16614 قَالَ : فَصَلَّيْتُ الْعَصْرَ ، وَخَرَجْتُ وَخَرَجَ صَالِحٌ ، فَسَلَّمْتُ فَرَدُّوا عَلَيَّ السَّلامَ ، ثُمَّ الْتَفَتُوا إِلَى أَخِيهِمُ الأَصْغَرِ ، فَقَالُوا : يَا أَبَا الطَّيِّبِ ، إِنَّا نُعَرِّضُكَ إِلَى الأَجْرِ ، وَهَذَا الرَّجُلُ مُقِيمٌ مَعَنَا فِي بَلَدِنَا مُنْذُ أَرْبَعِ حِجَجٍ ، وَقَدْ سَأَلَنَا أَنْ نُدْخِلَهُ إِلَى وَالِدِنَا لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَرَأَى مَنْ رَآنِي " ، قَالَ : نَعَمْ وَكَرَامَةٌ ، فَنَهَضَ وَدَقَّ الْبَابَ ، فَلَمَّا دَقَّ بَابَ الْقَصْرِ خَرَجَ خَادِمٌ ، فَفَتَحَ بَابَ الْقَصْرِ ، فَلَمَّا فَتَحَ الْبَابَ شَمَمْتُ مِنْهُ رَائِحَةَ الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْيَاسَمِينَ ، فَسَأَلْتُ اللَّهَ ، تَعَالَى الْجَنَّةَ ، قَالَ : ثُمَّ دَخَلْنَا مِنْ قَصْرٍ إِلَى قَصْرٍ ، وَمِنْ نَهْرٍ إِلَى نَهْرٍ ، فَإِذَا الشَّيْخُ مُتَّكِئٌ عَلَى فُرُشٍ مُشَيَّدَةٍ ، وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، قَالَ : فَقُلْتُ : هَذَا وَاللَّهِ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ ابْنُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ : السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبَةِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَعَنْ وَالِدَيْكَ وَمَا وَلَدَا ، وَعَنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : وَاللَّهِ لا فَاتَنِي كَلامُ وَلِيِّ اللَّهِ ، قَالَ : فَقُلْتُ : السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، قَالَ : فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ ، قَالَ : ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى ابْنِهِ الأَصْغَرِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا الطَّيِّبِ ، مَنْ هَذَا الَّذِي أَدْخَلْتَهُ عَلَيَّ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ ؟ قَالَ : فَاحْتَجَّ الْفَتَى عَنِّي وَأَحْسَنَ ، وَقَالَ : يَا أَبَةِ ، هَذَا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مُقِيمٌ مَعَنَا فِي بَلَدِنَا مُنْذُ أَرْبَعِ حِجَجٍ ، وَقَدْ سَأَلَنَا أَنْ نُدْخِلَهُ عَلَيْكَ لِيَنْظُرَ إِلَيْكَ نَظْرَةً ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " طُوبَى لِمَنْ رَآنِي ، وَمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي " ، وَأَنْتَ يَا أَبَةِ قَدْ رَأَيْتَ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَدَمَهُ ، قَالَ : لا بَأْسَ ، وَطَابَتْ نَفْسُهُ ، ثُمَّ الْتَفَتَ ، وَقَالَ لِي : يَا شَامِيُّ ، مِنْ أَيِّ الشَّامِ أَنْتَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ ، فَقَالَ لِي : مَرْحَبًا بِكَ وَأَهْلا ، أَنْتَ مِنَ الْمَدِينَةِ الَّتِي مِنْهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ حَبِيبٌ النَّجَّارُ ، بَعَثَ اللَّهُ ، تَعَالَى ، الْمُرْسَلِينَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى ، قَالَ : يَا قَوْمِ ، اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ، وَكَانَ قُدُومُهُ عَلَى عَاتِقِهِ ، فَعَلُوهُ بِالْقُدُومِ حَتَّى قَتَلُوهُ ، وَوَطِئُوا بَطْنَهُ حَتَّى خَرَجَتْ بَيْضَتُهُ مِنْ دُبُرِهِ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، قَالَ : يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ {26} بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ {27} سورة يس آية 26 ، 27 . قَالَ : قُلْتُ : حَدِّثْنِي ، رَحِمَكَ اللَّهُ ، بِحَدِيثٍ أُحَدِّثُ بِهِ عَنْكَ ، وَأَشْكُرُكَ عَلَيْهِ ، وَيَهَبُكَ اللَّهُ تَعَالَى الْجَنَّةَ ، قَالَ : إِنِّي قَدْ آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لا أُحَدِّثَ أَحَدًا ، وَلَمْ أُحَدِّثْ أَحَدًا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً ، وَلَكِنِّي أُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِي ، وَأُحَدِّثُكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : فَأَخْرَجْتُ الأَلْوَاحَ الْمُسْوَدَّةَ ، فَقَالَ لِي : اكْتُبْ يَا شَامِيُّ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ° خَادِمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الأُمَمِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، مُحْسِنُهَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِلا حِسَابٍ ، وَمُسِيئُهَا يُغْفَرُ لَهُ بِشَفَاعَتِي " ، قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ مِصْدَاقَهُ مِنَ الْقُرْآنِ : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ سورة فاطر آية 32 " ، فَسَابِقُنَا سَابِقٌ ، وَمُقْتَصِدُنَا نَاجٍ ، وَظَالِمُنَا مَغْفُورٌ لَهُ ، قَالَ : فَكَتَبْتُ عَنْهُ حَدِيثًا يَسْوَى الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا .