368 قَالَ : وَقَالَتْ عَائِشَةُ ° : لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ ، وَإِنَّهُ لَيُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ مَخَافَةَ ، أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ ، قَالَتْ : وَكَانَ يُحِبُّ مَا خَفَّ عَلَى النَّاسِ "
. لَمْ يَقُلِ الشَّيْخَانِ فِيهِ : قَالَتْ : " وَكَانَ يُحِبُّ " , وَلِمُسْلِمٍ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ " . وَلَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ : " قُلْت لِعَائِشَةَ : هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَتْ : لا , إلا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ " الْحَدِيثُ الأَوَّلُ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ، قَالَتْ : " مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ " ، قَالَ : وَقَالَتْ عَائِشَةُ : " لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتْرُكُ الْعَمَلَ ، وَإِنَّهُ لَيُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ " ، قَالَتْ : " وَكَانَ يُحِبُّ مَا خَفَّ عَلَى النَّاسِ " . لَمْ يَقُلِ الشَّيْخَانِ فِيهِ : قَالَتْ : " وَكَانَ يُحِبُّ " فِيهِ فَوَائِدُ : الأُولَى : أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ بِدُونِ قَوْلِهَا : وَكَانَ يُحِبُّ مَا خَفَّ عَلَى النَّاسِ " . وَبِزِيَادَةِ : " وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ : " مَا رَأَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا " ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقَ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَفِيهِ : " وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا أَحَبَّ إلَيَّ مِنْهُ " . الثَّانِيَةُ : التَّسْبِيحُ فِي الأَصْلِ التَّنْزِيهُ وَالتَّقْدِيسُ وَالتَّبْرِئَةُ مِنَ النَّقَائِصِ ، وَمِنْهُ : قَوْلُنَا : سُبْحَانَ اللَّهِ وَيُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ مَجَازًا كَالتَّحْمِيدِ ، وَالتَّمْجِيدِ وَغَيْرِهِمَا ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا صَلاةُ التَّطَوُّعِ ، يُقَالُ لَهَا : تَسْبِيحٌ وَسُبْحَةٌ وَالسُّبْحَةُ مِنَ التَّسْبِيحِ كَالسُّخْرَةِ مِنَ التَّسْخِيرِ ، وَتَسْمِيَةُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ بِذَلِكَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ بَعْضِهِ ، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : وَإِنَّمَا خُصَّتِ النَّافِلَةُ بِالسُّبْحَةِ وَإِنْ شَارَكَتْهَا الْفَرِيضَةُ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ ، لِأَنَّ التَّسْبِيحَاتِ فِي الْفَرَائِضِ نَوَافِلُ فَقِيلَ لِصَلاةِ النَّافِلَةِ سُبْحَةٌ ، لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ كَالتَّسْبِيحَاتِ وَالأَذْكَارِ فِي أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ . انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ اخْتِصَاصِ النَّافِلَةِ بِالسُّبْحَةِ هُوَ الأَغْلَبُ فِي الاسْتِعْمَالِ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْفَرِيضَةِ أَيْضًا ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَزِمَتِ السُّبْحَةُ صَلاةَ النَّافِلَةِ فِي الأَغْلَبِ فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ : فِي الأَغْلَبِ إلَى اسْتِعْمَالِهَا فِي الْفَرِيضَةِ نَادِرًا ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ فِي قوله تعالى : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا سورة طه آية 130 الْآيَةَ عَنْ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرَيْنِ ، أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَالَّتِي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صَلاةُ الصُّبْحِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا صَلاةُ الْعَصْرِ ، وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ الْعِشَاءُ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ الْمَغْرِبُ وَالظُّهْرُ . انْتَهَى . وَقَدْ يُقَالُ : لا يَلْزَمُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ سَبِّحْ فِي الْفَرِيضَةِ اسْتِعْمَالُ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ التَّسْبِيحُ وَاسْمُ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ السُّبْحَةُ وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الثَّالِثَةُ : سُبْحَةُ الضُّحَى صَلاةُ الضُّحَى ، وَالْمُرَادُ بِهَا الصَّلاةُ الْمَفْعُولَةُ فِي وَقْتِ الضُّحَى وَهُوَ أَوَّلُ النَّهَارِ ، وَالسُّبْحَةُ بِضَمِّ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ ، وَالضُّحَى بِضَمِّ الضَّادِ مَقْصُورٌ ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ : ضَحْوَةُ النَّهَارِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ : ثُمَّ بَعْدَهُ الضُّحَى وَهُوَ حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ مَقْصُورَةٌ تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ ، فَمَنْ أَنَّثَ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا جَمْعُ ضَحْوَةٍ ، وَمَنْ ذَكَّرَ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ اسْمٌ فِعْلٍ على مِثْلُ صُرَدٍ وَنُغَرٍ , ثُمَّ بَعْدَهُ الضَّحَاءُ مَمْدُودٌ مُذَكَّرٌ وَهُوَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ الأَعْلَى ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الضَّحْوُ وَالضَّحْوَةُ وَالضَّحِيَّةُ عَلَى مِثَالِ الْعَشِيَّةِ ارْتِفَاعُ النَّهَارِ ، وَالضُّحَى فُوَيْقُ ذَلِكَ أُنْثَى وَتَصْغِيرُهَا بِغَيْرِ هَاءٍ لِئَلا تَلْتَبِسَ بِتَصْغِيرِ ضَحْوَةٍ ، وَالضَّحَاءُ إذَا امْتَدَّ النَّهَارُ وَقَرُبَ أَنْ يَنْتَصِفَ وَقِيلَ الضُّحَى مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَرْتَفِعَ النَّهَارُ وَتَبْيَضَّ الشَّمْسُ جِدًّا ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الضَّحَاءُ إلَى قَرِيبٍ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الضَّحْوَةُ ارْتِفَاعُ أَوَّلِ النَّهَارِ وَالضُّحَى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ فَوْقَهُ وَبِهِ سُمِّيَتْ صَلاةَ الضُّحَى وَالضَّحَاءِ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ إذَا عَلَتِ الشَّمْسُ إلَى رُبْعِ السَّمَاءِ فَمَا بَعْدَهُ ، وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ : الضَّحَاءُ بِفَتْحِ الضَّادِ مَمْدُودٌ وَالضُّحَى مَقْصُورٌ ، قِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى , وَإِضْحَاءُ النَّهَارِ ضَوْءُهُ وَقِيلَ الْمَقْصُورُ الْمَضْمُومُ هُوَ أَوَّلُ ارْتِفَاعِهَا ، وَالْمَمْدُودُ حِينَ حَرِّهَا إلَى قَرِيبٍ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ ، وَقِيلَ : الْمَقْصُورُ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَالْمَمْدُودُ إذَا ارْتَفَعَتْ ، وَقِيلَ : الضَّحْوُ ارْتِفَاعُ النَّهَارِ وَالضُّحَى فَوْقَ ذَلِكَ إذَا امْتَدَّ النَّهَارُ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الضُّحَى مَقْصُورٌ مَضْمُومُ الضَّادِ طُلُوعُ الشَّمْسِ ، وَالضَّحَاءُ مَمْدُودٌ مَفْتُوحُ الضَّادِ إشْرَاقُهَا وَضِيَاؤُهَا وَبَيَاضُهَا . الرَّابِعَةُ : قَوْلُهَا رضي الله عنها : " مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ " , مُعَارَضٌ بِالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ " أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام صَلَّى الضُّحَى وَأَوْصَى بِهَا " ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ ، وَلَكِنَّ الَّذِي يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، قَالَ : قُلْت لِعَائِشَةَ : " هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَتْ : لا ، إلا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ " ، وَعَنْ مُعَاذَةَ " أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ كَمْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَتْ : أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ " وَالَّذِي ذُكِرَ فِي الْجَوَابِ ، عَنْ ذَلِكَ أَوْجُهٌ : أَحَدُهَا : تَضْعِيفُ الرِّوَايَةِ عَنْهَا بِنَفْيِ صَلاةِ الضُّحَى وَتَوْهِيمُ رَاوِيهَا أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ، فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ رِوَايَةِ مُعَاذَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : فَلَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى وَهْمِ الْحَدِيثِ ، عَنْ عَائِشَةَ : " أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُسَبِّحْ سُبْحَةَ الضُّحَى " ، إلا هَذِهِ الأَخْبَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنْهَا ، أَنَّهُ صَلاهَا فَكَيْفَ وَفِي خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْهَا ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ مَغِيبِهِ انْتَهَى . وَهُوَ ضَعِيفٌ ، لِأَنَّ حَدِيثَ النَّفْيِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَرِوَايَةِ أَعْلامٍ حُفَّاظٍ لا يَتَطَرَّقُ احْتِمَالُ الْخَلَلِ إلَيْهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثَانِيهَا : قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ : عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا رَأَيْته دَاوَمَ عَلَى سُبْحَةِ الضُّحَى وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا أَيْ أُدَاوِمُ عَلَيْهَا ، وَكَذَا قَوْلُهَا : وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا تَعْنِي الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، وَقَالَ : فِي هَذَا إثْبَاتُ فِعْلِهَا إذَا جَاءَ مِنْ مَغِيبِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ مُعَاذَةَ ، وَقَالَ : وَفِي هَذَا دَلالَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّأْوِيلِ ، قَالَ : وَقَدْ بَيَّنَتِ الْعِلَّةَ فِي تَرْكِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا ، بِقَوْلِهَا : " وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ ، أَنْ تَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ " . انْتَهَى ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلاصَةِ ، عَنِ الْعُلَمَاءِ ، فَقَالَ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهَا ، وَكَانَ يُصَلِّيهَا فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ وَيَتْرُكُهَا فِي بَعْضِهَا خَشْيَةَ ، أَنْ تُفْرَضَ وَبِهَذَا يُجْيءُ بَيْنَ الأَحَادِيثِ . انْتَهَى ، وَقَالَ وَالِدِي رحمه الله فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : حَمْلُهُ عَلَى إرَادَةِ عَدَمِ الْمُدَاوَمَةِ فِيهِ بُعْدٌ , وَقَدْ حَكَاهُ صَاحِبُ الإِكْمَالِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ وَلَمْ يَرْتَضِهِ . ثَالِثُهَا : أَنَّ قَوْلَهَا : " مَا سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى " ، أَيْ مَا رَأَيْته يُسَبِّحُهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ الَّتِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَوْلُهَا : " إنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، وَأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا إذَا جَاءَ مِنْ مَغِيبِهِ " عَلِمَتْهُ بِإِخْبَارِ غَيْرِهَا لَهَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ : وَسَبَبُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ يَكُونُ عِنْدَ عَائِشَةَ فِي وَقْتِ الضُّحَى إلا فِي نَادِرٍ مِنَ الأَوْقَاتِ ، وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُسَافِرًا ، وَقَدْ يَكُونُ حَاضِرًا وَلَكِنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَإِذَا كَانَ عِنْدَ نِسَائِهِ ، فَإِنَّمَا كَانَ لَهَا يَوْمٌ مِنْ تِسْعَةٍ فَيَصِحُّ قَوْلُهَا : مَا رَأَيْته يُصَلِّيهَا ، وَتَكُونُ قَدْ عَلِمَتْ بِخَبَرِهِ ، أَوْ خَبَرِ غَيْرِهِ ، أَنَّهُ صَلاهَا انْتَهَى . وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ فَكَيْفَ تَنْفِي صَلاتَهُ لِلضُّحَى وَتُرِيدُ نَفْيَ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ مَعَ أَنَّ عِنْدَهَا عِلْمًا مُسْتَنِدًا لِغَيْرِ الرُّؤْيَةِ ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا ؟ وَهَلْ يَكُونُ فَاعِلُ ذَلِكَ مُؤَدِّيًا لِأَمَانَةِ الشَّرِيعَةِ ، وَإِذَا كَانَتْ مَا كَتَمَتْ فِعْلَهَا وَعَقَّبَتِ النَّفْيَ بِقَوْلِهَا : " وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا " مَعَ كَوْنِ فِعْلِهَا لا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ، وَلَيْسَ أَمَانَةً يَجِبُ أَدَاؤُهَا فَكَيْف تَكْتُمُ مَا عِنْدَهَا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهَا ثُبُوتًا صَحِيحًا جَزَمَتْ بِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ ، وَتَأْتِي بِلَفْظٍ يُوهِمُ النَّفْيَ الْمُطْلَقَ ؟ إنَّ ذَلِكَ لَبَعِيدٌ مِنْ فِعْلِهَا رضي الله عنها . رَابِعُهَا : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْجَوَابَ الَّذِي قَبْلَهُ : وَالأَشْبَهُ عِنْدِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثَيْهَا ، أَنْ تَكُونَ إنَّمَا أَنْكَرَتْ صَلاةَ الضُّحَى الْمَعْهُودَةَ حِينَئِذٍ عِنْدَ النَّاسِ عَلَى الَّذِي اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْ صَلاتِهَا ثَمَانِي رَكَعَاتٍ وَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ يُصَلِّيهَا أَرْبَعًا كَمَا قَالَتْ ، ثُمَّ يَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : وَقَدْ صَحَّ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّيهَا ، وَتَقُولُ : لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهُمَا . خَامِسُهَا : أَنَّهَا أَرَادَتْ نَفْيَ إعْلانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَا سَبَقَ عَنِ الطَّبَرِيِّ فِي التَّضْعِيفِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : يُحْمَلُ قَوْلُهَا : " مَا رَأَيْته يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى " يَعْنِي : مُوَاظِبًا عَلَيْهَا وَمُعْلِنًا بِهَا ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِحَيْثُ لا يَرَاهُ النَّاسُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُغْلِقُ عَلَى نَفْسِهَا بَابًا ، ثُمَّ تُصَلِّي الضُّحَى ، وَقَالَ مَسْرُوقٌ : كُنَّا نَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَنَبْقَى بَعْدَ قِيَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، ثُمَّ نَقُومُ فَنُصَلِّي الضُّحَى فَبَلَغَ ابْنَ مَسْعُودٍ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لِمَ تُحَمِّلُوا عِبَادَ اللَّهِ مَا لَمْ يُحَمِّلْهُمُ اللَّهُ إنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ فَاعِلِينَ فَفِي بُيُوتِكُمْ ، وَكَانَ أَبُو مِجْلَزٍ يُصَلِّي الضُّحَى فِي مَنْزِلِهِ ، وَكَانَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الاسْتِتَارُ بِهَا وَتَرْكُ إظْهَارِهَا لِلْعَامَّةِ لِئَلا يَرَوْهَا وَاجِبَةً انْتَهَى . سَادِسُهَا : قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَنْكَرَتْ وَنَفَتْ ، أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَهُ اجْتِمَاعَ النَّاسِ لَهَا فِي الْمَسْجِدِ يُصَلُّونَهَا كَذَلِكَ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ عُمَرُ : إنَّهُ بِدْعَةٌ انْتَهَى ، وَحَاصِلُ هَذِهِ الأَجْوِبَةِ تَضْعِيفُ النَّفْيِ ، أَوْ حَمْلُهُ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ ، أَوْ عَلَى رُؤْيَتِهَا أَوْ عَلَى عَدَدِ الرَّكَعَاتِ ، أَوْ عَلَى إعْلانِهَا ، أَوْ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِيهَا . الْخَامِسَةُ : اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَنْكَرَ صَلاةَ الضُّحَى وَعَدَّهَا بِدْعَةً ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيّ ، قَالَ : " قُلْت لابْنِ عُمَرَ تُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَ : لا ، قُلْت : فَعُمَرُ ؟ قَالَ : لا ، قُلْت : فَأَبُو بَكْرٍ ؟ قَالَ : لا ، قُلْت : فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : لا ، إخَالُهُ " ، وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : مَا صَلَّيْت الضُّحَى مُنْذُ أَسْلَمْت إلا أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ ، وَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَلاةِ الضُّحَى ، فَقَالَ : وَلِلضُّحَى صَلاةٌ ! ! وَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا ، فَقَالَ : إنَّهَا بِدْعَةٌ ، وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ : لَمْ يُخْبِرْنِي أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ مَسْعُودٍ يُصَلِّي الضُّحَى ، وَعَنْ عَلْقَمَةَ ، أنَّهُ كَانَ لا يُصَلِّي الضُّحَى ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ لا يُصَلِّي الضُّحَى . وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ ، عَنْ صَلاةِ الضُّحَى ، فَقَالَ : الصَّلَوَاتُ خَمْسٌ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ اسْتِحْبَابُ صَلاةِ الضُّحَى وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ ، حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : إنَّهَا بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ ، وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ وَلا يَغُوصُ عَلَيْهَا الأَغْوَاصَ ، ثُمَّ قَرَأَ : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ سورة النور آية 36 ، وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهِيَ كَانَتْ صَلاةَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صلوات الله عليهم ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ، مُخْبِرًا عَنْ دَاوُد : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ سورة ص آية 18 فَأَبْقَى اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ : الْعَصْرَ صَلاةَ الْعَشِيِّ ، وَنَسَخَ صَلاةَ الإِشْرَاقِ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِعْلَ صَلاةِ الضُّحَى ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَبِي ذَرٍّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَأَبِي مِجْلَزٍ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَمَّا مَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أنَّهُ قَالَ فِي الضُّحَى : هِيَ بِدْعَةٌ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ صَلاتَهَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَالتَّظَاهُرَ بِهَا كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بِدْعَةٌ لا أَنَّ أَصْلَهَا فِي الْبُيُوتِ وَنَحْوِهَا مَذْمُومٌ ، أَوْ يُقَالُ : قَوْلُهُ : بِدْعَةٌ أَيِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ ، وَهَذَا فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَقَدْ ثَبَتَ اسْتِحْبَابُ الْمُحَافَظَةِ فِي حَقِّنَا بِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، أَوْ يُقَالُ : إنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ فِعْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الضُّحَى وَأَمْرُهُ بِهَا وَكَيْفَ كَانَ ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الضُّحَى وَإِنَّمَا نُقِلَ التَّوَقُّفُ فِيهَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ انْتَهَى . السَّادِسَةُ : الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ عَدَّ صَلاةَ الضُّحَى بِدْعَةً لا يَرَاهَا مِنَ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ بَلْ هِيَ بِدْعَةٌ مَحْمُودَةٌ ، فَإِنَّ الصَّلاةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ وَلَيْسَ فِيهَا ابْتِدَاعُ أَمْرٍ يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها النَّفْيَ بِقَوْلِهَا : وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا ، وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا ، فَقَالَ : بِدْعَةٌ وَنِعْمَتِ الْبِدْعَةُ ، وَأَنَّهُ كَانَ لا يُصَلِّيهَا ، وَإِذَا رَآهُمْ يُصَلُّونَهَا ، قَالَ : مَا أَحْسَنَ مَا أَحْدَثُوا سُبْحَتَهُمْ هَذِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ الإِجْمَاعُ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ سُنَّةٍ مَخْصُوصَةٍ ، أَوْ مِنْ عُمُومَاتِ اسْتِحْبَابِ الصَّلاةِ فَتَوَقَّفَ هَذَا الْقَائِلُ الثَّانِي فِي إثْبَاتِ هَذَا الاسْمِ الْخَاصِّ لَهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . السَّابِعَةُ : إذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ صَلاةِ الضُّحَى فَهَلِ الأَفْضَلُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا ، أَوْ فِعْلُهَا فِي وَقْتٍ وَتَرَكَهَا فِي وَقْتٍ ؟ الظَّاهِرُ الأَوَّلُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : " أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ " ،