أَنْبَأَنَا أَبُو الحسن عَبْد الغافر بْن إسماعيل - كتابه - أنا أَبُو بكر مُحَمَّد بْن يحيى المزكي ، أنا أَبُو عَبْدِ الرحمن السلمي ، قال : سمعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي ، يقول : التقوى مثال الحق ، قال اللَّه تعالى : لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ سورة الحج آية 37 ، قال : وسمعته يقول : لمراعاة الأوقات من علامات التيقظ . قال : وسمعته يقول : مواجيد الأرواح تظهر بركتها على الأسرار ، ومواجيد القلوب تظهر بركتها على الأبدان . وسمعته يقول : الراحة ظرف مملوء من العتاب . وسمعته يقول : سر سلم من رعونة البشرية سر رباني . وقال : جزية من الحق تربي على أعمال الثقلين . وقال : تؤدب النفوس بالرياضات ، والقلوب بالمعارف . وقال : مات بمكة سنة سبع وستين وثلاث مائة .
وذكر أَبُو عَبْدِ الرحمن السلمي ، قال : لما هم الأستاذ أَبُو الْقَاسِم النصرآباذي بالحج ، وتهيأ له خرجت معه إلى الحج سنة ست وستين وثلاث مائة ، وكنت مع الأستاذ أي منزل نزلناه أو بلدة دخلناها ، يقول لي : قم حتى تسمع الحديث ، وكان مع جلالته ، وكثرة ما عنده من العلم يحمل المحبرة والبياض ، ويحضر سماع الحديث ، ويطلب أهله ، وكان - رحمه اللَّه - شديد الحرص على كتابته ، والحب له . ولما دخلنا بغداد قال لي : قم بنا نذهب إلى أَبِي بكر بْن مالك القطيعي - رحمه اللَّه - وكان عنده إسناد حسن ، وكان له وراق قد أخذ من الحاج شيئا ليقرأ لهم ، وفي مجلسه خلق من الحاج وغيرهم ، فلما دخلنا عليه قعد الأستاذ ناحية من القوم ، والوراق يقرأ فأخطأ ، فرد عليه الأستاذ ، فنظر إليه الوراق شزرا ، فأخطأ أيضا في شيء ، فرد عليه أيضا ، فنظر الوراق إليه شزرا ، والبغداديون لا يحتملون من أهل خرا سان أن يردوا عليهم شيئا ، فلما كان في المرة الثالثة رد عليه ، قال الوراق : يا رجل إن كنت تحسن تقرأ فتعال ، فأقرأ - كالمستهزئ به - فقام الأستاذ وقال : تآخر قليلا ، وأخذ الجزء من يده ، وأخذ يقرأ قراءة تحير ابن مالك ، ومن حوله تعجبا منه ، فلما فرغ من ذلك الجزء أخذ في جزء آخر ، وهكذا في الجزء الثالث ، والشيخ ساكت لا يصرف طرفه عنه تعجبا منه حتى حان وقت الظهر . قال : فسألني الوراق من هذا الرجل ؟ قلت : الأستاذ أَبُو الْقَاسِم النصرآباذي ، فقام الوراق ، وقال : أيها الناس هذا شيخ خراسان أَبُو الْقَاسِم النصرآباذي ، وقد كتب الحديث ها هنا ، وأقام ببغداد خمس عشرة سنه ، فقرأ في مجلس واحد ما كان يريد الوراق أن يقرأه في خمسة أيام . ولما دخلنا البادية كان كلما نزل عن راحلته في سيره ، لا تفارقه المحبرة ، والمقلمة ، والبياض ، فرأيته ، ونحن في رحل المفسر ، وفي كمه المحبرة ، والمقلمة ، والبياض ، والأجزاء ، فقلت : أيها الأستاذ في هذا الموضع ، والناس يخففون عن أنفسهم ؟ فقال : يا أَبَا عَبْد الرحمن ، ربما أسمع شيئا من جمال أو غيره حكمة ، أثبته كي لا أنسى . قال : وكان سنة من السنين قحط ، فخرج الناس إلى الاستسقاء إلى المصلى ، فلما ارتفع النهار جاء غبار ، وريح وظلمة لا يستطيع أن يرى أحد أحدا من شدة الغبار ، ونحن مع الأستاذ أَبِي الْقَاسِم ، فقال لنا الأستاذ : جئنا بأبدان مظلمة ، وقلوب غافلة ، ودعاء بلسان مثل الريح ، فنحن نكيل ريحا فيكال علينا ريح . فلما كان الغد خرج ، وكان فقيرا ليس وراءه دنيا ، ولكن له جاه عند الناس ، فدخل عليه أبناء الدنيا ، وأخذ منهم شيئا ، وأمر بشراء بقرة ، وكثير من لحم الغنم ، والأرز ، وآلات الحلواء ، وأمر مناديا في البلد : ألا من كان له حاجة في الخبز ، واللحم ، والحلوى ، فليمض غدا إلى المصلى . وأمر بالمراجل حتى حملت إلى المصلى ، فلما كان الغد خرجنا معه ، وأمر بطبخ المرقة ، والأرز ، والحلواء ، وجاءوا بخبز كثير ، وجاء الفقراء من الرجال والنساء والصبيان ، وأكلوا ، وحملوا إلى وقت العصر ، فلما صلينا العصر إذا في قطعة سحاب ، فقال لنا : شمروا حتى نرجع فجاء الحمالون ، فأخذوا الآلات ، ورجعوا وأصحابه معهم ، وبقي هو وأنا معه وهو صائم ، وأنا أيضا لأجل موافقته ، فرجعنا فلما بلغنا إلى محلة جودي كان قريبا من صلاة المغرب ، فمطرنا مطرا لا نستطيع المضي بحال ، فطلبنا مسجدا ، فدخلناه ، وجاء المطر كأفواه القرب ، والمسجد يكف بالمطر ، وفي جداره محراب ، فدخل الأستاذ المحراب وصلينا ، وأنا في زاوية في المسجد ، وقال : لعلك جائع تريد أن أطلب من الأبواب كسرة حتى تأكل ؟ فقلت : معاذ اللَّه أنا ساكن ، قال : غدا لناظريه قريب ، وكان يترنم مع نفسه : خرجوا ليستسقوا ، فقلت لهم : قفوا دمعي ينوب لكم ، عن الأنواء قالوا : صدقت ، ففي دموعك مقنع لو لم تكن ممزوجة بدماء وقلت في نفسي : ليتك لم تخرج إلى الاستسقاء حتى لم أبتل بما ابتليت به من الجوع ، والظمأ ، والبرد ، ونمت في ناحية المسجد ، فلما كان الصبح ، قال لي : قم يا أَبَا عَبْد الرحمن ، واطلب الماء ، وتطهر حتى نصلي ، ونخرج ، فقمت ، وتوهمت أنه قد تطهر ، فقلت : أين تطهر الأستاذ ؟ قال : ما تطهرت ، فخرجت ، وتطهرت ، وصلينا ، وخرجنا وما نام ليلته ، وصلى على طهارة الأمس . قال : ولما دخلنا مكة حرسها اللَّه نظر إلى تلك المقبرة ، فقال : يا أَبَا عَبْد الرحمن طوبى لمن كان قبره في هذه المقبرة ، وليت قبري كان هاهنا ، ثم أنه - رحمه اللَّه - أقام بها مجاورا ، وقال لي : عليك بالانصراف ، فقد حججت حجة الإسلام ، فاشكر اللَّه على ذلك ، وارجع إلى والدتك ، فإني قبلتك منها ، فيجب أن أردك عليها ، وكنت نويت أن أجاور معه ولا أفارقه ، ولكن لم يرض لي ، ليرضى الرجوع إلى الوالدة ، فقال : ترجع ، وتعود سريعا إن شاء اللَّه ، فمرض هناك مدة يسيرة ، فقال لي بعض أصحابنا : دخلت عليه في مرضه ، فقلت له : ما تشتهي ؟ قال : كوز من ماء الجمد كما يكون بخرا سان ، قال : فخرجت من عنده ، وخرجت إلى العمرة ، ومعي ركوة ، فطلعت سحابة ، وأمطرت بردا كثيرا وما أمطرت بمكة شيئا ، فسررت بذلك ، وجمعت منه ملء ركوتي ، وغدوت به حتى دخلت عليه ، وقلت : سهل اللَّه ما تريد ، فنظر إليه وتبسم ، وما شرب منه قطرة ، وتوفي رحمه اللَّه تعالى سنة سبع وستين وثلاث مائة