11 وَقَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ ° ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ° ، أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ ° ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ° ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا ، مَا وَسِعَهُ إِلا أَنْ يَتْبَعَنِي " ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَيًّا وَلا يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُمْعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَيُجَاهِدُ مَعَهُ ؟ أَلا تَرَى أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ إِذَا نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ يُصَلِّي خَلْفَ إِمَامِ هَذِهِ الأُمَّةِ ، وَلا يَتَقَدَّمُ ، لَئَلا يَكُونُ ذَلِكَ خَدَشًا فِي نُبُوَّةِ نَبِينَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : وَمَا أَبْعَدُ فِهْمِ مَنْ يُثْبِتُ وُجُودَ الْخَضِرِ ، وَيَنْسَى مَا فِي طَيِّ إِثْبَاتِهِ مِنَ الإِعْرَاضِ عَنْ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ . أَمَّا الدَّلِيلُ مِنَ الْمَعْقُولِ : فَمِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ : الْوَجْهُ الأَوَّلُ : أَنَّ الَّذِي أَثْبَتَ حَيَاتَهُ يَقُولُ : إِنَّهُ وَلَدُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عُمْرُهُ الآنَ سِتَّةَ آلافِ سَنَةٍ ، فِيمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ يُوحَنَّا الْمُؤَرِّخِ . وَمِثْلُ هَذَا بَعِيدٌ فِي الْعَادَاتِ أَنْ يَقَعَ فِي حَقِّ الْبَشَرِ . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَلَدَهُ لِصُلْبِهِ ، أَوِ الرَّابِعَ مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ ، كَمَا زَعَمُوا ، وَإِنَّهُ كَانَ وَزِيرَ ذِي الْقَرْنَيْنِ ، فَإِنَّ تِلْكَ الْخِلْقَةَ لَيْسَتْ عَلَى خِلْقَتِنَا ، بْلُ مُفْرِطٌ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طُولُهُ سُتُونَ ذِرَاعًا ، فَلَمْ يَزَلُ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ " . وَمَا ذَكَرَ أَحَدٌ مِمَّنْ رَأَى الْخَضِرَ أَنَّهُ رَآهُ عَلَى خِلْقَةٍ عَظِيمَةٍ ، وَهُوَ مِنْ أَقْدَمِ النَّاسِ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَضِرُ قَبْلَ نُوحٍ لَرَكِبَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ ، وَلَمْ يَنْقِلْ هَذَا أَحَدٌ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ قَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ نُوحًا لَمَّا نَزَلَ مِنَ السَّفِينَةِ مَاتَ مَنْ كَانَ مَعَهُ ، ثُمَّ مَاتَ نَسْلُهُمْ ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ نَسْلِ نُوحٍ . وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ سورة الصافات آية 77 وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُوحٍ . وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ : أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ صَحِيحًا أَنَّ بَشَرًا مِنْ بَنِي آدَمَ يَعِيشُ مِنْ حِينَ يُولَدُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ ، وَمَوْلِدُهُ قَبْلَ نُوحٍ لَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمَ الآيَاتِ وَالْعَجَائِبِ ، وَكَانَ خَبَرُهُ فِي الْقُرْآنِ مَذْكُورًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، لأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمَ آيَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنْ أَحْيَاهُ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا ، وَجَعَلَهُ آيَةً ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَحْيَاهُ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا وَجَعَلَهُ آيَةً إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ ؟ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : مَا أَلْقَى هَذَا بَيْنَ النَّاسِ إِلا شَيْطَانٌ . وَالْوَجْهُ السَّادِسُ : أَنَّ الْقَوْلَ بِحَيَاةِ الْخَضِرِ قَوْلٌ عَلَى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ . وَذَلِكَ حَرَامٌ بِنَصِ الْقُرْآنِ . أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ فَظَاهِرَةٌ ، وَأَمَّا الأُولَى : فَإِنَّ حَيَاتَهُ لَوْ كَانَتْ ثَابِتَةً لَدَلَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ أَوِ السُّنَّةُ ، أَوْ إِجْمَاعُ الأُمَّةِ ، فَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى ، فَأَيْنَ فِيهِ حَيَاةُ الْخَضِرِ ؟ ، وَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَيْنَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهٍ ؟ وَهَؤُلاءِ عُلَمَاءُ الأُمَّةِ ، هَلْ أَجْمَعُوا عَلَى حَيَاتِهِ ؟ . الْوَجْهُ السَّابِعُ : أَنَّ غَايَةَ مَا يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى حَيَاتِهِ حِكَايَاتٌ مَنْقُولَةٌ ، يُخْبِرُ بِهَا أَنَّهُ رَأَى الْخَضِرَ فَلِلَّهِ الْعَجَبُ هَلْ لِلْخَضِرِ عَلامَةٌ يَعْرِفُهُ بِهَا مَنْ رَآهُ ؟ وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلاءِ يَغْتَرُّ بِقَوْلِهِ : أَنَا الْخَضِرُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لا يَجُوزُ تَصْدِيقُ قَائِلِ ذَلِكَ بِلا بُرْهَانٍ مِنَ اللَّهِ فَأَيْنَ لِلرَّائِي أَنَّ الْمُخَبِّرَ لَهُ صَادِقٌ ، وَلا يَكْذِبُ ؟ . الْوَجْهُ الثَّامِنُ : أَنَّ الْخَضِرَ فَارَقَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ كَلِيمَ الرَّحْمَنِ ، وَلَمْ يُصَاحِبْهُ وَقَالَ لَهُ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سورة الكهف آية 78 فَكَيْفَ يَرْضَى لِنَفْسِهِ بِمُفَارَقَتِهِ لِمِثْلِ مُوسَى ثُمَّ يَجْتَمِعُ بِجَهَلَةِ الْعِبَادِ الْخَارِجِينَ عَنِ الشَّرِيعَةِ ، الَّذِينَ لا يَحْضِرُونَ جُمُعَةً وَلا جَمَاعَةً ، وَلا مَجْلِسَ عِلْمٍ ، وَلا يَعْرِفُونَ شَيْئًا ؟ وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَقُولُ : قَالَ الْخَضِرُ . فَيَا عَجَبًا ! يُفَارِقُ كَلِيمَ اللَّهِ مُوسَى وَيَدُورُ عَلَى صُحْبَةِ الْجُهَّالِ وَمَنْ لا يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَوَضَّأَ ، وَلا كَيْفَ يُصَلِّي . الْوَجْهُ التَّاسِعُ : أَنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَقُولُ : أَنَا الْخَضِرُ لَوْ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : كَذَا وَكَذَا ، لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ ، وَلَمْ يَحْتَجُّ بِهِ فِي الدِّينِ . إِلا يُقَالُ : إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا بَايَعْهُ ، أَوْ يَقُولُ هَذَا الْجَاهِلُ : إِنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهِ وَفِي هَذَا مِنَ الْكُفْرِ مَا فِيهِ . الْوَجْهُ الْعَاشِرُ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَكَانَ جِهَادُهُ الْكُفَّارِ وَرِبَاطُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَمَقَامُهُ فِي الصَّفِّ سَاعَةً ، وَحُضُورُهُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَتَعْلِيمُهُ الْعِلْمِ أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ سِيَاحَتِهِ بَيْنَ الْوُحُوشِ فِي الْقِفَازِ وَالْفَلَوَاتِ وَهَلْ هَذَا إِلا مِنْ أَعْظَمَ الطَّعْنِ عَلَيْهِ ، وَالْعَيْبِ لَهُ .