كتب إلى أبو نصر بن القشيري ، أنا أبو بكر البيهقي ، أنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : سمعت الصفار - يعني : محمد بن عبد الله الأصبهاني يدعو في مسجده - وهو رافع باطن كفيه إلى السماء ، وهو يقول : يا رب إنك تعلم أن أبا العباس المصري ظلمني ، وخانني ، وحبس عني أكثر من خمس مائة جزء من أصولي ، اللهم فلا تنفعه بتلك وبسائر ما جمعه من الحديث ، ولا تبارك له فيه
وكان أبو عبد الله مجاب الدعوة ، وكان السبب في موجدته على أبي العباس المصري ، وراقه أنه قال له : اذهب إلى أبي العباس الأصم ، وقل له : قد حضرت معك ، ومع أبيك قراءة كتاب الجامع للثوري مجلس أسيد بن عاصم ، وقد ذهب كتابي فإن كان لي في كتابك سماع بخطي ، فأخرجه إلي حتى أنسخه فذهب ، فقال أبو العباس : السمع والطاعة ، وأخرج الكتاب في أربعة أجزاء بخط يعقوب ، وسماع أبي عبد الله فيه بخطه ، فدفعه إلى أبي العباس ، فأخذه ووضعه في بيته ، ثم جاء إلى أبي عبد الله ، فقال : إن الأصم رجل طماع ، قد أخرج سماعك بخطك في كتابه ، ولم يدفعه إلي ، قال : لم ؟ قال : يقول : إني لا أدفع هذا السماع إليه حتى يحمل إلي خمسة دنانير ، وكان أبو عبد الله قد تراجع أمره ، ونقصت تجارته ، فبلغني أنه باع شيئا من منزله ، فدفع إلى العباس خمسة دنانير ، فأخذها وحمل الكتاب إليه ، ثم أنهما جميعا دعيا على أبي العباس ، فاستجيبت دعوتهما فيه ، ثم بعد ذلك كان أبو عبد الله يجامل أبا العباس ، ويجهد في استرجاع كتبه منه فلم يقدر عليه ، وكاد أبو العباس يفوتنا حديث أبي عبد الله الصفار ، فذهبت أنا إلى أبي محمد عبد الله بن حامد الفقيه ، فقلت له : إن هذا الرجل قد فوتنا هذا الشيخ ، وهو يجامله بسبب كتبه عنده ، ونحن نعلم أنه لا يفرج قط عن جزء من أصوله ، وإن قتل ، فإن الشيخ أبا بكر بن إسحاق حبسه ، ولم يقدر على استرجاع الكتب . فلو نصبت أبا بكر الساوي الوراق مكانه ليسمع الناس ما بقي عنده من الكتب ، وكان أبو عبد الله الصفار يحمل أبا محمد بن حامد محمل الولد ، وكان أبو محمد يخاطبه بالعم ، فقصده ونصحه فقبل نصيحته ، ونصبت أبا بكر الساوي مكانه ، وعقد أبو بكر في الأسبوع بضعة عشر مجلسا بالغدوات ، وبعد الظهر ، والعشاء ، وانتفع الناس بما بقي عند أبي عبد الله ، وكان لا يقعد ، ولا يقوم إلا ويبكي ، ويدعو على أبي العباس فإن عيون كتبه كانت عنده ، ولم يقرأ قط حديثا واحدا من كتب الناس . وإنما قصصت هذه القصة ليعتبر المستفيد به ، ولا يتهاون بالشيوخ ، فإن محل أبي العباس المصري من هذه الصنعة كان أجل محل ، وذهب علمه ، وساءت عاقبته بدعاء ذلك الشيخ الصالح عليه .