وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ° ، عَنْ مَعْمَرٍ ° ، عَنِ الأَشْعَثِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ° ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، قَالَ : " فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ ، يُقَالُ لَهَا : طُوبَى ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهَا : تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمَّا شَاءَ ، فَتَنْفَتِقُ لَهُ عَنْ فَرَسٍ بِسَرْجِهِ ، وَلِجَامِهِ ، وَهَيْئَتِهِ كَمَا شَاءَ ، يَفْتَقُ لَهُ عَنِ الرَّاحِلَةِ بِرَحْلِهَا ، وَزِمَامِهَا ، وَهَيْئَتِهَا كَمَا شَاءَ ، وَعَنِ الثِّيَابِ "

كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ سورة الرعد آية 30 . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ سورة الرعد آية 30 كما أرسلنا الأنبياء إلى الأمم أرسلناك إلى هذه الأمة ، قَدْ خَلَتْ سورة الرعد آية 30 مضت ، مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ سورة الرعد آية 30 لتقرأ ، عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ سورة الرعد آية 30 . قَالَ قتادة ، ومقاتل ، وابن جريج : الآية مدنية ، نزلت في صلح الحديبية ، وذلك أن سهيل بن عمرو لما جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح , فقال : رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلي ، رضي الله عنه : " اكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم " . قالوا : لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة . يعنون : مسيلمة الكذاب ، اكتب كما كنت تكتب " باسمك اللهم " ، فهذا معنى قوله : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ سورة الرعد آية 30 . والمعروف أن الآية مكية ، وسبب نزولها ، أن أبا جهل سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في الحجر يدعو : يا اللَّه يا رحمن ، فرجع إلى المشركين , فقال : إن مُحَمَّدا يدعو إلهين ، يدعو اللَّه ، ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن ، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة . فنزلت هذه الآية ، ونزل قوله تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى سورة الإسراء آية 110 . وروى الضحاك ، عَنِ ابن عباس ، رضي الله عنه ، أنها نزلت في كفار قريش ، حين قَالَ لهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسجدوا للرحمن . قالوا : وما الرحمن ؟ قَالَ اللَّه تعالى : قُلْ سورة الرعد آية 30 لهم يا مُحَمَّد : إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته ، هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ سورة الرعد آية 30 اعتمدت ، وَإِلَيْهِ مَتَابِ سورة الرعد آية 30 أي : توبتي ومرجعي . وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ سورة الرعد آية 31 . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ سورة الرعد آية 31 الآية : نزلت في نفر من مشركي مكة ، منهم : أبو جهل بن هشام ، وعبد اللَّه بن أبي أمية ، جلسوا خلف الكعبة ، فأرسلوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأتاهم , فقال له عَبْد اللَّهِ بن أبي أمية : إن سرك أن نتبعك ، فسير جبال مكة بالقرآن ، فأذهبها عنا حتى تنفسح ، فإنها أرض ضيقة لمزارعنا ، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا ، لنغرس فيها الأشجار ، ونزرع ، ونتخذ البساتين ، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود عليه السلام ، حيث سخر له الجبال تسبح معه ، أو سخر لنا الريح ، فنركبها إلى الشام لميرتنا وحوائجنا ، ونرجع في يومنا ، فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت ، ولست بأهون على ربك من سليمان ، أو أحيي لنا جدك قصيا ، أو من شئت من آبائنا وموتانا ، لنسأله عَنْ أمرك أحق ما تقول أم باطل ؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى ، ولست بأهون على اللَّه منه ، فأنزل اللَّه عز وجل : وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ سورة الرعد آية 31 فأذهبت عن وجه الأرض ، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ سورة الرعد آية 31 أي : شققت ، فجعلت أنهارا وعيونا ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى سورة الرعد آية 31 واختلفوا في جواب لو , فقال قوم : جوابه محذوف ، اكتفى بمعرفة السامعين مراده ، وتقديره : لكان هذا القرآن ، كقول الشاعر : فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا . أراد : لرددناه ، وهذا معنى قول قتادة ، قَالَ : لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم ، لفعل بقرآنكم . وقال آخرون : جواب لو مقدم ، وتقدير الكلام : وهم يكفرون بالرحمن وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ سورة الرعد آية 31 ، كأنه قَالَ : لو سيرت به الجبال ، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى سورة الرعد آية 31 لكفروا بالرحمن ، ولم يؤمنوا ، لما سبق من علمنا فيهم ، كما قَالَ : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا سورة الأنعام آية 111 . ثم قَالَ : بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا سورة الرعد آية 31 أي : في هذه الأشياء ، إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل ، أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا سورة الرعد آية 31 قَالَ أكثر المفسرين : معناه : أفلم يعلم . قَالَ الكلبي : هي لغة النخع . وقيل : لغة هوازن ، يدل عليه قراءة ابن عباس أفلم يتبين الذين آمنوا ، وأنكر الفراء أن يكون ذلك بمعنى العلم ، وزعم أنه لم يسمع أحدا من العرب يقول : يئست بمعنى علمت ، ولكن معنى العلم فيه مضمر . وذلك أن أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سمعوا هذا من المشركين ، طمعوا في أن يفعل اللَّه ما سألوا ، فيؤمنوا ، فنزل : أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا سورة الرعد آية 31 يعني : الصحابة ، رضي اللَّه عنهم أجمعين ، من إيمان هؤلاء ، أي : لم ييأسوا علما ، وكل من علم شيئا يئس من خلافه ، يقول : ألم ييئسهم العلم ؟ أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا سورة الرعد آية 31 . وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا سورة الرعد آية 31 من كفرهم ، وأعمالهم الخبيثة ، قَارِعَةٌ سورة الرعد آية 31 أي : نازلة وداهية ، تقرعهم من أنواع البلاء ، أحيانا بالجدب ، وأحيانا بالسلب ، وأحيانا بالقتل والأسر . وقال ابن عباس : أراد بالقارعة : السرايا التي كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يبعثهم إليهم . أَوْ تَحُلُّ سورة الرعد آية 31 يعني : السرية والقارعة ، قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ سورة الرعد آية 31 وقيل : أو تحل أي : تنزل أنت يا مُحَمَّد بنفسك قريبا من ديارهم ، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ سورة الرعد آية 31 قيل : يوم القيامة . وقيل : الفتح والنصر ، وظهور رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودينه ، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ سورة الرعد آية 31 وكان الكفار يسألون هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء ، فأنزل اللَّه تسلية لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ { 32 } أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ { 33 } سورة الرعد آية 32-33 . وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ سورة الرعد آية 32 كما استهزءوا بك ، فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سورة الرعد آية 32 أمهلتهم ، وأطلت لهم المدة ، ومنه " الملوان " ، وهما : الليل والنهار ، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ سورة الرعد آية 32 عاقبتهم في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة بالنار ، فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ سورة الرعد آية 32 أي : عقابي لهم . أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ سورة الرعد آية 33 أي : حافظها ، ورازقها ، وعالم بها ، ومجازيها بما عملت ، وجوابه محذوف ، تقديره : كمن ليس بقائم ، بل عاجز عَنْ نفسه ، وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ سورة الرعد آية 33 بينوا أسماءهم ، وقيل : صفوهم , ثم انظروا هل هي أهل لأن تعبد ؟ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ سورة الرعد آية 33 أي : أتخبرون اللَّه تعالى ، بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ سورة الرعد آية 33 فإنه لا يعلم لنفسه شريكا ، ولا في الأرض إلها غيره ، أَمْ بِظَاهِرٍ سورة الرعد آية 33 يعني : أم تتعلقون بظاهر ، مِنَ الْقَوْلِ سورة الرعد آية 33 مسموع ، وهو في الحقيقة باطل لا أصل له ، وقيل : بباطل من القول . قَالَ الشاعر : وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها . أي : زائل . بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ سورة الرعد آية 33 كيدهم , وقال مجاهد : شركهم وكذبهم على اللَّه . وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ سورة الرعد آية 33 أي : صرفوا عَنِ الدين ، قرأ أهل الكوفة ويعقوب وصدوا وفي حم المؤمن ، وصد بضم الصاد فيهما ، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ سورة الحج آية 25 . وقوله : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ سورة النساء آية 167 . وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ سورة الرعد آية 33 بخذلانه إياه ، فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ سورة الرعد آية 33 . لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ { 34 } مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ { 35 } سورة الرعد آية 34-35 . لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا سورة الرعد آية 34 بالقتل والأسر ، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ سورة الرعد آية 34 أشد ، وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ سورة الرعد آية 34 مانع يمنعهم من العذاب . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ سورة الرعد آية 35 أي : صفة الجنة ، كقوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى سورة النحل آية 60 أي : الصفة العليا ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ سورة الرعد آية 35 أي : صفة الجنة التي وعد المتقون أن الأنهار تجري من تحتها ، وقيل : مثل صلة مجازها الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ سورة الرعد آية 35 . أُكُلُهَا دَائِمٌ سورة الرعد آية 35 أي : لا ينقطع ثمرها ونعيمها ، وَظِلُّهَا سورة الرعد آية 35 أي : ظلها ظليل ، لا يزول ، وهو رد على الجهمية ، حيث قالوا : إن نعيم الجنة يفنى ، تِلْكَ عُقْبَى سورة الرعد آية 35 أي : عاقبة ، الَّذِينَ اتَّقَوْا سورة الرعد آية 35 يعني : الجنة ، وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ سورة الرعد آية 35 . وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ { 36 } وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ { 37 } وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ { 38 } سورة الرعد آية 36-38 . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ سورة الرعد آية 36 يعني : القرآن ، وهم أصحاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ سورة الرعد آية 36 من القرآن ، وَمِنَ الأَحْزَابِ سورة الرعد آية 36 يعني : الكفار الذين تحزبوا على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهم : اليهود ، والنصارى ، مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ سورة الرعد آية 36 هذا قول مجاهد ، وقتادة , وقال الآخرون : كان ذكر الرحمن قليلا في القرآن في الابتداء ، فلما أسلم عَبْد اللَّهِ بن سلام وأصحابه ، ساءهم قلة ذكره في القرآن مع كثر ذكره في التوراة ، فلما كرر اللَّه ذكره في القرآن ، فرحوا به ، فأنزل اللَّه سبحانه وتعالى وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ سورة الرعد آية 36 ، يعني : مشركي مكة حين كتب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كتاب الصلح ، بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، قالوا : ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة . يعنون : مسيلمة الكذاب ، فأنزل اللَّه عز وجل : وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ سورة الأنبياء آية 36 . وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ سورة الرعد آية 30 . وإنما قَالَ : بَعْضَهُ سورة الرعد آية 36 . لأنهم كانوا لا ينكرون ذكر اللَّه ، وينكرون ذكر الرحمن ، قُلْ سورة الرعد آية 36 يا مُحَمَّد ، إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ سورة الرعد آية 36 أي : مرجعي . وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا سورة الرعد آية 37 يقول : كما أنزلنا إليك الكتاب يا مُحَمَّد ، فأنكره الأحزاب ، كذلك أنزلنا الحكم والدين عربيا ، نسب إلى العرب ، لأنه نزل بلغتهم ، فكذب به الأحزاب ، وقيل : نظم الآية : كما أنزل الكتب على الرسل بلغاتهم ، فكذلك أنزلنا عليك الكتاب حكما عربيا . وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ سورة الرعد آية 37 في الملة ، وقيل : في القبلة ، بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ سورة الرعد آية 37 يعني : من ناصر ، ولا حافظ . قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ سورة الرعد آية 38 روي أن اليهود ، وقيل : إن المشركين ، قالوا : إن هذا الرجل ليست له همة إلا في النساء . فأنزل اللَّه تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً سورة الرعد آية 38 وما جعلناهم ملائكة لا يأكلون ، ولا يشربون ، ولا ينكحون ، وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ سورة الرعد آية 38 هذا جواب عَبْد اللَّهِ بن أبي أمية , ثم قَالَ : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ سورة الرعد آية 38 . يقول : لكل أمر قضاه اللَّه كتاب قد كتبه فيه ، ووقت يقع فِيهِ ، وقيل : لكل آجل أجله اللَّه كتاب أثبت فِيهِ . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، تقديره : أي : لكل كتاب أجل ومدة ، أي : الكتب المنزلة لكل واحد منها وقت ينزل فيه . يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ سورة الرعد آية 39 . يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ سورة الرعد آية 39 قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، ويعقوب ويثبت بالتخفيف ، وقرأ الآخرون بالتشديد ، واختلفوا في معنى الآية , فقال سَعِيد بن جبير ، وقتادة : يمحو اللَّه ما يشاء من الشرائع والفرائض ، فينسخه ويبدله ، ويثبت ما يشاء منها ، فلا ينسخه . وقال ابن عباس : يمحو اللَّه ما يشاء ويثبت إلا الرزق ، والأجل ، والسعادة ، والشقاوة . وروينا عَنْ حذيفة بن أسيد ، عَنِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة ، فيقول : يا رب ، أشقي أو سَعِيد ؟ فيكتبان ، فيقول : أي رب ، أذكر أم أنثى ؟ فيكتبان ، ويكتب عمله ، وأثره ، وأجله ، ورزقه , ثم تطوى الصحف ، فلا يزاد فيها ولا ينقص " . وعن عمر وابن مسعود ، رضي الله عنهما ، أنهما قالا : يمحو السعادة والشقاوة أيضا ، ويمحو الرزق والأجل ، ويثبت ما يشاء . وروي عَنْ عمر ، رضي الله عنه ، أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ، ويقول اللهم ، إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبتني على الشقاوة ، فامحني ، وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة ، فإنك تمحو ما تشاء ، وتثبت ، وعندك أم الكتاب ، ومثله عَنِ ابن مسعود . وفي بعض الآثار أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة ، فيقطع رحمه ، فترد إلى ثلاثة أيام ، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام ، فيصل رحمه ، فيمد إلى ثلاثين سنة .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
شجرة الإسناد