال مجاهد : يعني : المن والسلوى , والحجر , وتظليل الغمام . قوله تعالى : يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ سورة المائدة آية 21 اختلفوا في الأرض المقدسة , قال مجاهد : هي الطور وما حوله , وقال الضحاك : إيليا وبيت المقدس , وقال عكرمة , والسُّدِّيُّ : هي أريحاء , وقال الكلبي : هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن , وقال قتادة : هي الشام كلها . قال كعب : وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله في أرضه , وبها أكثر عباده . قوله عز وجل : كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ سورة المائدة آية 21 يعني : كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم , وقال ابن إسحاق : وهب الله لكم ، وقيل : جعلها لكم , وقال السُّدِّيُّ : أمركم الله بدخولها , وقال قتادة : أمروا بها كما أمروا بالصلاة ، أي : فرض عليكم ، وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ سورة المائدة آية 21 أعقابكم ، بخلاف أمر الله ، فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ سورة المائدة آية 21 قال الكلبي : صعد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان , فقيل له : انظر ، فما أدركه بصرك فهو مقدس , وهو ميراث لذريتك . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ { 22 } قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ { 23 } سورة المائدة آية 22-23 قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ سورة المائدة آية 22 وذلك أن النقباء الذين خرجوا يتجسسون الأخبار ، لما رجعوا إلى موسى وأخبروه بما عاينوا , قال لهم موسى : اكتموا شأنهم ولا تخبروا به أحدا من أهل العسكر فيفشلوا . فأخبر كل رجل منهم قريبه وابن عمه إلا رجلين وفيا بما قال لهما موسى , أحدهما : يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف عليهم السلام , فتى موسى ، والآخر : كالب بن يوقنا ختن موسى عليه السلام على أخته مريم بنت عمران , وكان من سبط يهود , وهما من النقباء ، فعلمت جماعة من بني إسرائيل ذلك , ورفعوا أصواتهم بالبكاء , وقالوا : يا ليتنا في أرض مصر , وليتنا نموت في هذه البرية , ولا يدخلنا الله أرضهم , فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم ، وجعل الرجل يقول لصاحبه : تعال نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر . فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم : قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ سورة المائدة آية 22 . أصل الجبار : المتعظم الممتنع عن القهر , يقال : نخلة جبارة ، إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها , وسمي أولئك القوم جبارين ، لامتناعهم بطولهم وقوة أجسادهم , وكانوا من العمالقة وبقية قوم عاد , فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا , وهموا بالانصراف إلى مصر , خر موسى وهارون ساجدين , وخرق يوشع وكالب ثيابهما , وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله تعالى : قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ سورة المائدة آية 23 أي : يخافون الله تعالى , قرأ سعيد بن جبير : يُخَافُونَ بضم الياء , وقال : الرجلان كانا من الجبارين , فأسلما واتبعا موسى ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا سورة المائدة آية 23 بالتوفيق والعصمة ، قالا : ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ سورة المائدة آية 23 يعني : قرية الجبارين ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ سورة المائدة آية 23 لأن الله منجز وعده , وإنا رأيناهم وأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة ، فلا تخشوهم ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ سورة المائدة آية 23 فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوهما . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ { 24 } قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ { 25 } قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ { 26 } سورة المائدة آية 24-26 قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ سورة المائدة آية 24 .