وَبِهِ , عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ° ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ° ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ° أَنَّهُ قَالَ : آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَعَلْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ ، قَالَ : " حَسِّنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ ، مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ " . قوله : عن يحيى بن سعيد ، رواه أيضا يحيى بن بكير ، وغيره ، وإنما فيه عن مالك أنه بلغه : أن معاذ بن جبل . وقوله : في الغرز ، بغين منقوطة ، ثم راء مهملة ساكنة ، ثم زاي وهي للجمل مثل الركاب للبغل ، حكاه الأزهري مطلقا ، وحكاه الجوهري مخصوصا بأن يكون من جلد ، والله أعلم
فهذه الأحاديث الأربعة ، ذكر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الإمام . الذي تفرد في شرح الموطأ ، واستثارة علومه ، وجمع العلوم بما لم يسبق إليه سابق ، ولم يلحقه فيه لاحق ، والحافظ الذي كان الإمام أبو الوليد الباجي , يقول فيه : لم تخرج الأندلس أعلم بالحديث من أبي عمر بن عبد البر . قرأت ذلك بخط أبي الوليد ابن الدباغ ، عن شيخه الحافظ القاضي أبي علي ابن سكرة الصدفي ، عن شيخه أبي الوليد الباجي رحمهم الله وإيانا : أنها لا ذكر لها في شيء من كتب العلماء إلا في الموطأ ، ولم يروها غير مالك رضي الله عنه ولا تعرف إلا به ، ولا توجد في غير الموطأ لا مسندة ، ولا غير مسندة . ثم إنها عند ابن عبد البر متساوية في أنها لا توجد بهذا اللفظ إلا في الموطأ ، ومنقسمة عنده في مجيء معناها في غير الموطأ ، فمنها ما لم يذكر فيه أنه ورد معناه برواية تصح ، وهو الحديثان الآخران . أما حديث : إذا أنشأت بحرية ، فذكر أنه لم يرد بمعناه إلا فيما رواه الشافعي ، عن إبراهيم بن أبي يحيى ، قال : وإبراهيم متروك الحديث ولفظه : إذا أنشأت بحرية ثم استحالت شامية فهو أمطرها ولم يسنده الشافعي أيضا ، فهو منقطع عنده . وأما حديث معاذ ، فقال في كتاب التقصي : معناه صحيح مسند . ولم يذكره فيه . وَذَكَرَ فِي التَّمْهِيدِ , بِإِسْنَادِهِ , حَدِيثَ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ ° ، عَنْ مُعَاذٍ ° : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ لَهُ : " اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ " قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ , عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ° ، قَالَ : آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنْ قَالَ : " لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ " . وكأنه أراد بهذا توهين ما في الموطأ في حديث معاذ ، من أنه آخر ما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وسلم . فتحصل من هذا حكمه بأن حديث ليلة القدر ، وحديث إذا أنشأت بحرية لا يصحان أصلا ، لا بلفظهما المذكور ، ولا بمعناهما ، وأن الحديثين الآخرين لا يصحان باللفظ الوارد في الموطأ ، ويصح من معناهما القدر الذي جاء في غيرهما ، وهو أصل نسيانه صلى الله عليه وسلم ، وأصل توصية معاذ بحسن الخلق وقد حدثنا صاحبنا أبو الطاهر إسماعيل بن عبد الله الأنصاري وكان طلابة للحديث جماعة له ، قال : أخبرني الشيخ أبو محمد عبد الوهاب بن محمد بن عبد الله الصنهاجي الإسكندري بالإسكندرية ، قال : أخبرني الشيخ أبو الحسن علي بن المشرف بن المسلم الأنماطي ، إجازة ، قال : أخبرني الحافظ أبو زكريا عبد الرحيم بن أحمد البخاري ، قال : سمعت الحافظ أبا محمد عبد الغني بن سعيد بن علي الأزدي ، يقول : سمعت حمزة بن محمد الكتاني الحافظ ، يقول : كل شيء رواه مالك في الموطأ مسندا أو مرسلا ، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير جهته ، إلا حديثين : أحدهما : إني لأنسى لأسن . والآخر : إذا أنشأت بحرية . قلت : هذا يتضمن إن حديث ليلة القدر قد روي أيضا بلفظه أو بمعناه ، من غير جهة مالك ، وهو كذلك ، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى . والقول الفصل عندي في ذلك كله : ما أنا ذاكره ، وهو : أن هذه الأحاديث الأربعة لم ترد بهذا اللفظ المذكور في الموطأ ، إلا في الموطأ ، ولا ورد ما هو في معنى واحد منها بتمامه في غير الموطأ إلا حديث : إذا أنشأت بحرية . من وجه لا يثبت . والثلاثة الأخر : واحد ، وهو حديث ليلة القدر ، ورد بعض معناه من وجه غير صحيح ، واثنان منهما ، ورد بعض معناهما من وجه جيد أحدهما صحيح وهو حديث النسيان ، والآخر حسن وهو حديث وصية معاذ رضي الله عنه . وبيان ذلك : أما حديث إذا أنشأت بحرية .