بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الثالث
page 1330 · printed p. 76
( فَصْلٌ ) :
وَأَمَّا الْحَلِفُ عَلَى أَخْذِ الْحَقِّ وَقَبْضِهِ وَقَضَائِهِ وَاقْتِضَائِهِ إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ لَيَأْخُذَن مِنْ فُلَانٍ حَقَّهُ أَوْ لَيَقْبِضَن مِنْ فُلَانٍ حَقَّهُ فَأَخَذَ مِنْهُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ وَكِيلُهُ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ ضَامِنٍ عَنْهُ أَوْ مُحْتَالٍ عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْمَطْلُوبِ بَرَّ لِأَنَّ حُقُوقَ الْقَضَاءِ لَا تَرْجِعُ إلَى الْفَاعِلِ فَتَرْجِعُ إلَى الْآمِرِ فَكَأَنَّ قَبْضَ وَكِيلِ الطَّالِبِ قَبْضُهُ مَعْنًى وَكَذَا الْقَبْضُ مِنْ وَكِيلِ الْمَطْلُوبِ أَوْ كَفِيلِهِ أَوْ الْمُحْتَالِ بِأَمْرِهِ عَلَيْهِ قَبْضًا مِنْهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَلَوْ قَبَضَ مِنْ رَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَطْلُوبِ أَوْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ أَوْ الْحَوَالَةُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ وَلَمْ يَبَرَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ مِنْ الْمَطْلُوبِ حَقَّهُ حَقِيقَةً فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إلَّا أَنَّهُ جُعِلَ قَابِضًا عَنْهُ مَعْنًى فِي مَوْضِعِ الْآمِرِ وَجُعِلَ الْقَبْضُ مِنْ الْغَيْرِ كَالْقَبْضِ مِنْهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ لَمْ تَكُنْ إضَافَتُهُ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى الدَّافِعِ إلَيْهِ بِمَا أَعْطَاهُ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ قَبْضُ حَقِّهِ فَلَمْ يَبَرَّ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْحَالِفُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ فَحَلَفَ لَيَقْضِيَن فُلَانًا حَقَّهُ أَوْ لَيُعْطِيَن فَأَعْطَاهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِرَسُولٍ أَوْ بِإِحَالَةٍ أَوْ أَمْرِ مَنْ ضَمِنَهُ لَهُ فَأَخَذَهُ الطَّالِبُ بَرَّ الْحَالِفُ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّ حُقُوقَ الْقَضَاءِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْفَاعِلِ فَتَتَعَلَّقُ بِالْآمِرِ .
فَكَانَ هُوَ الْقَاضِيَ وَالْمُعْطِيَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ حَنِثَ الْحَالِفُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ حَقَّهُ وَلَا أَعْطَاهُ أَصْلًا وَرَأْسًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ الدَّافِعُ إلَيْهِ وَإِنْ قَالَ الْحَالِفُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَرَدْت أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِنَفْسِي كَانَ كَمَا قَالَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ حَنِثَ لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ حَلَفَ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ فَأَعْطَاهُ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ حَنِثَ فَإِنْ قَالَ إنَّمَا أَرَدْت أَنْ لَا أُعْطِيَهُ أَنَا بِنَفْسِي لَمْ يُدَيَّنْ فِي الْقَضَاءِ وَدُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْعَطَاءَ بِفِعْلِهِ وَبِفِعْلِ غَيْرِهِ سَوَاءٌ فِي الْقَصْدِ فَتَنَاوَلَهُ الْيَمِينُ فَإِذَا نَوَى أَنْ لَا يُعْطِيَهُ بِنَفْسِهِ 76 فَقَدْ نَوَى خِلَافَ الظَّاهِرِ وَأَرَادَ التَّخْفِيفَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ وَلَوْ أَخَذَ بِهِ ثَوْبًا أَوْ عَرَضًا فَقَبَضَ الْعَرْضَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ لِلْمَالِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِأَخْذِ الْعِوَضِ كَمَا يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِأَخْذِ نَفْسِ الْحَقِّ وَلَوْ حَلَفَ الطَّالِبُ لَيَأْخُذَن مَالَهُ مِنْهُ أَوْ لَيَقْضِيَنه أَوْ لَيَسْتَوْفِيَنه وَلَمْ يُوَقِّتْ وَقْتًا فَأَبْرَأَهُ مِنْ الْمَالِ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَيْسَ بِقَبْضٍ وَلَا اسْتِيفَاءٍ فَفَاتَ شَرْطُ الْبِرِّ فَحَنِثَ وَلَوْ كَانَ وَقَّتَ وَقْتًا فَقَالَ الْيَوْمَ أَوْ إلَى كَذَا وَكَذَا فَأَبْرَأَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ إذَا جَاوَزَ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْنَثُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْمُوَقَّتَةَ يَتَعَلَّقُ انْعِقَادُهَا بِآخِرِ الْوَقْتِ عِنْدَهُمَا فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ لَأَقْبِضَنَّ مِنْهُ دَيْنِي وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ عِنْدَهُمَا وَتَنْعَقِدُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَيَحْنَثُ .
أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ إذَا حَلَفَ لَيَشْرَبَن الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ فَأُهْرِيقَ الْمَاءُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْيَوْمِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ قَبَضَ الدَّيْنَ فَوَجَدَهُ زُيُوفًا أَوْ نَبَهْرَجَةً فَهُوَ قَبْضٌ وَبَرَّ فِي يَمِينِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ عَلَى الْقَبْضِ أَوْ عَلَى الدَّفْعِ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهُمَا فِي ثَمَنِ الصَّرْفِ فَوَقَعَ بِهِمَا الِاقْتِضَاءُ وَإِنْ كَانَتْ سَتُّوقَةً فَلَيْسَ هَذَا بِقَبْضٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ التَّجَوُّزُ بِهَا فِي ثَمَنِ الصَّرْفِ وَكَذَلِكَ لَوْ رَدَّ الثَّوْبَ الَّذِي أَخَذَ عَنْ الدَّيْنِ بِعَيْبٍ أَوْ اُسْتُحِقَّ كَانَ قَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ وَكَانَ هَذَا قَبْضًا لِأَنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ وَكَذَا الْمُسْتَحَقُّ يَصِحُّ قَبْضُهُ ثُمَّ يَبْطُلُ لِعَدَمِ الْإِجَازَةِ فَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْحِنْثُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ قَالُوا إذَا اشْتَرَى بِدَيْنِهِ بَيْعًا فَاسِدًا وَقَبَضَهُ فَإِنْ كَانَ فِي قِيمَتِهِ وَفَاءٌ بِالْحَقِّ فَهُوَ قَابِضٌ لِدَيْنِهِ وَلَا يَحْنَثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ حَنِثَ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ الْقِيمَةُ لَا الْمُسَمَّى وَلَوْ غَصَبَ الْحَالِفُ مَالًا مِثْلَ دَيْنِهِ بَرَّ لِأَنَّهُ وَقَعَ الِاقْتِضَاءُ بِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَهْلَكَ لَهُ دَنَانِيرَ أَوْ عُرُوضًا لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ فَيَصِيرُ قِصَاصًا .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ إذَا قَالَ إنْ لَمْ أَتَّزِنْ مِنْ فُلَانٍ مَا لِي عَلَيْهِ أَوْ لَمْ أَقْبِضْ مَا لِي عَلَيْهِ فِي كِيسٍ أَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَقْبِضْ مَا لِي عَلَيْك دَرَاهِمَ أَوْ بِالْمِيزَانِ أَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَقْبِضْ دَرَاهِمَ قَضَاءً مِنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي لِي عَلَيْك فَأَخَذَ بِذَلِكَ عَرَضًا أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُوزَنُ مِنْ الزَّعْفَرَانِ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ حَانِثٌ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْوَزْنَ وَالْكِيسَ وَالدَّرَاهِمَ فَقَدْ وَقَعَتْ يَمِينُهُ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ فَإِذَا أَخَذَ عِوَضًا عَنْهُ حَنِثَ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith