قَالَ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ : رُوِيَ إِسْلَامُ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ وِجُوهٍ ، مِنْهَا رِوَايَةِ الْبَصْرِيِّينَ ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِيِّينَ ، حَدَّثَ بِهِ الطَّبَرَانِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ° ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ ° ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ° ، ثنا أَبُو طَرْفَةَ عَبَّادُ بْنُ الرَّيَانِ اللَّخْمِيُّ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ رُوَيْمٍ اللَّخْمِيَّ ° ، يَقُولُ : حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ لُدَيْنِ ° قَاضِي النَّاسِ ، مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا لَيْلَى الْأَشْعَرِيَّ ° ، يَقُولُ : حَدَّثَنِي أَبُو ذَرٍّ ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا دَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ أَنَّا كُنَّا قَوْمًا عُرْبًا ، فَأَصَابَتْنَا السَّنَةُ ، فَاحْتَمَلْتُ أُمِّي وَأَخِي ، وَكَانَ اسْمُهُ أُنَيْسًا إِلَى أَصْهَارٍ لَنَا بِأَعْلَى نَجْدٍ ، فَلَمَّا حَلَلْنَا بِهِمْ أَكْرَمُونَا ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْحَيِّ مَشَى إِلَى خَالِي ، فَقَالَ : تَعْلَمُ أَنَّ أُنَيْسًا يُخَالِفُكَ ، فَقَالَ : فَحَزَّ فِي قَلْبِهِ ، فَانْصَرَفْتُ مِنْ رَعْيَةِ إِبِلِي ، فَوَجَدْتُهُ كَئِيبًا يَبْكِي ، فَقُلْتُ : مَا أَبْكَاكَ يَا خَالُ ؟ فَأَعْلَمَنِي الْخَبَرَ ، فَقُلْتُ : حَجَزَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، إِنَّا نَعَافُ الْفَاحِشَةَ ، وَإِنْ كَانَ الزَّمَانُ قَدْ أَخَلَّ بِنَا ، وَلَقَدْ كَدَّرْتَ عَلَيْنَا صَفْوَ مَا ابْتَدَئْنَا بِهِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى اجْتِمَاعٍ ، وَاحْتَمَلْتُ أُمِّي وَأَخِي حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ ، فَقَالَ أَخِي : إِنِّي مُدَافِعُ رَجُلًا عَلَى الْمَاءِ بِشِعْرٍ ، وَكَانَ رَجُلًا شَاعِرًا ، فَقُلْتُ : لَا تَفْعَلْ ، فَخَرَجَ بِهِ اللَّجَّاجُ حَتَّى دَافَعَ دُرَيْدُ بْنُ الصَّمَّةِ صَرْمَتَهُ إِلَى صَرْمَتِهِ ، وَايْمُ اللَّهِ ، لَدُرَيْدُ يَوْمَئِذٍ أَشْعَرُ مِنْ أَخِي ، فَتَقَاضَيَا إِلَى خَنْسَاءَ ، فَفَضَّلَتْ أَخِي عَلَى دُرَيْدٍ ، وَذَاكَ أَنَّ دُرَيْدًا خَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا ، فَقَالَتْ : شَيْخٌ كَبِيرُ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ ، فَحَقَدَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَضَمَمْنَا صَرْمَتَهُ إِلَى صَرْمَتِنَا ، فَكَانَتْ لَنَا هَجْمَةٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُ مَكَّةَ ، وَابْتَدَأْتُ بِالصَّفَا ، فَإِذَا عَلَيْهَا رِجَالَاتُ قُرَيْشٍ ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بِهَا صَابِئًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ شَاعِرًا أَوْ سَاحِرًا ، فَقُلْتُ : أَيْنَ هَذَا الَّذِي يَزْعَمُونَهُ ؟ قَالُوا : هَا هُوَ ذَاكَ حَيْثُ تَرَى ، فَانْقَلَبْتُ إِلَيْهِ ، فَوَاللَّهِ ، مَا جُزْتُ عَنْهُمْ قَيْسَ حَجَرٍ حَتَّى أَكَبُّوا عَلَى كُلِّ عَظْمٍ وَحَجَرٍ وَمُدْرٍ ، فَضَرَجُونِي بِدَمِي ، فَأَتَيْتُ الْبَيْتَ ، فَدَخَلْتُ بَيْنَ السُّتُورِ وَالْبِنَاءِ ، وَبَقِيتُ فِيهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ إِلَّا مِنْ مَاءِ زَمْزَمِ ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ قَمْرَاءُ أَضْحَيَانِ ، أَقْبَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ خُزَاعَةَ ، فَطَافَتَا بِالْبَيْتِ ، ثُمَّ ذَكَرَتَا إِسَافًا وَنَائِلَةً ، وَهُمَا وَثَنَانِ ، كَانُوا يَعْبُدُونَهَا ، فَأَخْرَجْتُ رَأْسِي مِنْ تَحْتِ السُّتُورِ ، فَقُلْتُ : احْمِلُوا أَحَدَهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَغَضِبَتَا ، ثُمَّ قَالَتَا : أَمَا وَاللَّهِ ، لَوْ كَانَتْ رِجَالُنَا حُضُورًا مَا تَكَلَّمْتَ بِهَذَا ، ثُمَّ وَلَّتَا فَخَرَجْتُ أَقْفُوا آثَارَهُمَا ، حَتَّى لَقِيَتَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَا أَنْتُمَا ، وَمَا جَاءَ بِكُمَا ؟ فَأَخْبَرَتَاهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ : أَيْنَ تَرَكْتُمَا الصَّابِئَ ؟ فَقَالَتَا : تَرَكْنَاهُ بَيْنَ السُّتُورِ وَالْبِنَاءِ ، فَقَالَ لَهُمَا : هَلْ قَالَ لَكُمَا شَيْئًا ؟ فَقَالَتَا : نَعَمْ ، كَلِمَةٌ تَمْلَأُ الْفَمَ ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ انْسَلَّتَا وَأَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَاكَ ، فَقَالَ : أَيْنَ أَنْتَ ؟ وَمِنْ أَيْنَ جِئْتَ ؟ وَمَا جَاءَ بِكَ ؟ فَأَنْشَأْتُ أَعْلَمْتُهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ كُنْتَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ ؟ فَقُلْتُ : مِنْ مَاءِ زَمْزَمِ ، فَقَالَ : أَمَا إِنَّهُ طَعَامُ طَعْمٍ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي أَنْ أُعَشِّيهِ ، قَالَ : نَعَمْ ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي ، وَأَخَذَ أَبِي بَكْرٍ بِيَدِهِ حَتَّى وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَابِ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ بَيْتَهُ ، ثُمَّ أَتَيَ بِزَبِيبٍ مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ ، فَجَعَلَ يَلْقِيهِ لَنَا قَبْضًا قَبْضًا وَنَحْنُ نَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى تَمَلَّأْنَا مِنْهُ ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، فَقُلْتُ : لَبَّيْكَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ رُفِعَتْ لِي أَرْضٌ ، وَهِيَ ذَاتُ مَاءٍ ، لَا أَحْسَبُهَا إِلَّا تُهَامَةَ ، فَاخْرُجْ إِلَى قَوْمِكَ ، فَادْعُهُمْ إِلَى مَا دَخَلْتَ فِيهِ ، قَالَ : فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ أُمِّي وَأَخِي ، فَأَعْلَمْتُهُمَا الْخَبَرَ ، فَقَالَا : مَا بِنَا رَغْبَةٌ عَنِ الدِّينِ الَّذِي دَخَلْتَ فِيهِ ، فَأَسْلَمَا ، ثُمَّ خَرَجْنَا ، فَأَعْلَمْتُ قَوْمِي ، فَقَالُوا : إِنَّا قَدْ صَدَّقْنَاكَ ، وَلَكِنَّا نَلْقَى مُحَمَّدًا ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِينَاهُ ، فَقَالَتْ لَهُ غِفَارُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبَا ذَرٍّ أَعْلَمَنَا مَا أَعْلَمْتَهُ ، وَقَدْ أَسْلَمْنَا وَشَهِدْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ تَقَدَّمَتْ أَسْلَمُ خُزَاعَةَ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا قَدْ رَغِبْنَا وَدَخَلْنَا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ إِخْوَانُنَا وَحُلَفَاؤُنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ ، وَغِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا ، ثُمَّ أَخَذَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَدِي ، فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، فَقُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَقَالَ : هَلْ كُنْتَ تَأْلَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَقُومُ عِنْدَ الشَّمْسِ ، فَلَا أَزَالُ مُصَلِّيًا حَتَّى يُؤْذِينِي حَرُّهَا ، فَأَخِرُّ كَأَنِّي خَفَاءٌ ، فَقَالَ لِي : فَأَيْنَ كُنْتَ تُوَجَّهُ ؟ قُلْتُ : لَا أَدْرِي ، إِلَى حَيْثُ وَجَّهَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ "
قَالَ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَرُوِيَ إِسْلَامُ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرِ ، رُوِيَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : " كَانَ لِي أَخٌ ، يُقَالُ لَهُ : أُنَيْسُ ، وَكَانَ شَاعِرًا ، فَتَنَافَرَ هُوَ وَشَاعِرٌ آخَرُ ، قَالَ أُنَيْسُ : أَنَا أَشْعَرُ مِنْكَ ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَنَا أَشْعَرُ مِنْكَ ، فَقَالَ أُنَيْسُ : أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا كَاهِنُ مَكَّةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَخَرَجْنَا إِلَى مَكَّةَ ، فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ الْكَاهِنِ ، فَأَنْشَدَهُ هَذَا كَلَامَهُ وَهَذَا كَلَامَهُ ، فَقَالَ لِأُنَيْسٍ : قَضَيْتُ لِنَفْسِكَ ، قَالَ : فَكَأَنَّهُ فَضَّلَ شِعْرُ أُنَيْسٍ ، فَقَالَ : يَا أَخِي رَأَيْتُ بِمَكَّةَ رَجُلًا يَزْعَمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَهُوَ عَلَى دِينِكَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَقُلْتُ : أَيُ شَيْءٍ كُنْتَ تَعْبُدُ ؟ قَالَ : لَا شَيْءَ ، كُنْتُ أُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى أَسْقُطَ كَأَنِّي خَفَاءٌ ، حَتَّى يَوْقِظَنِي حَرُّ الشَّمْسِ ، فَقُلْتُ : أَيْنَ كُنْتَ تُوَجِّهُ وَجْهَكَ ؟ قَالَ : حَيْثُ وَجَّهَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ : قُلْتُ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِيَهُ ، فَجَهَّزْتُ ، ثُمَّ خَرَجْتُ ، فَقَالَ لِي أُنَيْسٌ : لَا تُظْهِرُ أَنَّكَ تَطْلُبُهُ ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تُقْتَلَ دُونَهُ ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَجِئْتُ حَتَّى دَخَلْتُ مَكَّةَ ، فَكُنْتُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَيَوْمًا ، أَخْرَجُ كُلَّ لَيْلَةٍ فَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمِ شَرْبَةً ، فَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةُ جُوعٍ ، وَلَقَدْ تَعَكْنَ بَطْنِي ، فَجَعَلْتُ امْرَأَتَانِ تَدْعُوَانِ لَيْلَةً آلِهَتَهُمَا ، وَتَقُولُ إِحْدَاهُمَا : يَا إِسَافُ ، هَبْ لِي غُلَامًا ، وَتَقُولُ الْأُخْرَى : يَا نَائِلَةُ ، هَبْ لِي كَذَا وَكَذَا ، فَقُلْتُ : هُنَّ بِهِنَّ ، فَوَلَّتَا وَجَعَلَتَا تَقُولَانِ : الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا ، إِذْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ يَمْشِي وَرَاءَهُ ، فَقَالَتَا : الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا ، فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامٍ قَبَّحَ ، مَا قَالَتَا ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَظَنَنْتُ أَنَّهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ لِي : مُنْذُ كَمْ أَنْتَ هَا هُنَا ؟ قُلْتُ : مُنْ خَمْسَ عَشْرَةَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، قَالَ : فَمِنْ أَيْنَ كُنْتَ تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ : آتِي زَمْزَمَ كُلَّ لَيْلَةٍ نِصْفَ اللَّيْلِ فَأَشْرَبُ مِنْهَا ، فَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ جُوعٍ ، وَلَقَدْ تَعَكَّنَ بَطْنِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذَا طَعْمٌ وَشُرْبٌ وَهِيَ مُبَارَكَةٌ ، قَالَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ سَأَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : مِنْ غِفَارٍ ، وَكَانَتْ غِفَارٌ يَقْطَعُونَ عَلَى الْحَاجِّ ، فَكَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقَبَّضَ عَنِّي ، فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ : انْطَلِقْ يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَقَرَّبَ زَبِيبًا فَأَكَلْنَا مَعَهُ ، فَأَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَلَّمَنِي الْإِسْلَامَ ، وَقَرَأْتُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُظْهِرَ دِينِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تُقْتَلَ ، قُلْتُ : لَابُدَّ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ قُتِلْتَ ، قَالَ : فَسَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقُرَيْشٌ حَلَقٌ يَتَحَدَثُونَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقُلْتُ : أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهَ ، فَتَنَقَّضَتِ الْحَلَقُ ، فَقَامُوا إِلَيَّ فَضَرَبُونِي ، حَتَّى تَرَكُونِي كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُونِي ، فَقُمْتُ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لِي : أَلَمْ أَنْهَكَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَتْ حَاجَةً فِي نَفْسِي فَقَضَيْتُهَا ، فَقُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لِي : الْحَقْ بِقَوْمِكَ ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورِي فَائْتِنِي ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ثُمَّ أَتَيْتُ أُمِّي ، فَلَمَّا رَأَتْنِي بَكَتْ ، وَقَالَتْ : يَا بُنَيَّ ، أَبْطَأْتَ عَلَيْنَا حَتَّى تَخَوَّفْتُ أَنْ قَدْ قُتِلْتَ ، أَلَقِيتَ صَاحِبَكَ الَّذِي طَلَبْتَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَتْ : فَمَا صَنَعَ أُنَيْسٌ ؟ قُلْتُ : أَسْلَمَ ، قَالَتْ : وَاللَّهِ ، مَا بِي عَنْكُمَا رَغْبَةً ، أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ : فَأَقَمْتُ فِي قَوْمِي ، فَأَسْلَمَ مِنْهُمْ نَاسٌ ، حَتَّى بَلَغَنَا ظُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتَهُ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَ أُنَيْسُ : " وَقَدْ سَامُوهُ ، يَعْنِي : النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي رِوَايَةِ : " فَرَأَى مَا بِي مِنَ الْحَالِ ، فَقَالَ : أَلَمْ أَنْهَكَ " ؟ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الصَّامِتِ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " صَلَّيْتُ قَبْلَ النَّاسِ بَأَرْبَعِ سِنِينَ ، قُلْتُ لَهُ : مَنْ كُنْتَ تَعْبُدُ ؟ قَالَ : إِلَهُ السَّمَاءِ " . وَفِي رِوَايَتِهِ : فَجَعَلُوا يَقُولُونَ : سَاحِرٌ ، وَيَقُولُونَ لَهُ : كَاهِنٌ ، وَيَقُولُونَ لَهُ : شَاعِرٌ ، وَلَقَدْ حَمَلْتُ كَلَامَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ ، فَلَمْ يَلْتَئِمْ ، وَلَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي " . وَفِي رِوَايَةٍ : " حَتَّى تَرَكُونِي مِثْلَ النُّصُبِ الْأَحْمَرَ ، فَلَمَّا ضَرَبَنِي بَرْدُ السَّحَرِ أَفَقْتُ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ضُرِبَ عَلَى آذَانِ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرَ امِرْأَتَيْنِ أَقْبَلَتَا تُسَبِّحَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ ، فَقُلْتُ : زَوِّجُوا أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ، فَقَالَتَا : أَمَا وَاللَّهِ ، لَوْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ أَنْفَارِنَا أَحَدٌ " . قَالَ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْأَلْفَاظُ الْغَرِيبَةُ فِي الْحَدِيثِ الشَّنَّةُ : الْقِرْبَةُ الْخَلَقُ ، فَفَرَّقَ : فَخَافَ ، أَجَنَّهُ اللَّيْلُ : سَتَرَهُ ، أَعْتَمَ : دَخَلَ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ ، وَالصَّرْمَةُ : الْقَطِيعُ مِنَ الْغَنَمِ ، مُدَافِعٌ رَجُلًا : أَيْ مُفَاخِرُ رَجُلًا ، وَلَيْلَةُ أَضْحَيَانُ : أَيْ مُضِيئَةُ ، وَقَوْلُهُ : احْمِلُوا أَحَدَهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ : مَعْنَاهُ مَعْنَى قَوْلُهُ : زَوِّجُوا أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ، وَقَوْلُهُ : كَلِمَةُ تَمْلَأُ الْفَمَ : أَيْ أَسْتَعْظِمُ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهَا ، وَقَوْلُهُ : قَبَضًا قَبْضًا ، رِوُيَ بِالضَّادِ وَالصَّادِ ، وَالْقَبْصَةُ بِالصَّادِ دِونَ الْقَبْضَةِ . وَقَوْلُهُ : تَالَهُ وَتَأْلَهُ : أَيْ تَعَبُدُ ، وَالْخَفَاءُ : الْكِسَاءُ ، فَتَنَافَرَ : فَتَحَاكَمَ ، سَامُوهُ : أَيْ كَلَّفُوهُ التَّعَبَ ، سَخْفَةُ جُوعٍ : شِدَّةُ جُوعٍ ، تَعَكَّنَ بَطْنِي : أَيْ تَكَسَّرَ مِنَ السَّمْنِ ، هَنَّ بِهِنَّ الْهِنُّ : كِنَايَةُ عَنِ الْفَرَجِ ، أَيْ أَجْمَعُوا بَيْنَهُمَا ، يَسْتَهْزِئُ بِالصَّنَمِ وَعَابِدِي الصَّنَمِ ، وَالنُّصُبُ : حِجَارَةُ يُذْبَحُ عَلَيْهَا مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الْأَصْنَامِ مِنَ النَّعَمِ ، أَقْرَاءُ الشِّعْرِ : أَوْزَانُهُ وَطُرُقُهُ ، تُسَبِّحَانِ إِسَافًا : أَيْ تَذْكُرَانَهُ بِالتَّعْظِيمِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : تَمْسَحَانِ ، الْأَنْفَارُ : جَمْعُ النَّفَرِ ، وَهُمُ الْجَمَاعَةُ