بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الثاني
الصفحة 1208 · ص. المطبوع 323
( فَصْلٌ ) :
وَمِنْهَا خُلُوُّ الزَّوْجِ عَنْ عَيْبِ الْجَبِّ ، وَالْعُنَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الرِّضَا مِنْ الزَّوْجَةِ بِهِمَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَيْبُ الْعُنَّةِ لَا يَمْنَعُ لُزُومَ النِّكَاحِ ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ { ۝ أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ تَحْتَ رِفَاعَةَ ، فَطَلَّقَنِي آخِرَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ ، وَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَوَاَللَّهِ مَا ، وَجَدْتُ مَعَهُ إلَّا مِثْلَ الْهُدْبَةِ ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ } .
فَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ ادَّعَتْ الْعُنَّةَ عَلَى زَوْجِهَا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُثْبِتْ لَهَا الْخِيَارَ ، وَلَوْ لَمْ يَقَعْ النِّكَاحُ لَازِمًا لَا ثَبَتَ ; وَلِأَنَّ هَذَا الْعَيْبَ لَا يُوجِبُ ، فَوَاتَ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ بِيَقِينٍ ، فَلَا يُوجِبُ الْخِيَارَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعُيُوبِ بِخِلَافِ الْجَبِّ ، فَإِنَّهُ يُفَوِّتُ الْمُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ بِيَقِينٍ .
( وَلَنَا ) إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي الْعِنِّينِ أَنَّهُ يُؤَجَّلُ سَنَةً ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا ، وَإِلَّا أَخَذَتْ مِنْهُ الصَّدَاقَ كَامِلًا ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلُهُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يُؤَجَّلُ سَنَةً ، فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهَا ، وَإِلَّا فُرِّقَ 323 بَيْنَهُمَا ، وَكَانَ قَضَاؤُهُمْ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ; وَلِأَنَّ الْوَطْءَ مَرَّةً وَاحِدَةً مُسْتَحَقٌّ عَلَى الزَّوْجِ لِلْمَرْأَةِ بِالْعَقْدِ ، وَفِي إلْزَامِ الْعَقْدِ عِنْدَ تَقَرُّرِ الْعَجْزِ عَنْ الْوُصُولِ تَفْوِيتُ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا ، وَهَذَا ضَرَرٌ بِهَا ، وَظُلْمٌ فِي حَقِّهَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { ، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ لَا ضَرَرَ ، وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ } ، فَيُؤَدِّي إلَى التَّنَاقُضِ ، وَذَلِكَ مُحَالٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الزَّوْجِ الْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ التَّسْرِيجَ بِإِحْسَانٍ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } وَمَعْلُومٌ أَنَّ اسْتِيفَاءَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا مَعَ كَوْنِهَا مَحْرُومَةَ الْحَظِّ مِنْ الزَّوْجِ لَيْسَ مِنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ فِي شَيْءٍ ، فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ ، فَإِنْ سَرَّحَ بِنَفْسِهِ ، وَإِلَّا نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي التَّسْرِيحِ ; وَلِأَنَّ الْمَهْرَ عِوَضٌ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ ، وَالْعَجْزُ عَنْ الْوُصُولِ يُوجِبُ عَيْبًا فِي الْعِوَضِ ; لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ تَأَكُّدِهِ بِيَقِينٍ لِجَوَازِ أَنْ يَخْتَصِمَا إلَى قَاضٍ لَا يَرَى تَأَكُّدَ الْمَهْرِ بِالْخَلْوَةِ ، فَيُطَلِّقُهَا ، وَيُعْطِيهَا نِصْفَ الْمَهْرِ ، فَيَتَمَكَّنُ فِي الْمَهْرِ عَيْبٌ ، وَهُوَ عَدَمُ التَّأَكُّدِ بِيَقِينٍ ، وَالْعَيْبُ فِي الْعِوَضِ يُوجِبُ الْخِيَارَ كَمَا فِي الْبَيْعِ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْمَقَالَةَ مِنْهَا لَمْ تَكُنْ دَعْوَى الْعُنَّةِ بَلْ كَانَتْ كِنَايَةً عَنْ مَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ دِقَّةُ الْقَضِيبِ ، وَالِاعْتِبَارُ بِسَائِرِ الْعُيُوبُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ فَوَاتَ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ لِمَا نَذْكُرُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهَذَا يُوجِبُ ظَاهِرًا وَغَالِبًا ; لِأَنَّ الْعَجْزَ يَتَقَرَّرُ بِعَدَمِ الْوُصُولِ فِي مُدَّةِ السَّنَةِ ظَاهِرًا ، فَيَفُوتُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ ظَاهِرًا ، فَبَطَلَ الِاعْتِبَارُ ، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا ، فَإِذَا رَفَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا ، وَادَّعَتْ أَنَّهُ عِنِّينٌ ، وَطَلَبَتْ الْفُرْقَةَ ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُهُ هَلْ وَصَلَ إلَيْهَا أَوْ لَمْ يَصِلْ ؟ فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ أَجَّلَهُ سَنَةً سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا ، وَإِنْ أَنْكَرَ ، وَادَّعَى الْوُصُولَ إلَيْهَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ ثَيِّبًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهَا ; لِأَنَّ الثِّيَابَةَ دَلِيلُ الْوُصُولِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَالْمَانِعُ مِنْ الْوُصُولِ مِنْ جِهَتِهِ عَارِضٌ إذْ الْأَصْلُ هُوَ السَّلَامَةُ عَنْ الْعَيْبِ ، فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ ، وَإِنْ قَالَتْ أَنَا بِكْرٌ نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ وَامْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِي ; لِأَنَّ الْبَكَارَةَ بَابٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ بِانْفِرَادِهِنَّ فِي هَذَا الْبَابِ مَقْبُولَةٌ لِلضَّرُورَةِ ، وَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْوَاحِدَةِ كَشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ ; وَلِأَنَّ الْأَصْلَ حُرْمَةُ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ ، وَهُوَ الْعَزِيمَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } ، وَحَقُّ الرُّخْصَةِ يَصِيرُ مَقْضِيًّا بِالْوَاحِدَةِ ; وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا قُبِلَ قَوْلُ النِّسَاءِ فِيهِ بِانْفِرَادِهِنَّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَرِوَايَةِ الْإِخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالثِّنْتَانِ أَوْثَقُ ; لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِخَبَرِ الْعَدَدِ أَقْوَى ، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ لِمَا قُلْنَا ، وَإِنْ قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا .
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ; لِأَنَّ الْبَكَارَةَ فِيهَا أَصْلٌ ، وَقَدْ تَفُوتُ شَهَادَتُهُنَّ بِشَهَادَةِ الْأَصْلِ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا إمَّا بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِظُهُورِ الْبَكَارَةِ أَجَّلَهُ الْقَاضِي حَوْلًا ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ عُنَّتُهُ ، وَالْعِنِّينُ يُؤَجَّلُ سَنَةً لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ ; وَلِأَنَّ عَدَمَ الْوُصُولِ قَبْلَ التَّأْجِيلِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَجْزِ عَنْ الْوُصُولِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبُغْضِهِ إيَّاهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوُصُولِ ، فَيُؤَجَّلُ حَتَّى لَوْ كَانَ عَدَمُ الْوُصُولِ لِلْبُغْضِ يَطَؤُهَا فِي الْمُدَّةِ ظَاهِرًا ، وَغَالِبًا دَفْعًا لِلْعَارِ ، وَالشَّيْنِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ يُعْلَمُ أَنَّ عَدَمَ الْوُصُولِ كَانَ لِلْعَجْزِ .
وَأَمَّا التَّأْجِيلُ سَنَةً ; فَلِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الْوُصُولِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِلْقَةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ دَاءٍ أَوْ طَبِيعَةٍ غَالِبَةٍ مِنْ الْحَرَارَةِ أَوْ الْبُرُودَةِ أَوْ الرُّطُوبَةِ أَوْ الْيُبُوسَةِ ، وَالسَّنَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ ، وَالْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ ، فَيُؤَجَّلُ سَنَةً لِمَا عَسَى أَنْ يُوَافِقَهُ بَعْضُ فُصُولِ السَّنَةِ ، فَيَزُولَ الْمَانِعُ ، وَيَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ قَالَ : يُؤَجَّلُ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ أَجَّلُوا الْعِنِّينَ سَنَةً ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ أَوْ تَابِعِيٌّ ، فَلَا يَقْدَحُ خِلَافُهُ فِي الْإِجْمَاعِ مَعَ الِاحْتِمَالِ ; وَلِأَنَّ التَّأْجِيلَ سَنَةً لِرَجَاءِ الْوُصُولِ فِي الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ ، وَلَا تَكْمُلُ الْفُصُولُ إلَّا فِي سَنَةٍ تَامَّةٍ ، ثُمَّ يُؤَجَّلُ سَنَةً شَمْسِيَّةً بِالْأَيَّامِ أَوْ قَمَرِيَّةً بِالْأَهِلَّةِ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُؤَجَّلُ سَنَةً قَمَرِيَّةً بِالْأَهِلَّةِ قَالَ : وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُؤَجَّلُ سَنَةً شَمْسِيَّةً ، وَحَكَى الْكَرْخِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ قَالُوا يُؤَجَّلُ سَنَةً شَمْسِيَّةً ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ ( وَجْهُ ) هَذَا الْقَوْلِ ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْفُصُولَ الْأَرْبَعَةَ لَا تَكْمُلُ إلَّا بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ ; لِأَنَّهَا تَزِيدُ عَلَى الْقَمَرِيَّةِ 324 بِأَيَّامٍ ، فَيُحْتَمَلُ زَوَالُ الْعَارِضِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الشَّمْسِيَّةِ ، وَالْقَمَرِيَّةِ ، فَكَانَ التَّأْجِيلُ بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ أَوْلَى ، وَلِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِفَضْلِهِ ، وَرَحْمَتِهِ الْهِلَالَ مُعَرِّفًا لِلْخَلْقِ الْأَجَلَ وَالْأَوْقَاتَ وَالْمُدَدَ وَمُعَرِّفًا وَقْتَ الْحَجِّ ; لِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ بِالْأَيَّامِ لَاشْتَدَّ حِسَابُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَلَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ السِّنِينَ وَالشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فِي الْمَوْسِمِ .
وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ { ۝ أَلَا إنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى ، وَشَعْبَانَ ثَلَاثَةٌ سَرْدٌ ، وَوَاحِدٌ فَرْدٌ } ، وَالشَّهْرُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْهِلَالِ يُقَالُ رَأَيْتُ الشَّهْرَ أَيْ : رَأَيْتُ الْهِلَالَ ، وَقِيلَ : سُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ ، وَالشُّهْرَةُ لِلْهِلَالِ ، فَكَانَ تَأْجِيلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْعِنِّينَ سَنَةً ، وَالسَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، وَالشَّهْرُ اسْمٌ لِلْهِلَالِ تَأْجِيلًا لِلْهِلَالِيَّةِ ، وَهِيَ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ ضَرُورَةً ، وَأَوَّلُ السَّنَةِ حِينَ يَتَرَافَعَانِ ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَى الزَّوْجِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى شُرَيْحٍ أَنْ يُؤَجِّلَ الْعِنِّينَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ يَرْتَفِعُ إلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ عَدَمَ الْوُصُولِ قَبْلَ التَّأْجِيلِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَجْزِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكَرَاهَتِهِ إيَّاهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوُصُولِ ، فَإِذَا أَجَّلَهُ الْحَاكِمُ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَنْ وَطْئِهَا إلَّا لِعَجْزِهِ خَشْيَةَ الْعَارِ وَالشَّيْنِ فَإِذَا أُجِّلَ سَنَةً ، فَشَهْرُ رَمَضَانَ وَأَيَّامُ الْحَيْضِ تُحْسَبُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُجْعَلُ لَهُ مَكَانُهَا ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجَّلُوا الْعِنِّينَ سَنَةً وَاحِدَةً مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ السَّنَةَ لَا تَخْلُو عَنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَمِنْ زَمَانِ الْحَيْضِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَحْسُوبًا مِنْ الْمُدَّةِ ; لَأَجَّلُوا زِيَادَةً عَلَى السَّنَةِ .
وَلَوْ مَرِضَ الزَّوْجُ فِي الْمُدَّةِ مَرَضًا لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الْجِمَاعَ أَوْ مَرِضَتْ هِيَ ، فَإِنْ اسْتَوْعَبَ الْمَرَضُ السَّنَةَ كُلَّهَا يُسْتَأْنَفُ لَهُ سَنَةٌ أُخْرَى ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَرَضَ إنْ كَانَ نِصْفَ شَهْرٍ أَوْ أَقَلَّ اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ شَهْرٍ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَيَّامِ ، وَجُعِلَ لَهُ مَكَانَهَا ، وَكَذَلِكَ الْغَيْبَةُ ، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْهُ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ إذَا صَحَّ فِي السَّنَةِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ صَحَّتْ هِيَ اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِالسَّنَةِ ، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَرَضَ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ شَهْرًا فَصَاعِدًا لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِأَيَّامِ الْمَرَضِ ، وَيُجْعَلُ لَهُ مَكَانُهَا ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ قَلِيلَ الْمَرَضِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو عَنْ ذَلِكَ عَادَةً ، وَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْكَثِيرِ ، فَجَعَلَ أَبُو يُوسُفَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ نِصْفَ الشَّهْرِ ، وَمَا دُونَهُ قَلِيلًا ، وَالْأَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ كَثِيرًا اسْتِدْلَالًا بِشَهْرِ رَمَضَانَ ، فَإِنَّهُ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ فِي اللَّيَالِي دُونَ النَّهَارِ ، وَاللَّيَالِي دُونَ النَّهَارِ تَكُونُ نِصْفَ شَهْرٍ وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ إذَا كَانَ نِصْفَ شَهْرٍ ، فَمَا دُونَهُ يُعْتَدُّ بِهِ ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال يُوجِبُ الِاعْتِدَادَ بِالنِّصْفِ ، فَمَا دُونَهُ إمَّا لَا يَنْفِي الِاعْتِدَادَ بِمَا فَوْقَهُ ، وَإِمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَنَقُولُ أَنَّهُ لَمَّا صَحَّ زَمَانًا يُمْكِنُ الْوَطْءُ فِيهِ ، فَإِذَا لَمْ يَطَأْهَا ، فَالتَّقْصِيرُ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ صَحَّ جَمِيعَ السَّنَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا مَرِضَ جَمِيعَ السَّنَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ زَمَانًا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْوَطْءِ فِيهِ ، فَتَعَذَّرَ الِاعْتِدَادُ بِالسَّنَةِ فِي حَقِّهِ ، وَمُحَمَّدٌ جَعَلَ مَا دُونَ الشَّهْرِ قَلِيلًا ، وَالشَّهْرَ فَصَاعِدًا كَثِيرًا ; لِأَنَّ الشَّهْرَ أَدْنَى الْآجِلِ ، وَأَقْصَى الْعَاجِلِ ، فَكَانَ فِي حُكْمِ الْكَثِيرِ ، وَمَا دُونَهُ فِي حُكْمِ الْقَلِيلِ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنْ حَجَّتْ الْمَرْأَةُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بَعْدَ التَّأْجِيلِ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَى الزَّوْجِ مُدَّةَ الْحَجِّ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهَا مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ شَرْعًا ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْوَطْءِ فِيهَا شَرْعًا ، وَإِنْ حَجَّ الزَّوْجُ اُحْتُسِبَتْ الْمُدَّةُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُخْرِجَهَا مَعَ نَفْسِهِ أَوْ يُؤَخِّرَ الْحَجَّ ; لِأَنَّ جَمِيعَ الْعُمُرِ وَقْتُهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : إنْ خَاصَمَتْهُ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ يُؤَجَّلُ سَنَةً بَعْدَ الْإِحْلَالِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْوَطْءِ شَرْعًا مَعَ الْإِحْرَامِ ، فَتُبْتَدَأُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتٍ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ فِيهِ شَرْعًا ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الْإِحْلَالِ ، وَإِنْ خَاصَمَتْهُ ، وَهُوَ مُظَاهِرٌ ، فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْإِعْتَاقِ أُجِّلَ سَنَةً مِنْ حِينِ الْخُصُومَةِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْإِعْتَاقِ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْوَطْءِ بِتَقْدِيمِ الْإِعْتَاقِ كَالْمُحْدِثِ قَادِرٌ عَلَى الصَّلَاةِ بِتَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أُجِّلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ صَوْمِ شَهْرَيْنِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ فِيهِمَا ، فَلَا يُعْتَدُّ بِهِمَا مِنْ الْأَجَلِ ، ثُمَّ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بَعْدَهُمَا ، فَإِنْ أُجِّلَ سَنَةً ، وَلَيْسَ بِمُظَاهِرٍ ، ثُمَّ ظَاهَرَ فِي السَّنَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْمُدَّةِ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ الظِّهَارِ ، فَلَمَّا ظَاهَرَ ، فَقَدْ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ 325 الْوَطْءِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُ حَقِّ الْمَرْأَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةُ الْعِنِّينِ رَتْقَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ ; لَا يُؤَجَّلُ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَرْأَةِ فِي الْوَطْءِ لِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنْ الْوَطْءِ ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّأْجِيلِ ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا لَا يُجَامِعُ مِثْلُهُ ، وَالْمَرْأَةُ كَبِيرَةٌ ، وَلَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ ، فَطَالَبَتْ بِالتَّأْجِيلِ لَا يُؤَجَّلُ بَلْ يُنْتَظَرُ إلَى أَنْ يُدْرِكَ ، فَإِذَا أَدْرَكَ يُؤَجَّلُ سَنَةً ; لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُجَامِعُ لَا يُفِيدُ التَّأْجِيلُ ، وَلِأَنَّ حُكْمَ التَّأْجِيلِ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ هُوَ ثُبُوتُ خِيَارِ الْفُرْقَةِ ، وَفُرْقَةُ الْعِنِّينِ طَلَاقٌ ، وَالصَّبِيُّ لَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ ; وَلِأَنَّ لِلصَّبِيِّ زَمَانًا يُوجَدُ مِنْهُ الْوَطْءُ فِيهِ ظَاهِرًا وَغَالِبًا ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ ، فَلَا يُؤَجَّلُ لِلْحَالِ ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيرًا مَجْنُونًا ، فَوَجَدَتْهُ عِنِّينًا قَالُوا : إنَّهُ لَا يُؤَجَّلُ كَذَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ ; لِأَنَّ التَّأْجِيلَ لِلتَّفْرِيقِ عِنْدَ عَدَمِ الدُّخُولِ ، وَفُرْقَةُ الْعِنِّينِ طَلَاقٌ ، وَالْمَجْنُونُ لَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يُنْتَظَرُ حَوْلًا ، وَلَا يُنْتَظَرُ إلَى إفَاقَتِهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ ; لِأَنَّ الصِّغَرَ مَانِعٌ مِنْ الْوُصُولِ ، فَيُسْتَأْنَى إلَى أَنْ يَزُولَ الصِّغَرُ ، ثُمَّ يُؤَجَّلُ سَنَةً .
فَأَمَّا الْجُنُونُ ، فَلَا يَمْنَعُ الْوُصُولَ ; لِأَنَّ الْمَجْنُونَ يُجَامِعُ ، فَيُؤَجَّلُ لِلْحَالِ ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ لَا يُؤَجَّلُ أَصْلًا لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِذَا مَضَى أَجَلُ الْعِنِّينِ ، فَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يُؤَجِّلَهُ سَنَةً أُخْرَى لَمْ يَفْعَلْ إلَّا بِرِضَا الْمَرْأَةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهَا حَقُّ التَّفْرِيقِ ، وَفِي التَّأْجِيلِ تَأْخِيرُ حَقِّهَا ، فَلَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا ، ثُمَّ إذَا أُجِّلَ الْعِنِّينُ سَنَةً ، وَتَمَّتْ الْمُدَّةُ ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَدْ ، وَصَلَ إلَيْهَا ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ ، وَلَا خِيَارَ لَهَا ، وَإِنْ اخْتَلَفَا ، وَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا ، وَادَّعَى الزَّوْجُ الْوُصُولَ ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ ثَيِّبًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِمَا قُلْنَا ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ ، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، وَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ ; فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ وَقَعَ لِلنِّسَاءِ شَكٌّ فِي أَمْرِهَا ، فَإِنَّهَا تُمْتَحَنُ ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي طَرِيقِ الِامْتِحَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ : تُؤْمَرُ بِأَنْ تَبُولَ عَلَى الْجِدَارِ ، فَإِنْ أَمْكَنَهَا بِأَنْ تَرْمِيَ بِبَوْلِهَا عَلَى الْجِدَارِ ، فَهِيَ بِكْرٌ ، وَإِلَّا فَهِيَ ثَيِّبٌ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تُمْتَحَنُ بِبَيْضَةِ الدِّيكِ ، فَإِنْ وَسِعَتْ فِيهَا ، فَهِيَ ثَيِّبٌ ، وَإِنْ لَمْ تَسَعْ فِيهَا ، فَهِيَ بِكْرٌ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا إمَّا بِاعْتِرَافِهِ ، وَإِمَّا بِظُهُورِ الْبَكَارَةِ ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُخَيِّرُهَا ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ خَيَّرُوا امْرَأَةَ الْعِنِّينِ ، وَلَنَا فِيهِمْ قُدْوَةٌ ، فَإِنْ شَاءَتْ اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ ، وَإِنْ شَاءَتْ اخْتَارَتْ الزَّوْجَ إذَا اُسْتُجْمِعَتْ شَرَائِطُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ ، فَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي الْخِيَارِ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ شَرَائِطِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْخِيَارِ ، وَفِي بَيَانِ مَا يُبْطِلُهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث