مَا أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ خِرِّيتٍ ° ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ° ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ ° ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ° ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ° ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ ، يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُقَالُ : اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ . وَيُخَبَّأُ عَنْهُ كِبَارُهَا ، فَيُقَالُ لَهُ : عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا . وَهُوَ مُقِرٌّ لا يُنْكِرُ ، وَهُو مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِهَا ، فَيُقَالُ : أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمِلَهَا حَسَنَةً ، فَيَقُولُ : رَبِّ ، إِنَّ لِي ذُنُوبًا مَا أَرَاهَا هَهُنَا " . قَالَ أَبُو ذَرٍّ : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْحُو بِالنَّدَمِ جَمِيعَ السَّيِّئَاتِ ، ثُمَّ يُثْبِتُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً .
وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا { 71 } وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا { 72 } سورة الفرقان آية 71-72 . قوله عز وجل : وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا سورة الفرقان آية 71 قَالَ بعض أهل العلم : هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا ، يعني : من تاب من الشرك ، وعمل صالحا ، أي : أدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن ، فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ سورة الفرقان آية 71 أي : يعود إليه بعد الموت ، مَتَابًا سورة الفرقان آية 71 حسنا يفضل به على غيره ممن قتل وزنى ، فالتوبة الأولى ، وهو قوله : وَمَنْ تَابَ سورة الفرقان آية 71 رجوع عن الشرك ، والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة . وقال بعضهم : هذه الآية أيضا في التوبة عن جميع السيئات ، ومعناه : ومن أراد التوبة ، وعزم عليها ، فليتب لوجه الله . وقوله : يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ سورة الفرقان آية 71 خبر بمعنى الأمر ، أي : ليتب إلى الله ، وقيل : معناه : فليعلم أن توبته ومصيره إلى الله . وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ سورة الفرقان آية 72 قَالَ الضحاك وأكثر المفسرين : يعني الشرك ، وقال علي بن طلحة : يعني شهادة الزور ، وكان عمر بن الخطاب يجلد شاهد الزور أربعين جلدة ، ويسخم وجهه ، ويطوف به في السوق . وقال ابن جريج : يعني الكذب . وقال مجاهد : يعني أعياد المشركين . وقيل : النوح . قَالَ قتادة : لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم . وقال محمد ابن الحنفية : لا يشهدون اللهو والغناء . قَالَ ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع . وأصل الزور تحسين الشيء ، ووصفه بخلاف صفته ، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق ، وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا سورة الفرقان آية 72 قَالَ مقاتل : إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا ، وهي رواية ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نظيره قوله : وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ سورة القصص آية 55 قَالَ السدي : وهي منسوخة بآية القتال . قَالَ الحسن والكلبي : اللغو : المعاصي كلها ، يعني : إذا مروا بمجلس اللهو والباطل مروا كراما مسرعين معرضين ، يقال : تكرم فلان عما يشينه ، إذا تنزه وأكرم نفسه عنه . وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا { 73 } وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا { 74 } سورة الفرقان آية 73-74 . وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا سورة الفرقان آية 73 لم يقعوا ولم يسقطوا ، عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا سورة الفرقان آية 73 كأنهم صم عمي ، بل يسمعون ما يذكرون به ، فيفهمونه ويرون الحق فيه فيتبعونه ، قَالَ القتيبي : لم يتغافلوا عنها ، كأنهم صم لم يسمعوها ، وعمي لم يروها . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا سورة الفرقان آية 74 قرأ بغير ألف أبو عمر ، والكسائي ، وأبو بكر ، وقرأ الباقون بالألف على الجمع . قُرَّةَ أَعْيُنٍ سورة الفرقان آية 74 أي : أولادا أبرارا أتقياء ، يقولون : اجعلهم صالحين ، فتقر أعيننا بذلك . قَالَ القرظي : ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله عز وجل . وقاله الحسن ، ووحد القرة ؛ لأنها مصدر ، وأصلها من البرد ؛ لأن العرب تتأذى من الحر ، وتستروح إلى البرد ، وتذكر قرة العين عند السرور ، وسخنة العين عند الحزن ، ويقال : دمع العين عند السرور بارد ، وعند الحزن حار . وقال الأزهري : معنى قرة الأعين : أن يصادف قلبه من يرضاه ، فتقر عينه به عن النظر إلى غيره . وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا سورة الفرقان آية 74 أي : أئمة يقتدون في الخير بنا ، ولم يقل : أئمة ، كقوله تعالى : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ سورة الشعراء آية 16 وقيل : أراد أئمة ، كقوله : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي سورة الشعراء آية 77 أي : أعداء ، ويقال : أميرنا هؤلاء ، أي : أمراؤنا ، وقيل : لأنه مصدر كالصيام والقيام . يقال : أمَّ إماما ، كما يقال : قام قياما ، وصام صياما . قَالَ الحسن : نقتدي بالمتقين ، ويقتدي بنا المتقون . وقال ابن عباس : اجعلنا أئمة هداة ، كما قَالَ : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ سورة السجدة آية 24 ولا تجعلنا أئمة ضلالة ، كما قَالَ : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ سورة القصص آية 41 وقيل : هذا من المقلوب ، يعني : واجعل المتقين لنا إماما ، واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم ، وهو قول مجاهد . أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا { 75 } خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا { 76 } قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا { 77 } سورة الفرقان آية 75-77 . أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ سورة الفرقان آية 75 أي : يثابون ، الْغُرْفَةَ سورة الفرقان آية 75 أي : الدرجة الرفيعة في الجنة ، والغرفة : كل بناء مرتفع عال ، وقال عطاء : يريد غرف الدر والزبرجد والياقوت في الجنة ، بِمَا صَبَرُوا سورة الفرقان آية 75 على أمر الله تعالى وطاعته ، وقيل : على أذى المشركين ، وقيل : عن الشهوات ، وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا سورة الفرقان آية 75 قرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر بفتح الياء وتخفيف القاف ، كما قَالَ : فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا سورة مريم آية 59 وقرأ الآخرون بضم الياء وتشديد القاف ، كما قَالَ : وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا سورة الإنسان آية 11 وقوله : تَحِيَّةً سورة الفرقان آية 75 أي : مُلكا ، وقيل : بقاء دائما ، وَسَلامًا سورة الفرقان آية 75 أي : يسلم بعضهم على بعض ، وقال الكلبي : يحيي بعضهم بعضا بالسلام ، ويرسل الرب إليهم بالسلام ، وقيل : سَلامًا أي : سلامة من الآفات . خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا سورة الفرقان آية 76 أي : موضع قرار وإقامة . قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي سورة الفرقان آية 77 قَالَ مجاهد وابن زيد : أي : ما يصنع وما يفعل بكم . قَالَ أبو عبيدة : يقال : ما عبأت به شيئا ، أي : لم أعده ، فوجوده وعدمه سواء ، مجازه ، أيّ وزن وأيّ مقدار لكم عنده ، لَوْلا دُعَاؤُكُمْ سورة الفرقان آية 77 إياه ، وقيل : لولا إيمانكم . وقيل : لولا عبادتكم . وقيل : لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام ، فإذا آمنتم ظهر لكم قدر . وقال قوم : معناها : قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم ، وطاعتكم إياه ، يعني : إنه خلقكم لعبادته ، كما قَالَ : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ سورة الذاريات آية 56 وهذا قول ابن عباس ومجاهد . وقال قوم : قُلْ مَا يَعْبَأُ سورة الفرقان آية 77 ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة ، أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم ، كما قَالَ الله تعالى : مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ سورة النساء آية 147 وقيل : ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه في الشدائد ، كما قَالَ : فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ سورة العنكبوت آية 65 وقال : فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ سورة الأنعام آية 42 وقيل : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ سورة الفرقان آية 77 يقول : ما خلقتكم ولي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم ، وتستغفروني فأغفر لكم . فَقَدْ كَذَّبْتُمْ سورة الفرقان آية 77 أيها الكافرون ، يخاطب أهل مكة ، يعني : إن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته ، فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه ، فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا سورة الفرقان آية 77 هذا تهديده لهم ، أي : يكون تكذيبكم لزاما . قَالَ ابن عباس : موتا . وقال أبو عبيدة : هلاكا . وقال ابن زيد : قتالا ، والمعنى : يكون التكذيب لازما لمن كذب ، فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله ، وقال ابن جرير : عذابا دائما لازما وهلاكا مقيما يلحق بعضكم ببعض . واختلفوا فيه ، فقال قوم : هو يوم بدر قتل منهم سبعون ، وأسر سبعون ، وهو قول عبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ، ومجاهد ، ومقاتل ، يعني أنهم قتلوا يوم بدر ، واتصل بهم عذاب الآخرة لازما لهم .