← المنتظم في تاريخ الأمم لا…
المنتظم في تاريخ الأمم لابن الجوزي
#485 4 : 74 ☰ أنفذ جيش أسامة بن زيد وارتد من ارتد
A− A+

492 وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، قَالَ : لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ ° وَجَمَعَ الأَنْصَارَ عَلَى الأَمْرِ الَّذِي افْتَرَقُوا عَنْهُ ، قَامَ لِيُتِمَّ بَعْثَ أُسَامَةَ ، وَقَدِ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ ، وَنُجِّمَ النِّفَاقُ وَاشْرَأَبَّتِ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ ، وَالْمُسْلِمُونَ كَالْغَنَمِ الْمَطِيرَةِ فِي اللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ لِفَقْدِ نَبِيِّهِمْ ، وَقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ : إِنَّ هَؤُلاءِ جُلُّ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْعَرَبُ عَلَى مَا تَرَى قَدِ انْتَقَضَتْ بِكَ ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُفَرِّقَ عَنْكَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : " وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي بَكْرٍ بِيَدِهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّ السِّبَاعَ تَخَطَّفُنِي لأَنْفَذْتُ بَعْثَ أُسَامَةَ كَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْقُرَى غَيْرِي لأَنْفَذْتُه " . فَلَمَّا فصل أُسَامَةُ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ ، وَتُرُوخِيَ عَنْ مُسَيْلَمَةَ وَطُلَيْحَةَ ، فَاسْتَغْلَظَ أَمْرُهُمَا ، وَارْتَدَّتْ غَطْفَانُ إِلا مَا كَانَ مِنْ أَشْجَعَ وَخَواصٍّ مِنَ الأَفْنَاءِ ، وَقَدَّمَتْ هَوَازِنُ رِجْلا وَأَخَّرَتْ أُخْرَى ، أَمْسَكُوا الصَّدَقَةَ إِلا مَا كَانَ مِنْ ثَقِيفٍ ، وَارْتَدَّتْ خَوَاصٌّ مِنْ سُلَيْمٍ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ النَّاسِ بِكُلِّ مَكَانٍ ، وَقَدِمَتْ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْيَمَنِ وَالْيَمَامَةِ وَبِلادِ بَنِي أَسَدٍ ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ صَادَمَ أَبُو بَكْرٍ عَبْسًا وَذُبْيَانَ ، عَاجَلُوهُ فَقَاتَلَهُمْ قَبْلَ رُجُوعِ أُسَامَةَ

قال ربيعة الأسدي : قدمت وفود أسد وغطفان وهوازن وطيء فعرضوا الصلاة على أن يعفوا من الزكاة ، واجتمع جماعة من المسلمين على قبول ذلك منهم ، فأتوا أبا بكر فأبى إلا ما كَانَ رسول الله يأخذ ، وأجلهم يوما وليلة فتطايروا إلى عشائرهم . قال الشعبي : قال أبو بكر لعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة ، والزبير ، وسعد : أترون ذلك ؟ يعني قبول الصلاة منهم دون الزكاة ، قالوا : نعم ، حتى تسكن الناس ، وترجع الجنود ، فقام فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : لو منعوني عقالا مما أعطوه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قبلت منهم ، ألا برئت الذمة من رجل من هؤلاء الوفود وجد بعد يومه وليلته ، فتواثبوا يتخطون رقاب الناس ، ثم أمر عليا رضي الله عنه بالقيام على نقب أنقاب المدينة ، وأمر الزبير بالقيام على نقب ، وأمر طلحة بالقيام على نقب آخر ، وأمر عَبْد الله بن مسعود بالعسيس بالليل ، وجد في أمره ، وقام على رجل . وقال إبراهيم النخعي : أول ما ولي أبو بكر ولى عمر القضاء ، وأمر ابن مسعود بعسس المدينة قال علماء السير : وجاء المشركون فطرقوا المدينة بعد ثلاث ، فوافقوا أنقاب المدينة محروسة فبهتوهم ، وخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم ، فانفش العدو ، فاتبعهم المسلمون ، فإذا للمشركين ردء بأنحاء قد نفخوها ، ثم دهدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل ، فنفرت بالمسلمين وهم عليها حتى دخلت بهم المدينة ، فلم يصرع مسلم ولم يصب . وبات أبو بكر ليلتئذ يتهيأ ، فعبى الناس ، وخرج على تعبيته في آخر الناس يمشي وعلى ميمنته النعمان بن مقرن ، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن ، وعلى الساقة سويد بن مقرن معه الركاب ، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد ، فما سمعوا للمسلمين حسا حتى وضعوا فيهم السيوف ، فما ذر قرن الشمس حتى ولى المشركون الأدبار ، واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة ، ونزل بها النعمان بن مقرن في عدد ، ورجع إلى المدينة فدك بها المشركون ، فوثب بنو ذبيان وعبس على من كان فيهم من المسلمين ، فقتلوهم . وقدم أسامة بعد أن غاب شهرين وأياما ، فاستخلفه أبو بكر على المدينة ، وقال له ولجنده : " أريحوا وارعوا ظهوركم " . ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة والذين كانوا على الأنقاب ، فقال له المسلمون : ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تعرض نفسك ، فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام ، ومقامك أشد على العدو ، فابعث رجلا ، فإن أصيب أمرت آخر ، فقال : والله لا أفعل ، ولأواسينكم بنفسي ، فخرج في تعبيته إلى ذي القصة ، فنزلها ، وهي على بريد من المدينة ، فقطع فيها الجنود . فلما أراح أسامة وجنده ظهرهم ، وحموا قطع أبو بكر البعوث ، وبلغ عقد الألوية ، أحد عشر لواء على أحد عشر جندا ، وأمر أمير كل جند باستنفار من مر به من المسلمين من أهل القوة ، فعقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد ، فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نويرة ، وعقد لعكرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة ، وللمهاجر بن أبي أمية وأمره بجنود العنسي ، ومعونة الأبناء على قيس بن المشكوح ، ثم يمضي إلى كندة بحضرموت ، ولخالد بن سَعيد بن العاص إلى الشام ، ولعمرو بن العاص إلى قضاعة ووديعة والحارث ، وما زال يعين لكل أمير قوما يقصدهم . وقال ابن إسحاق : ارتدت بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامة العرب ، فأشار الناس على أبي بكر رضي الله عنه ، بالكف عنهم ، وأن يقبل منهم أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة ، وقالوا : نخاف أن تلج العرب كلها في الرجوع عن الإسلام ، فقال : " والله لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدون إلى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقاتلتهم عليه ، ووالله لو كان الناس كلهم كذلك لقاتلتهم بنفسي حتى تذهب ، أو يكون الدين لله " . قال عمر بن الخطاب : " ما بقي أحد من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا أنا ولا غيري ، إلا وقد داخله فشل ، وطابت نفسه على ترك الزكاة لمن منعها غير أبي بكر ، فوالله ما هو إلا أن رأيت ما شرح الله صدر أبي بكر من القيام بأمر الله ، فعرفت أنه الحق " . وقال ابن إسحاق : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث الزبرقان بن بدر السعدي على صدقات قومه بني سعد بن زيد مناة ، وبعث مالك بن نويرة الحنظلي على صدقات بني حنظلة ، وبعث عدي بن حاتم عَلَى صدقات طيء ، فبلغهم وفاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد كانوا قبضوا الصدقات . فأما مالك بن نويرة ، فإنه ردها إلى قومه ، وأما عدي والزبرقان ، فإن قومهما سألوهما أن يرداها عليهم ، فأبيا ، وقالا : لا نرى إلا أنه سيقوم بهذا الأمر قائم بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن كَانَ ذلك دفعناها إليه ، وإن كان غير ذلك فأموالكم في أيديكم ، فأمسكا الصدقة حتى قدما على أبي بكر ، فلم يزل لهما بذلك شرف على من سواهما من أهل نجد ، وكانت تلك الصدقة مما قوي بها أبو بكر على قتال أهل الردة . فلما أراد أن يتجهز لحرب أهل الردة خرج بالناس حتى نزل بذي القصة ، فعبأ جنوده هنالك ، فبعث خالد بن الوليد في المهاجرين والأنصار ، وجعل ثابت بن قيس على الأنصار وأمره إلى خالد ، وأمره أن يصمد لطليحة وعيينة ، وكانا على بزاخة وهي ماء من مياه بني أسد ، فسار خالد حتى إذا دنا من القوم بعث عكاشة بن محصن ، وثابت بن أقرم طليعة ، فقدما وكان طليحة وأخوه مسلمة قد خرجا ليستخبرا ، فإذا هما بعكاشة وثابت فقتلاهما ، فلما مر بهما خالد مقتولين اشتد ذلك على المسلمين ، وقالوا : سيدان من سادات المسلمين وفرسانهم . فمال خالد إلى طيء فاستعان بهم على الحرب ، فسار حتى أتى بزاخة وبها عيينة في بني فزارة ، وطليحة في بني أسد ، وكانت بنو عامر في ناحية ينتظرون الدبرة على من تكون ، وكان طليحة متلففا في كساء له قد غطى وجهه ليجيئه الوحي زعم ، وعيينة في الحرب ، فكان إذا أضجرته الحرب جاء إلى طليحة ، فيقول : هل جاءك جبريل ؟ فيقول : لا ، إلى أن قال عيينة : يا بني فزارة إن هذا كذاب فاجتنبوه ، فتفرقوا عنه ، فقال له قومه : ما تأمرنا ، فقال طليحة : اصنعوا ما أصنع ، ثم جال في متن فرسه ، وحمل امرأته ، ثم مضى هاربا إلى الشام ، فشد خالد بمن معه على بني فزارة ، فقتل من قتل منهم ، وأخذ عيينة أسيرا ، ثم كر على بني عامر ففضهم ، وأخذ قرة بن هبيرة أسيرا ، فأوثقه مع عيينة ، ثم بعث بهما إلى أبي بكر ، ومضى طليحة وأصحابه إلى الشام ، فأصابهم في طريقهم عطش شديد ، فقالوا : يا عامر هلكنا عطشا ، فما بقي من كهانتك ، فقال لرجل منهم يا محراق اركب فرسا ويبالا ، ثم شن عليه إقبالا ، فإنك سترى فارات طوالا ، ثم تجد عندها حلالا . فركب مخراق ، فرأى الفارات وعندها عين ، فشربوا وسقوا دوابهم ، ثم مضى إلى الشام ، فلما علم من هناك من المسلمين بطليحة أخذوه فأوثقوه ، ثم وجهوا به إلى أبي بكر فتوفي أَبُو بَكْر وطليحة في الطريق ، فقدم به على عمر ، فأسلم وحسن إسلامه . فصل

السند · الإسناد بالترتيب
شجرة الإسناد