أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ ° ، أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ° ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ ° ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ° ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجَدَتَيْنِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا ، فَلا يَقْرَأْهُمَا " .
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لا يُسْجَدُ هَهُنَا ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ . وعِدَّةُ سُجُودِ الْقُرْآنِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهَا ثَلاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ سُجُودٌ . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : " سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اقْرَأْ ، وَ إِذَا السَّمَاءِ انْشَقَّتْ " وَأَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ مُتَأَخِّرِي الإِسْلامِ . وَاخْتَلَفُوا فِي سُجُودِ ص فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ سُجُودُ شُكْرٍ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ ، وَيَرْوِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُسْجَدُ فِيهَا . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، فَعِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَحْمَدَ ، وَجَمَاعَة سُجُودُ الْقُرْآنِ خَمْسَةَ عَشْرَةَ سَجْدَةً ، فَعَدُّوا سَجْدَتَيِ الْحَجِّ ، وَسَجْدَةَ ص . وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ " . وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ سورة الحج آية 78 . قوله عَزَّ وَجَلَّ : وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ سورة الحج آية 78 قيل : جاهدوا في سبيل الله أعداء الله ، حق جهاده هو استفراغ الطاقة فيه ، قَالَ ابن عباس ، وعنه أيضا أنه قَالَ : لا تخافوا في الله لومة لائم ، فهو حق الجهاد ، كما قَالَ تعالى : يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ سورة المائدة آية 54 وقَالَ الضحاك ومقاتل : اعملوا لله حق عمله ، واعبدوه حق عبادته . وقال مقاتل بن سليمان : نسخها قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ سورة التغابن آية 16 . وقال أكثر المفسرين : حق الجهاد أن تكون نيته خالصة صادقة لله عز وجل . وقال السدي : هو أن يطاع فلا يعصى . وقال عبد الله بن المبارك : هو مجاهدة النفس والهوى ، وهو الجهاد الأكبر ، وهو حق الجهاد . وقد روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما رجع من غزوة تبوك ، قَالَ : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " . وأراد بالجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار ، وبالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس . هُوَ اجْتَبَاكُمْ سورة الحج آية 78 أي : اختاركم لدينه ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ سورة الحج آية 78 ضيق ، معناه أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجا ، بعضها بالتوبة ، وبعضها برد المظالم والقصاص ، وبعضها بأنواع الكفارات ، فليس في دين الإسلام ذنب لا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من العقاب فيه ، وقيل : من ضيق في أوقات فروضكم ، مثل : هلال شهر رمضان ، والفطر ، ووقت الحج إذا التبس ذلك عليكم ، وسع ذلك عليكم حتى تتيقنوا . وقال مقاتل : يعني الرخص عند الضرورات كقصر الصلاة في السفر ، والتيمم ، وأكل الميتة عند الضرورة ، والإفطار بالسفر والمرض ، والصلاة قاعدا عند العجز ، وهو قول الكلبي . وروي عن ابن عباس أنه قَالَ : الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصار التي كانت عليهم ، وضعها الله عن هذه الأمة . مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ سورة الحج آية 78 أي : كَمِلَّةِ أبيكم ، نصب بنزع حرف الصفة ، وقيل : نصب على الإغراء ، أي : اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم ، وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم ، لأنها داخلة في ملة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فإن قيل : فما وجه قوله : مِلَّةَ أَبِيكُمْ سورة الحج آية 78 وليس كل المسلمين يرجع نسبهم إلى إبراهيم ؟ قيل : خاطب به العرب ، وهم كانوا من نسل إبراهيم . وقيل : خاطب به جميع المسلمين ، وإبراهيم أب لهم على معنى وجوب احترامه ، وحفظ حقه كما يجب احترام الأب ، وهو كقوله تعالى : وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ سورة الأحزاب آية 6 وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده " . هُوَ سَمَّاكُمُ سورة الحج آية 78 يعني أن الله تعالى سماكم الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ سورة الحج آية 78 يعني : من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة ، وَفِي هَذَا سورة الحج آية 78 أي : في هذا الكتاب ، هذا قول أكثر المفسرين . وقال ابن زيد : هُوَ سورة الحج آية 78 يرجع إلى إبراهيم ، أي أن إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه ، من قبل هذا الوقت ، وفي هذا الوقت ، وهو قوله : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ سورة البقرة آية 128 . لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ سورة الحج آية 78 يوم القيامة أن قد بلغكم ، وَتَكُونُوا سورة الحج آية 78 أنتم ، شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ سورة الحج آية 78 أن رسلهم قد بلغتهم ، فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ سورة الحج آية 78 أي : ثقوا بالله ، وتوكلوا عليه ، قَالَ الحسن : تمسكوا بدين الله . وروي عن ابن عباس ، قَالَ : سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره . وقيل : معناه : ادعوه ليثبتكم على دينه . وقيل : الاعتصام بالله : هو التمسك بالكتاب والسنة . هُوَ مَوْلاكُمْ سورة الحج آية 78 وليكم ، وناصركم ، وحافظكم ، فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ سورة الحج آية 78 الناصر لكم .