أخبرني أبو الفرج عبيد الله بن محمد بن يوسف النحوي ، إجازة ، ثنا عيسى بن عبيد الله المصاحفي ، ثنا علي بن جعفر بن محمد الرازي ، ثنا أبو العباس الفضل بن مهاجر المقدسي ، ببيت المقدس ، ثنا جنيد بن خلف السمرقندي ، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن هانئ النيسابوري ، ببغداد ، ثنا أبو أحمد محمد بن فضاء الدمشقي ، ثنا موسى بن سعيد الراسبي الشعبي ، قال : بينا شريح في مجلس قضائه إذ أقبل فتى وشيخ يختصمان إليه ، قال : فكلما تكلم الشيخ بكلمة أفلج عليه الفتى في حجته ، فأغاظ ذلك شريحا ، فقال للفتى : اسكت ، قال : لا والله يا قاضي ، ما لك أن تسكتني ، قال : لأنك فتى ، وهذا شيخ ، قال : يا قاضي ، وما تنقم على قوم أثنى الله عليهم في القرآن ، فقال : إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ سورة الكهف آية 13 ، وقال : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ سورة الأنبياء آية 60 ، وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ سورة الكهف آية 60 ، لولا أنه فتى صدق ما صحبه موسى ، قال : يا فتى أنت قاض ؟ تعال اقعد اقض ، قال : لا والله ما لي ذاك دون أن أطعم قصعتك ، وأستوفي منتك ، قال : ثم استنطقه ، فإذا بفتى كامل العقل وضيء الوجه ، قال : يقول شريح في نفسه ، والله لوددت لو أن لهذا الفتى أختا ، فأتزوجها ، قال : لو تمنيت الجنة كان أفضل ، قال : والله إني لا قبلت يوما من جنازة مظهرا ، فأصابني الحر ، قال : ورأيت سقيفة ، قال : فقلت : لو عدلت إلى هذه السقيفة ، فاستظللت ، واستسقيت ماء ، فلما صرت إلى السقيفة إذا باب دار ، وإذا امرأة نصف قاعدة خلفها جارية شابة رود ، عليها ذوابة لها قد تسترت بها ، قال : قلت اسقوني ماء ، قالت : يا عبد الله ، أي الشراب أعجب إليك النبيذ ، أم اللبن ، أم الماء ، قلت : أي ذلك تيسر عليكم ، قالت : اسقوا الرجل لبنا فإني إخاله غريبا ، قال : فلما أن شربت حمدت الله ، قلت لها : من الجارية خلفك ، قالت : ابنتي ، قال : قلت : ومن هي ؟ قالت : زينب بنت حدير ، قال : فقلت : ممن ؟ قالت : من نساء بني تميم ، قال : فقلت من أيها ؟ قالت : من بني حنظلة ، ثم من بني طهية ، قال : قلت لها : فارغة أم مشغولة ؟ قالت : لا ، بل فارغة ، قال : قلت : تزوجينها ، قالت : نعم ، إن كنت لها كفؤا ، قلت : فمن يلي أمرها ؟ قالت : عمها ، فانصرفت إلى منزلي ، فامتنعت من القائلة ، قال : فأرسلت إلى إخواني من القراء الأشراف ، فأرسلت إلى مسروق بن الأجدع ، وإلى سليمان بن نجية ، وإلى الحجاج بن عرفطة ، فتوافينا عند عمها العصر ، فقال لي عمها : يا أبا أمية ، ألك حاجة ، قال : قلت : إليك عمدت ، قال : وفيم ذاك ، قال : جئت خاطبا ، قال : من ، قلت : زينب بنت حدير ، قال : والله ما بها عنك رغبة ، ولا تقصير ، قال : فحمدت الله وصليت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وذكرت حاجتي ، قال : فحمد الله أيضا ، وصلى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وزوجني ، قال : فوالله ما بلغت منزلي حتى ندمت ، قلت : ما صنعت تزوجت امرأة من بني طهية من حي حفاة ، قال : فأردت أن أفارقها ، ثم قلت : سقطتين في يوم واحد لا والله ، ولكني أجمعها إلي ، فإن رأيت الذي أحب ، وإلا كنت قادرا ، قال : فأرسلت إليها بصداقها وكرامتها ، قال : فزفت إلي مع نساء أتراب لها ، فلما أن صارت بالباب ، قال : قالت : السلام عليكم ورحمة الله ، وأقبلن النساء ينخسنها ، ويقلن لها : هذا منك جفاء ، قالت : سبحان الله ، السلام والبركة فيه فلما أن توسطت البيت ، قالت : يا قاضي موضع مسجد البيت ، فإن من السنة إذا دخلت المرأة على الرجل أن يقوم ، فيصلي ركعتين ، وتصلي خلفه ركعتين ، ويسألان الله خير ليلتهما تلك ، ويتعوذان بالله من شرها ، قال : قلت خير ورب الكعبة ، قال : فقمت أصلي فإذا بها خلفي تصلي ، فلما أن سلمت ، وثبت وثبة فإذا هي في قبتها وسط فراشها قاعدة ، قال : ودخلت إليها ، فوضعت يدي على ناصيتها ، ودعوت لها بالبركة ، قالت : نعم فبارك الله لك ولنا معك ، قال : فأردت ما يريد الرجل ، فقالت لي : هيه هيه ، على رسلك ، على حاجتك ما قدرت ، الحمد لله أحمده وأستعينه وصلى على محمد ، أما بعد ، فإني امرأة غريبة لم أنشأ معك ، وما سرت مسيرا أشد علي من هذا المسير ، وذلك أني لا أعرف أخلاقك ، فأخبرني بأخلاقك التي تحب أكن معها ، وأخلاقك التي تكره أزدجر عنها ، أقول قولي هذا ويغفر الله لي ولك ، قال : فاستطرت فرحا ، ثم قلت : أما بعد ، قدمت خير مقدم على أهل دار زوجك سيد رجالهم ، وأنت إن شاء الله سيدة نسائهم ، أنا أحب من الأخلاق كذا وكذا ، وأكره من الأخلاق كذا وكذا ، قالت : حدثني ، عن أختانك أتحب أن يزوروك ، قال : قلت لها : إني رجل قاض ما أحب أن يكثروا فيملوني ، ولا يطيلون فيهجروني ، قالت : وفقك الله ، قال : فبت بأنعم ليلة باتها عروس ، ثم الليلة الأخرى أنعم منها ، فليس من ليلة إلا وأنا أنعم من صاحبتها حتى إذا كان بعد سبع ، قالت لأمها : يا أمتاه انصرفي إلى منزلك ، ولا تأتيني إلى حول قابل في هذا الأوان ، ولا تتركيني من الهدايا ، قال : فكان الرسول يجيء بالأطباق الملاء ، ويأخذ الفارغ شبه الطير الخاطف حتى إذا كان رأس الحول أتتها أمها وقد ولدت غلاما . قال الشعبي : وكان شريح رجلا غيورا فإذا بامرأة تأمر ، وتنهى في بيته ، فقال : يا زينب ، من هذه المرأة ، قالت له : هذه ختنتك فلانة أمي ، قال شريح : سبحان الله ، قد والله آن لك ، قالت العجوز : يا أبا أمية ، كيف ترى زوجتك ؟ قال : قلت : بالخير ، قالت لي : يا أبا أمية ، إن الرجال لم يبتلوا بشيء مثل الخرقة الورهاء ، ولا تكون المرأة عند زوجها بأسوإ حال منها في حاليه إذا حظيت عند زوجها ، أو ولدت له غلاما ، فإن رابك من أهلك ريب فالسوط ، قال لها : قد والله كفيت الرياضة ، وأحسنت الأدب ، أنا أشهد أنها ابنتك ، قالت له العجوز : يا أبا أمية أخوها بالباب يطلب الإذن عليها ، تأذن له ؟ قال : أي والله ، فليدخل ، فلما أن دخل إذا بالفتى الذي كان يخاصم الشيخ ، قال : وإنك لهو ؟ قال الفتى : نعم ، قال : أما إني لو تمنيت الجنة كان أفضل ، تذكر يوم كنت تخاصم الشيخ ، قال : أذكره ، قال : فإني تمنيت أن يكون أخت لك عندي ، قال : يا قاضي ، فإن الذي أعطاك مناك قادر أن يعطيكها في الآخرة ، قال : ثم إنه ضم الصبي ، ونحله ذهبا ، قال : أرشد الله أمركم ، ووفقكم لحظكم ، ومضى . قال شريح : فلبثت معي عشرين سنة ، وما عبت عليها في تلك السنين إلا يوما واحدا كنت لها ظالما أيضا ، قالوا : وكيف ؟ قال : كنت إمام قومي ، وصليت ركعتي الفجر ، وسمعت الإقامة ، فبادرت ، فأبصرت عقربا ، فكرهت أن أضربها فتنضح علي منها ، فأكفيت عليها الإناء ، ثم قلت لها : يا زينب لا تعجلي بتحريك الإناء حتى أقبل ، فأقبلت ، فإذا هي تلوّى ، قلت لها : ما لك ، قالت : ضربتني العقرب ، قال : أولم ننهك ؟ قالت : هكذا من خالف ، لي في ذا عظة وعبرة ، قال : فلو رأيتني يا شعبي وأنا أمغث أصبعها بالماء ، والملح ، وأقرأ عليها بفاتحة الكتاب والمعوذتين ، قال : وكان لي جار من كندة يقال له : ميسرة بن عدي ، لا يزال يقرع مرية له وذلك حيث يقول : رأيت رجالا يضربون نساءهم فشلت يميني يوم أضرب زينبا