← طرح التثريب للعراقي
طرح التثريب للعراقي
#1229 6 : 1922 ☰ الحديث الرابع
A− A+

1242 قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعَ الْحَدِيثَ فِي الشَّهِيدِ فَتَأَوَّلَهُ عَلَى الْعُمُومِ ، وَيَكُونُ الْمَيِّتُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِهِ هُوَ الشَّهِيدَ ، الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُزَمَّلَ بِثِيَابِهِ ، وَيُدْفَنَ فِيهَا ، وَلا يُغْسَلَ عَنْهُ دَمُهُ ، وَلا يُغَيَّرَ شَيْءٌ مِنْ حَالِهِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " إنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا ، ثُمَّ قَرَأَ : كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ سورة الأنبياء آية 104 ، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إبْرَاهِيمُ " . قَالَ : وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يُخْتَمُ لَهُ بِهِ ، وَظَاهِرُهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ . انْتَهَى

قُلْت : وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رضي الله عنه إنَّمَا نَزَعَ الثِّيَابَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ لِنَجَاسَةٍ فِيهَا إمَّا مُحَقَّقَةٌ ، وَإِمَّا مَشْكُوكَةٌ فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ بِثِيَابٍ مُحَقَّقَةِ الطَّهَارَةِ ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الأَعْمَالِ الْمَأْمُورِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا ، وَلا سِيَّمَا عِنْدَ انْخِتَامِ الْآجَالِ فَإِنَّ الإِنْسَانَ مَحْثُوثٌ عَلَى أَنْ يَخْتِمَ أَعْمَالَهُ بِالصَّالِحَاتِ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ فَإِنَّ الأَعْمَالَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لا يُزَالُ عَنْهُ الدَّمُ بِغُسْلٍ وَلا غَيْرِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلا هَذَا لَكَانَ الاسْتِدْلال بِهِ عَلَى ذَلِكَ ضَعِيفًا ، فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ غُسْلِنَا الدَّمَ إقَامَةً لِوَاجِبِ التَّطْهِيرِ وَالْغُسْلِ ذَهَابُ الْفَضْلِ الْحَاصِلِ بِالشَّهَادَةِ ، أَلا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لا لَزِمَ بِغُسْلِهِ لِبَقَاءِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجِيءُ دَمُهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الْبَدِيعَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ ، قَوْلُهُ : كُلُّ كَلْمٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَلَكِنْ قَدْ وَرَدَ الأَمْرُ بِتَرْكِ غُسْلِ دَمِ الشَّهِيدِ فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ . الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ رحمه الله هَذَا الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي بَابِ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ حَدِيثًا صَحِيحَ السَّنَدِ فِي الْمَاءِ ، فَاسْتَدَلَّ عَلَى حُكْمِ الْمَاءِ الْمَائِعِ بِحُكْمِ الدَّمِ الْمَائِعِ ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا لا يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ ، وَلا فِي الدَّمِ مَعْنَى الْمَاءِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَلا يَشْتَغِلُ الْفُقَهَاءُ بِمِثْلِ هَذَا وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ اللُّغْزُ بِهِ ، وَإِشْكَالُهُ ، وَإِنَّمَا شَأْنُهُمْ إيضَاحُهُ وَبَيَانُهُ ، وَبِهَذَا أُخِذَ الْمِيثَاقُ عَلَيْهِمْ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ، وَلا يَكْتُمُونَهُ . انْتَهَى . ثُمَّ اخْتَلَفَ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فِي كَيْفِيَّةِ الاسْتِدْلالِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ . فَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ طَائِفَةٍ : أَنَّ فِيهِ دَلِيلا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ بِنَجَاسَةٍ دُونَ لَوْنِهِ أَنَّ الْحُكْمَ لِرَائِحَتِهِ فَيَكُونُ نَجِسًا ، وَلَوْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَرَائِحَتُهُ لَمْ يَتَنَجَّسْ ، لِأَنَّ دَمَ الشَّهِيدِ لَمَّا اخْتَلَفَ لَوْنُهُ وَرَائِحَتُهُ كَانَ الْحُكْمُ لِرَائِحَتِهِ ، وَعَكَسَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الاسْتِدْلالَ ، فَقَالَ : يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَاعَى فِي الْمَاءِ تَغَيُّرُ لَوْنِهِ دُونَ رَائِحَتِهِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَمَّى هَذَا الْخَارِجَ مِنْ جُرْحِ الشَّهِيدِ دَمًا ، وَإِنْ كَانَ رِيحُهُ رِيحَ الْمِسْكِ ، وَلَمْ يُسَمِّهِ مِسْكًا فَغَلَّبَ الاسْمَ لِلَوْنِهِ عَلَى رَائِحَتِهِ ، فَكَذَلِكَ الْمَاءُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى تَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ ، قَالَ : وَهَذَا قَوْلُنَا فِيمَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ بِالْمُجَاوَرَةِ فَأَمَّا بِمَا خَالَطَهُ فَعَبْدُ الْمَلِكِ يَقُولُ لا يُعْتَدُّ بِالرَّائِحَةِ ، وَإِنَّمَا الاعْتِبَارُ بِاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَمَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنا يَعْتَبِرُونَ الرَّائِحَةَ كَاعْتِبَارِ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ . انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَظْهَرُ ، ثُمَّ إنَّ فَرْضَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ، لِأَنَّ الإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ تَغَيُّرَ أَحَدِ الأَوْصَافِ بِالنَّجَاسَةِ كَافٍ فِي تَنْجِيسِهِ ، وَقَدْ نَقَلَ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا الإِجْمَاعَ ، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي التَّغَيُّرِ بِالظَّاهِرِ ، فَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا : هُوَ كَالتَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ يَكْفِي فِيهِ أَحَدُ الأَوْصَافِ الثَّلاثَةِ ، وَفِي قَوْلٍ : يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهُمَا ، وَفِي قَوْلٍ : يَكْفِي اللَّوْنُ وَحْدَهُ . وَأَمَّا الطَّعْمُ وَالرَّائِحَةُ فَلابُدَّ مِنَ اجْتِمَاعِهِمَا ، فَكَانَ يَنْبَغِي لابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنْ يَفْرِضَ ذَلِكَ فِي التَّغَيُّرِ بِالطَّاهِرِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْخِلافِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : أَنَّ إيرَادَ الْبُخَارِيِّ رحمه الله هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلرُّخْصَةِ فِي الرَّائِحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّغْلِيظِ بِعَكْسِ الاسْتِدْلالِ بِأَنَّ الدَّمَ لَمَّا انْتَقَلَ بِطِيبِ رَائِحَتِهِ مِنْ حُكْمِ النَّجَاسَةِ إلَى الطَّهَارَةِ ، وَمِنَ الْقَذَارَةِ إلَى الطِّيبِ بِتَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ ، وَحُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْمِسْكِ ، فَكَذَلِكَ الْمَاءُ يَنْتَقِلُ عَلَى الْعَكْسِ بِخُبْثِ الرَّائِحَةِ أَوْ تَغَيُّرِ أَحَدِ أَوْصَافِهِ مِنَ الطَّهَارَةِ إلَى النَّجَاسَةِ . انْتَهَى . وَجَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ بِالاحْتِمَالِ الثَّانِي ، وَاسْتَنْبَطَ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَمَّا حُكِمَ لِلدَّمِ بِالطَّهَارَةِ بِتَغَيُّرِ رِيحِهِ إلَى الطِّيبِ ، وَبَقِيَ فِيهِ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَغَيُّرَهُمَا إلَى الطِّيبِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ إذَا تَغَيَّرَ مِنْهُ وَصْفَانِ بِالنَّجَاسَةِ وَبَقِيَ وَصْفٌ وَاحِدٌ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ ، قِيلَ : لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمْت ، لِأَنَّ رِيحَ الْمِسْكِ حُكْمٌ لِلدَّمِ بِالطَّهَارَةِ ، فَكَانَ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ تَبَعًا لِلظَّاهِرِ ، وَهُوَ الرِّيحُ الَّذِي انْقَلَبَ رِيحَ مِسْكٍ فَكَذَلِكَ الْمَاءُ إذَا تَغَيَّرَ مِنْهُ وَصْفٌ وَاحِدٌ بِنَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهِ كَانَ الْوَصْفَانِ الْبَاقِيَانِ تَبَعًا لِلنَّجَاسَةِ ، وَكَانَ الْمَاءُ بِذَلِكَ خَارِجًا عَنْ حَدِّ الطَّهَارَةِ لِخُرُوجِهِ عَنْ صِفَةِ الْمَاءِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا . انْتَهَى . الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَيَحْتَجُّ بِهِ أَيْضًا أَبُو حَنِيفَةَ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُضَافِ الْمُتَغَيِّرَةِ أَوْصَافُهُ إلَى الطِّيبِ ، وَحُجَّتُهُ بِذَلِكَ تَضْعُفُ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
أبو سعيد←الشهيد←على←هو الشهيد←ابن عباس←على←على←على
شجرة الإسناد