وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ° ، عَنْ بٌرَيْد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ° ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ° ، عَنْ أَبِي مُوسَى ° ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى ، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ " .

قوله تعالى : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ سورة يس آية 12 حفظناه وعددناه وبيناه ، فِي إِمَامٍ مُبِينٍ سورة يس آية 12 وهو اللوح المحفوظ . وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ سورة يس آية 13 . قوله عز وجل : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ سورة يس آية 13 يعني : اذكر لهم شبها مثل حالهم من قصة أصحاب القرية ، وهي أنطاكية ، إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ سورة يس آية 13 يعني : رسل عيسى عليه الصلاة والسلام . قَالَ العلماء بأخبار الأنبياء : بعث عيسى رسولين من الحواريين إلى أهل مدينة أنطاكية ، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له ، وهو حبيب النجار ، صاحب يس ، فسلما عليه ، فقال الشيخ لهما : من أنتما ؟ فقالا : رسولا عيسى ، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن . فقال : أمعكما آية ؟ قالا : نعم ، نحن نشفي المريض ، ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله . فقال الشيخ : إن لي ابنا مريضا منذ سنين . قالا : فانطلق بنا نطلع على حاله . فأتى بهما إلى منزله ، فمسحا ابنه ، فقام في الوقت ، بإذن الله ، صحيحا ، ففشا الخبر في المدينة ، وشفى الله على أيديهما كثيرا من المرضى ، وكان لهم ملك ، قَالَ وهب : كان اسمه انطيخس ، وكان من ملوك الروم يعبد الأصنام ، قالوا : فانتهى الخبر إليه ، فدعاهما ، فقال : من أنتما ؟ قالا : رسولا عيسى . قَالَ : وفيم جئتما ؟ قالا : ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر . فقال : ولكما إله دون آلهتنا ؟ قالا : نعم ، من أوجدك وآلهتك . قَالَ : قوما حتى أنظر في أمركما . فتبعهما الناس ، فأخذوهما وضربوهما في السوق . قَالَ وهب : بعث عيسى هذين الرجلين إلى أنطاكية ، فأتياها فلم يصلا إلى ملكها ، وطال مدة مقامهما ، فخرج الملك ذات يوم ، فكبرا وذكرا الله ، فغضب الملك ، وأمر بهما فحبسا ، وجلد كل واحد منهما مائة جلدة ، قالوا : فلما كذب الرسولان وضربا ، بعث عيسى رأس الحواريين شمعون الصفا على إثرهما لينصرهما ، فدخل شمعون البلد متنكرا ، فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به ، فرفعوا خبره إلى الملك ، فدعاه فرضي عشرته ، وأنس به وأكرمه ، ثم قَالَ له ذات يوم : أيها الملك ، بلغني أنك حبست رجلين في السجن ، وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك ، فهل كلمتهما وسمعت قولهما ؟ فقال الملك : حال الغضب بيني وبين ذلك . قَالَ : فإن رأى الملك دعاهما ، حتى نطلع على ما عندهما . فدعاهما الملك ، فقال لهما شمعون : من أرسلكما إلى ههنا ؟ قالا : الله الذي خلق كل شيء ، وليس له شريك . فقال لهما شمعون : فصفاه وأوجزا . فقالا : إنه يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد . فقال شمعون : وما آيتكما ؟ قالا : ما تتمناه . فأمر الملك حتى جاءوا بغلام مطموس العينين ، وموضع عينيه كالجبهة ، فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر ، فأخذا بندقتين من الطين ، فوضعاهما في حدقتيه ، فصارتا مقلتين يبصر بهما ، فتعجب الملك ، فقال شمعون للملك : إن أنت سألت إلهك حتى يصنع صنعا مثل هذا ، فيكون لك الشرف ولإلهك . فقال الملك : ليس لي عنك سر ، إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ، ولا يضر ولا ينفع . وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلي كثيرا ، ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم ، فقال الملك للرسولين : إن قدر إلهكم الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما . قالا : إلهنا قادر على كل شيء . فقال الملك : إن ههنا ميتا مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان ، وأنا أخرته فلم أدفنه ، حتى يرجع أبوه ، وكان غائبا ، فجاءوا بالميت وقد تغير وأروح ، فجعلا يدعوان ربهما علانية ، وجعل شمعون يدعو ربه سرا ، فقام الميت ، وقال : إني قد مت منذ سبعة أيام مشركا ، فأدخلت في سبعة أودية من النار ، وأنا أحذركم ما أنتم فيه ، فآمنوا بالله ، ثم قَالَ : فتحت لي أبواب السماء ، فنظرت فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة . قَالَ الملك : ومن الثلاثة ؟ قَالَ : شمعون وهذان . وأشار إلى صاحبيه ، فتعجب الملك ، فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك أخبره بالحال ، ودعاه فآمن الملك ، وآمن قوم ، وكفر آخرون . وقيل : إن ابنة للملك كانت قد توفيت ودفنت ، فقال شمعون للملك : اطلب من هذين الرجلين أن يحييا ابنتك . فطلب منهما الملك ذلك ، فقاما وصليا ودعوا ، وشمعون معهما في السر ، فأحيا الله المرأة ، وانشق القبر عنها فخرجت ، وقالت : أسلموا فإنهما صادقان ، قالت : ولا أظنكم تسلمون . ثم طلبت من الرسولين أن يرداها إلى مكانها ، فذرا ترابا على رأسها ، وعادت إلى قبرها كما كانت . وقال ابن إسحاق عن كعب ، ووهب : بل كفر الملك ، وأجمع هو وقومه على قتل الرسل ، فبلغ ذلك حبيبا ، وهو على باب المدينة الأقصى ، فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين ، فذلك قوله تعالى : إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ { 14 } قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ { 15 } قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ { 16 } وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ { 17 } قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ { 18 } قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ { 19 } سورة يس آية 14-19 . إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ سورة يس آية 14 قال وهب : اسمهما يوحنا وبولس ، فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا سورة يس آية 14 يعني : فقوينا ، بِثَالِثٍ سورة يس آية 14 برسول ثالث وهو شمعون . وقرأ أبو بكر ، عن عاصم فعززنا بالتخفيف ، وهو بمعنى الأول ، كقولك : شددنا وشددنا بالتخفيف والتثقيل . وقيل : أي : فغلبنا ، من قولهم : من عز بز . وقال كعب : الرسولان : صادق وصدوق ، والثالث : شلوم ، وإنما أضاف الله الإرسال إليه ؛ لأن عيسى عليه السلام إنما بعثهم بأمره تعالى ، فَقَالُوا سورة يس آية 14 جميعا لأهل أنطاكية : إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ سورة يس آية 14 . قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ سورة يس آية 15 ما أنتم إلا كاذبون فيما تزعمون . قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ { 16 } وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ { 17 } سورة يس آية 16-17 . قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ سورة يس آية 18 تشاءمنا بكم ، وذلك أن المطر حبس عنهم ، فقالوا : أصابنا هذا بشؤمكم ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ سورة يس آية 18 لنقتلنكم ، وقال قتادة : بالحجارة ، وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ سورة يس آية 18 . قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ سورة يس آية 19 يعني : شؤمكم معكم بكفركم وتكذيبهم ، يعني : أصابكم الشؤم من قبلكم . وقال ابن عباس والضحاك : حظكم من الخير والشر ، أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ سورة يس آية 19 يعني : وعظتم بالله ، وهذا استفهام محذوف الجواب ، مجازه : إن ذكرتم ووعظتم بالله تطيرتم بنا . وقرأ أبو جعفر أن بفتح الهمزة الملينة ، ذكرتم بالتخفيف ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ سورة يس آية 19 مشركون مجاوزون الحد . وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ { 20 } اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ { 21 } وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ { 22 } سورة يس آية 20-22 . قوله عز وجل : وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى سورة يس آية 20 وهو حبيب النجار ، وقال السدي : كان قصارا . وقال وهب : كان رجلا يعمل الحرير ، وكان سقيما قد أسرع فيه الجذام ، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة ، وكان مؤمنا ذا صدقة ، يجمع كسبه إذا أمسى ، فيقسمه نصفين ، فيطعم نصفا لعياله ، ويتصدق بنصف ، فلما بلغه أن قومه قصدوا قتل الرسل جاءهم ، قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ سورة يس آية 20 . اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ سورة يس آية 21 قَالَ قتادة : كان حبيب في غار يعبد ربه ، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم ، فأظهر دينه ، فلما انتهى حبيب إلى الرسل ، قَالَ لهم : تسألون عن هذا أجرا ؟ قالوا : لا . فأقبل على قومه ، فقال : يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ { 20 } اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ { 21 } سورة يس آية 20-21 فلما قَالَ ذلك ، قالوا له : وأنت مخالف لديننا ، ومتابع دين هؤلاء الرسل ، ومؤمن بإلههم ؟ فقال : وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ سورة يس آية 22 . قرأ حمزة ويعقوب : ماليْ بإسكان الياء ، والآخرون بفتحها ، قيل : أضاف الفطرة إلى نفسه ، والرجوع إليهم ؛ لأن الفطرة أثر النعمة ، وكانت عليه أظهر ، وفي الرجوع معنى الزجر ، وكان بهم أليق . وقيل : إنه لما قَالَ : اتبعوا المرسلين . أخذوه ، فرفعوه إلى الملك ، فقال له الملك : أفأنت تتبعهم ؟ فقال : وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي سورة يس آية 22 وأيّ شيء لي إذا لم أعبد الخالق ؟ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ سورة يس آية 22 تردون عند البعث ، فيجزيكم بأعمالكم . أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنَ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ { 23 } إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ { 24 } إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ { 25 } قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ { 26 } بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ { 27 } وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ { 28 } سورة يس آية 23-28 . أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً سورة يس آية 23 استفهام بمعنى الإنكار ، أي : لا أتخذ من دونه آلهة ، إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنَ بِضُرٍّ سورة يس آية 23 بسوء ومكروه ، لا تُغْنِ عَنِّي سورة يس آية 23 لا تدفع عني ، شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا سورة يس آية 23 أي : لا شفاعة لها أصلا فتغني ، وَلا يُنْقِذُونِ سورة يس آية 23 من ذلك المكروه ، وقيل : لا ينقذون من العذاب لو عذبني الله إن فعلت ذلك . إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ سورة يس آية 24 خطأ ظاهر . إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ سورة يس آية 25 يعني : فاسمعوا مني ، فلما قَالَ ذلك ، وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه . قَالَ ابن مسعود : وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره . وقَالَ السدي : كانوا يرمونه بالحجارة ، وهو يقول : اللهم اهد قومي . حتى قطعوه وقتلوه . وقال الحسن : خرقوا خرقا في حلقه فعلقوه بسور من سور المدينة ، وقبره بأنطاكية ، فأدخله الله الجنة ، وهو حي فيها يرزق ، فذلك قوله عَزَّ وَجَلَّ : قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ سورة يس آية 26 فلما أفضى إلى الجنة ، قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ سورة يس آية 26 . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي سورة يس آية 27 يعني : بغفران ربي لي ، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ سورة يس آية 27 تمنى أن يعلم قومه أن الله غفر له وأكرمه ، ليرغبوا في دين الرسل . فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل لهم النقمة ، فأمر جبريل عليه السلام فصاح بهم صيحة واحدة ، فماتوا عن آخرهم ، فذلك قوله عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ سورة يس آية 28 يعني : الملائكة ، وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ سورة يس آية 28 وما كنا نفعل هذا ، بل الأمر في إهلاكهم كان أيسر مما يظنون . وقيل : معناه : وما أنزلنا على قومه من بعده ، أي : على قوم حبيب النجار من بعد قتله من جند ، وما كنا ننزلهم على الأمم إذا أهلكناهم ، كالطوفان والصاعقة والريح ، ثم بيّن عقوبتهم ، فقال تعالى : إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ { 29 } يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ { 30 } أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ { 31 } وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ { 32 } وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ { 33 } سورة يس آية 29-33 . إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً سورة يس آية 29 وقرأ أبو جعفر : صيحة واحدة بالرفع ، جعل الكون بمعنى الوقوع . قَالَ المفسرون : أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ، ثم صاح بهم صيحة واحدة ، فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ سورة يس آية 29 ميتون . يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ سورة يس آية 30 قَالَ عكرمة : يعني : يا حسرتهم على أنفسهم . والحسرة : شدة الندامة ، وفيه قولان : أحدهما : يقول الله تعالى : يا حسرة وندامة وكآبة على العباد يوم القيامة حين لم يؤمنوا بالرسل . والآخر : أنه من قول الهالكين . قَالَ أبو العالية : لما عاينوا العذاب ، قالوا : يا حسرة ، أي : ندامة على العباد ، يعني : على الرسل الثلاثة حيث لم يؤمنوا بهم ، فتمنوا الإيمان حين لا ينفعهم . قَالَ الأزهري : الحسرة لا تدعى ، ودعاؤها تنبيه للمخاطبين . وقيل : العرب تقول : يا حسرتي ! ويا عجبا ! على طريق المبالغة ، والنداء عندهم بمعنى التنبيه ، فكأنه يقول : أيها العجب هذا وقتك ، وأيتها الحسرة هذا أوانك . حقيقة المعنى : أن هذا زمان الحسرة والتعجب ، ثم بيَّن سبب الحسرة والندامة ، فقال : مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ سورة يس آية 30 . أَلَمْ يَرَوْا ألم يخبروا ، يعني : أهل مكة ، كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ سورة يس آية 31 والقرن أهل كل عصر ، سموا بذلك ؛ لاقترانهم في الوجود ، أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ سورة يس آية 31 أي : لا يعودون إلى الدنيا ، فلا يعتبرون بهم . وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ سورة يس آية 32 قرأ عاصم وحمزة لما بالتشديد ههنا ، وفي الزخرف ، و الطارق ، ووافق ابن عامر إلا في الزخرف ، ووافق أبو جعفر في الطارق ، وقرأ الآخرون بالتخفيف ، فمن شدد جعل إِنْ بمعنى الجحد ، و لَمَّا سورة يس آية 32 بمعنى إلا ، تقديره : وما كل إلا جميعٌ . ومن خفف جعل إِنْ للتحقيق ، ومَا صلة ، مجازه : وكلٌّ جميعٌ ، لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ { 32 } . وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا سورة يس آية 33 بالمطر ، وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا سورة يس آية 33 يعني : الحنطة والشعير وما أشبههما ، فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ سورة يس آية 33 أي : من الحب . وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ { 34 } لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ { 35 } سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ { 36 } وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ { 37 } وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ { 38 } سورة يس آية 34-38 . وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ سورة يس آية 34 بساتين ، مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا سورة يس آية 34 في الأرض ، مِنَ الْعُيُونِ { 34 } . لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ سورة يس آية 35 أي : من الثمر الحاصل بالماء ، وَمَا عَمِلَتْهُ سورة يس آية 35 قرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر : عملت بغير هاء ، وقرأ الآخرون : عَمِلَتْهُ سورة يس آية 35 بالهاء ، أي : يأكلون من الذي عملته ، أَيْدِيهِمْ سورة يس آية 35 من الزرع والغرس ، فالهاء عائدة إلى مَا التي معنى الذي ، وقيل : مَا للنفي في قوله : مَا عَمِلَتْهُ أي : وجدوها معمولة ، ولم تعملها أيديهم ، ولا صنع لهم فيها ، وهذا معنى قول الضحاك ومقاتل . وقيل : أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد خلق مثل دجلة والفرات والنيل ونحوها . أَفَلا يَشْكُرُونَ سورة يس آية 35 نعمة الله . سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا سورة يس آية 36 أي : الأصناف ، مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ سورة يس آية 36 من الثمار والحبوب ، وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ سورة يس آية 36 يعني الذكور والإناث ، وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ سورة يس آية 36 مما خلق من الأشياء من دواب البر والبحر . وَآيَةٌ لَهُمُ سورة يس آية 37 تدل على قدرتنا ، اللَّيْلُ نَسْلَخُ سورة يس آية 37 ننزع ونكشط ، مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ سورة يس آية 37 داخلون في الظلمة ، ومعناه : نذهب بالنهار ، ونجيء بالليل ، وذلك أن الأصل هي الظلمة ، والنهار داخل عليها ، فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل ، فتظهر الظلمة . وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا سورة يس آية 38 أي : إلى مستقر لها ، أي : إلى انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا ، وقيام الساعة . وقيل : إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ، ثم ترجع ، فذلك مستقرها ؛ لأنها لا تجاوزه . وقيل : مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ، ونهاية هبوطها في الشتاء ، وقد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قَالَ : " مستقرها تحت العرش " .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده متصل ، رجاله ثقات
شجرة الإسناد