173 قال أَحْمَد ° : وَحَدَّثَنَا حفص بْن غياث ° ، عَنْ هشام ° ، عَنْ أبيه ° ، عَنِ الزبير بْن العوام ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لأَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ حَبلا فَيَحْتَطِبَ ثُمَّ يَجِيءَ فَيَضَعَهُ فِي السُّوقِ فَيَبِيعَهُ ثُمَّ يَسْتَغْنِيَ بِهِ فَنَفَقَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ "
قلت : أنفرد به البخاري واتفقا عَلَى الذي قبله ، وفي حديث عَبْد اللَّهِ بْن عمرو ، عَنِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قَالَ : " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " . والمرة القوة ، وأصلها من شدة فتل الحبل يقال : مررت الحبل إذا أحكمت ، فتله فمعنى المرة فِي الحديث شدة أمر الخلق ، وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكل والتعب قَالَ الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عنه : لا تحل الصدقة لمن يجد قوة يقدر بِهَا عَلَى الكسب !769 أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد القزاز ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ ثابت ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْد الماليني ، قَالَ : سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْدِ الْوَاحِد الهاشمي ، سمعت أبا الْحَسَن يُونُس بْن أبي بَكْر الشبلي ، يَقُول : " قَامَ أبي ليلة فترك فرد رجل عَلَى السطح والأخرى عَلَى الدار ، فسمعته يَقُول : لئن أطرفت لأرمين بك إِلَى الدار ، فما زال عَلَى تلك الحال حتى أصبح ، فلما أصبح قَالَ لي : يا بني مَا سمعت الليلة ذاكرا اللَّه عز وجل إلا ديكا يساوي دانقين " قَالَ المصنف رحمه اللَّه : هَذَا الرَّجُل قد جمع بين شيئين لا يجوزان ، أحدهما مخاطرته بنفسه ، فلو غلبه النوم فوقع كان معينا عَلَى نفسه ولا شك أنه لو رمى بنفسه كان قد أتى معصية عظيمة فتعرضه للوقوع معصية ، والثاني أنه منع عينه حظها من النوم ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن لجسدك عليك حقا وإن لزوجتك عليك حقا ، وإن لعينك عليك حقا " وقال : " إذا نعس أحدكم فليرقد " . ومر بحبل قد مدته زينب ، فَإِذَا فترت أمسكت به فأمر بحله ، وقال : " ليصل أحدكم نشاطه فَإِذَا كسل أَوْ فتر فليقعد " . وَقَدْ تقدمت هذه الأحاديث فِي كتابنا هَذَا !770 أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر ، نا أَبُو عَبْد اللَّهِ الحميدي ، نا أَبُو بَكْر الأردستاني ، ثنا أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ، قَالَ : سمعت أبا العباس البغدادي ، يَقُول : " كنا نصحب أبا الْحَسَن بْن أبي بَكْر الشبلي ونحن أحداث فأضافنا ليلة ، فقلنا بشرط أن لا تدخل علينا أباك ، فَقَالَ : لا يدخل فدخلنا داره ، فلما أكلنا إذا نحن بالشبلي وبين كل أصبعين من أصابعه شمعة ثمان شموع ، فجاء وقعد وسطنا فاحتشمنا مِنْهُ ، فَقَالَ : يا سادة عدوني فيما بينكم طشت شموع ، ثم قَالَ : أين غلامي أَبُو العباس ، فتقدم إليه ، فَقَالَ : غنني الصوت الذي كنت تغني ، ولما بلغ الحيرة حادى جملي حارا : فقلت احطط بِهَا رحلي ولا نحفل بمن سارا فغنيته فتغير وألقى الشموع من يده وخرج " !771 أَخْبَرَنَا ابْن ناصر ، ثنا هِبَة اللَّهِ ابْن عَبْد اللَّهِ الواسطي ، نا أَبُو بَكْر أحمد بْن عَلِيٍّ الْحَافِظ ، نا مُحَمَّد بْن أحمد بْن أبي الفوارس ، نا الْحُسَيْن بْن أحمد بْن عَبْدِ الرَّحْمَن الصفار ، قَالَ : " خرج الشبلي يوم عيد وَقَدْ حلق أشفار عينيه وحاجبيه ، وتعصب بعصابة وَهُوَ يَقُول : للناس فطر وعيد إني فريد وحيد " !772 أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بْن مُحَمَّدٍ ، نا أحمد بْن عَلِيّ بْن ثابت ، نا التنوخي ، ثنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن أبي صابر الدلال ، قَالَ : " وقفت عَلَى الشبلي فِي قبة الشعراء فِي جامع المنصور والناس مجتمعون عَلَيْهِ ، فوقف عَلَيْهِ فِي الحلقة غلام جميل لم يكن ببغداد فِي ذلك الوقت أحسن وجها مِنْهُ يعرف بابن مسلم ، فَقَالَ لَهُ : تنح فلم يبرح ، فَقَالَ لَهُ الثانية : تنح يا شيطان عنا فلم يبرح ، فَقَالَ لَهُ الثالثة : تنح وإلا وَاللَّه خرقت كل مَا عليك ، وكانت عَلَيْهِ ثياب فِي غاية الْحَسَن تساوي جملة كثيرة فانصرف الفتى ، فَقَالَ الشبلي : طرحوا اللحم للبزاة عَلَى ذروتي عدن ثم لاموا البزاة إذ خلعوا منهم الرسن لو أرادوا صلاحنا ستروا وجهك الحسن " قال ابْن عقيل : من قَالَ هَذَا فقد أخطأ طريق الشرع ، لأنه يَقُول مَا خلق اللَّه عز وجل هَذَا الإنسان إلا للافتتان به وليس كذلك ، وإنما خلقه للاعتبار والامتحان ، فَإِن الشمس خلقت لتضئ لا لتعبد ، وبإسناد عَنْ أَحْمَد بْن مُحَمَّد النهاوندي ، يَقُول مات للشبلي ابْن ولد كان أسمه عليا فجزت أمه شعرها عَلَيْهِ ، وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلقها جميعها ، فَقِيلَ لَهُ : يا أستاذ مَا حملك عَلَى هَذَا ؟ فَقَالَ : جزت هذه شعرها عَلَى مفقود ألا أحلق أنا لحيتي عَلَى موجود ، وبإسناد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ السراج ، قَالَ : ربما كان الشبلي يلبس ثيابا مثمنة ثم ينزعها ويضعها فوق النار ، قَالَ : وذكر عنه أنه أخذ قطعة عنبر فوضعها عَلَى النار يبخر بِهَا ذنب الحمار ، وقال بعضهم : دخلت عَلَيْهِ فرأيت بين يديه اللوز والسكر يحرقه بالنار . قَالَ السراج : إنما أحرقه بالنار لأنه كان يشغله عَنْ ذكر اللَّه . قلت : اعتذار السراج عنه أعجب من فعله . قَالَ السراج : وحكى عنه أنه باع عقارا ففرق ثمنه ، وكان لَهُ عيال فلم يدفع إليهم شيئا ، وسمع قارئا يقرأ أخسئوا فيها ، فَقَالَ : ليتني كنت واحدا منهم . قلت : وهذا الرَّجُل ظن أن الذي يكلمهم هو اللَّه تعالى وَاللَّه لا يكلمهم ، ثم لو كلمهم كلام إهانة ، فأي شيء هَذَا حتى يطلب . قَالَ السراج : وقال الشبلي يوما فِي مجلسه : إن لله عبادا لو بزقوا عَلَى جهنم لأطفئوها . قلت : وهذا من جنس مَا ذكرناه عَنْ أبي يَزِيد ، وكلاهما من إناء واحد ، وبإسناد عَنْ أبي علي الدقاق ، يَقُول : بلغني أن الشبلي اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم . قَالَ المصنف رحمه اللَّه : وهذا فعل قبيح لا يحل لمسلم أن يؤذي نفسه ، وَهُوَ سبب للعمى ، ولا تجوز إدامة السهر لأن فيه إسقاط حق النفس ، والظاهر أن دوام السهر والتقلل من الطعام أخرجه إِلَى هذه الأحوال والأفعال . وبإسناد عَنْ أبي عَبْد اللَّهِ الرازي ، قَالَ : كساني رجل صوفا فرأيت عَلَى رأس الشبلي قلنوسة تليق بذلك الصوف فتمنيتها فِي نفسي ، فلما قَامَ الشبلي من مجلسه التفت إلي فتبعته ، وكان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفت إلي ، فلما دخل داره ، فَقَالَ : أنزع الصوف فنزعته فلفه ، وطرح القلنوسة عَلَيْهِ ودعى بنار فأحرقهما . قلت : وَقَدْ حكى أَبُو حامد الغزالي ، أن الشبلي أخذ خمسين دينارا فرماها فِي دجلة وقال : مَا أعزك أحد إلا أذله اللَّه وأنا أتعجب من أبي حامد أكثر من تعجبي من الشبلي ، لأنه ذكر ذلك عَلَى وجه المدح لا عَلَى وجه الإنكار ، فأين أثر الفقه . وبإسناد عَنْ حسين بْن عَبْدِ اللَّهِ القزويني ، قَالَ : حَدَّثَنِي من كان جالسا ، أنه قَالَ : تعذر علي قوتي يوما ولحقني ضرورة فرأيت قطعة ذهب مطرحة فِي الطريق ، فأردت أخذها ، فقلت : لقطة فتركتها ثم ذكرت الحديث الذي يروي لو أن الدنيا كانت دما عبيطا لكان قوت المسلم منها حلالا فأخذتها وتركتها فِي فمي ومشيت غير بعيد ، فَإِذَا أنا بحلقة فيها صبيان وأحدهم يتكلم عليهم ، فَقَالَ لَهُ واحد : متى يجد العبد حقيقة الصدق ؟ فَقَالَ : إذا رمى القطعة من الشدق فأخرجتها من فمي ورميتها . قَالَ المصنف رحمه اللَّه : لا تختلف الفقهاء إن رميه إياها لا يجوز ، والعجب أنه رماها بقول صبي لا يدري مَا قَالَ . وَقَدْ حكى أَبُو حامد الغزالي ، أن شقيقا البلخي جاء إِلَى أَبُو القاسم الزاهد ، وفي طرف كسائه شيء مصرور ، فَقَالَ لَهُ : أي شيء معك ؟ قَالَ : لوزات دفعها إلي أخ لي ، وقال : أحب أن تفطر عليها ، فَقَالَ : يا شقيق وأنت تحدث نفسك أن تبقى إِلَى الليل لا كلمتك أبدا ، فأغلق الباب فِي وجهي ودخل . قَالَ المصنف رحمه اللَّه : أنظروا إِلَى هَذَا الفقه الدقيق كيف هجر مسلما عَلَى فعل جائز بل مندوب ، لأن الإنسان مأمور أن يستعد لنفسه بما يفطر عَلَيْهِ واستعداد الشيء قبل مجيء وقته حزم ، ولذلك قَالَ اللَّه عز وجل : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ سورة الأنفال آية 60 وَقَدْ أدخر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لأزواجه قوت سنة ، وجاء عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عنه ، بنصف ماله ، وأدخر الباقي ولم ينكر عَلَيْهِ ، فالجهل بالعلم أفسد هؤلاء الزهاد . وبإسناد أَحْمَد بْن إِسْحَاقَ العماني ، قَالَ : رأيت بالهند شيخا وكان يعرف بالصابر قد أتى عَلَيْهِ مائة سنة قد غمض إحدى عينيه ، فقلت لَهُ : يا صابر مَا بلغ من صبرك ؟ قَالَ : إني هويت النظر إِلَى زينة الدنيا فلم أحب أن أشتفي منها ، فغمضت عيني منذ ثمانين سنة فلم أفتحها ، وَقَدْ حكى لنا عَنْ آخر أنه فقأ احد عينيه ، وقال : النظر إِلَى الدنيا بعينين إسراف . قلت : كان قصده أن ينظر إِلَى الدنيا بفرد عين ، ونحن نسأل اللَّه سلامة العقول ، وَقَدْ حكى يوسف بْن أيوب الهمداني عَنْ شيخه عَبْد اللَّهِ الجوني ، أنه كان يَقُول : هذه الدولة مَا أخرجتها من المحراب بل من موضع الخلاء ، وقال : كنت أخدم فِي الخلاء ، فبينما أنا يوما أكنسه وأنظفه ، قالت لي نفسي : أذهبت عمرك فِي هَذَا ، فقلت : أنت تأنفين من خدمة عباد اللَّه فوسعت رأس البئر ورميت نفسي فيها ، وجعلت أدخل النجاسة فِي فمي ، فجاءوا وأخرجوني وغسلوني . قلت : أنظروا إِلَى هَذَا المسكين كيف اعتقد جمع الأصحاب خلفه دولة ، واعتقد أن تلك الدولة إنما حصلت بإلقاء نفسه فِي النجاسة وإدخالها فِي فيه ، وَقَدْ نال بذلك فضيلة أثيب عليها بكثرة الأصحاب ، وهذا الذي فعله معصية توجب العقوبة ، وفي الجملة لما فقد هؤلاء العلم كثر تخبيطهم . وبإسناد عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيٍّ الكتاني ، يَقُول : دخل الْحُسَيْن بْن منصور مكة فِي ابتداء أمره فجهدنا حتى أخذنا مرقعته ، قَالَ السوسي : أخذنا منها قملة فوزناها ، فَإِذَا فيها نصف دانق من كثرة رياضته وشدة مجاهدته . قلت : أنظروا إِلَى هَذَا الجاهل بالنظافة التي حث عليها الشرع وأباح حلق الشعر المحظور عَلَى المحرم لأجل تأذيه من القمل وجبر الحظر بالفدية وأجهل من هَذَا من أعتقد هَذَا رياضته . وبإسناد عَنْ أبي اللَّه بْن ملقح ، يَقُول : كان عندنا فقير صوفي فِي الجامع فجاع مرة جوعا شديدا ، فَقَالَ : يا رب إما أن تطعمني إما أن ترميني بشرف المسجد ، فجاء غراب فجلس عَلَى الشرف فوقعت عَلَيْهِ من تحت رجله آجرة فجرى دمه ، وكان يمسح الدم ، ويقول : أيش تبالي بقتل العالم ؟ قلت : قتل اللَّه هَذَا ولا أحياه فِي مقابلته هَذَا الاستنباط هلا قَامَ إِلَى الكسب أَوْ إِلَى الكدية . وبإسناد عَنْ غلام خليل ، قَالَ : رأيت فقيرا يعدو ويلتفت ويقول : أشهدكم عَلَى اللَّه هوذا يقتلني وسقط ميتا .