بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الخامس
page 2176 · printed p. 102
( وَأَمَّا ) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مِقْدَارِ مَا يُطْعَمُ فَالْمِقْدَارُ فِي التَّمْلِيكِ هُوَ نِصْفُ صَاعٍ 102 مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ كَذَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَسَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ ، وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ بَلَغَنَا عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِيَرْفَأَ مَوْلَاهُ : إنِّي أَحْلِفُ عَلَى قَوْمٍ لَا أُعْطِيهِمْ ثُمَّ يَبْدُو لِي فَأُعْطِيهِمْ ، فَإِذَا أَنَا فَعَلْت ذَلِكَ فَأُطَّ عَمْ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، وَبَلَغَنَا عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ : إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَمِنْ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ : لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ ، وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ .
وَالتَّرْجِيحُ لِقَوْلِ سَيِّدِنَا عُمَرَ وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَسَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى عَزَّ اسْمُهُ - : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } ، وَالْمُدُّ لَيْسَ مِنْ الْأَوْسَطِ بَلْ أَوْسَطُ طَعَامِ الْأَهْلِ يَزِيدُ عَلَى الْمُدِّ فِي الْغَالِبِ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِقُوتِ مِسْكِينٍ لِيَوْمٍ فَلَا تَنْقُصُ عَنْ نِصْفِ صَاعٍ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْأَذَى ، فَإِنْ أَعْطَى عَشَرَةَ مَسَاكِينَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِمْ مُدًّا مُدًّا ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ اسْتَقْبَلَ الطَّعَامَ لِأَنَّ الْمِقْدَارَ أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ فِي التَّمْلِيكِ مُدًّا فَلَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَجُوزُ فِي التَّمْلِيكِ الدَّقِيقُ وَالسَّوِيقُ ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ تَمَامُ الْكَيْلِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقِيمَةُ كَالْحِنْطَةِ لِأَنَّهُ حِنْطَةٌ إلَّا أَنَّهُ فُرِّقَتْ أَجْزَاؤُهَا بِالطَّحْنِ .
وَهَذَا التَّفْرِيقُ تَقْرِيبٌ إلَى الْمَقْصُودِ مِنْهَا فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْقِيمَةُ ، وَيُعْتَبَرُ فِي تَمْلِيكِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ تَمَامُ الْكَيْلِ وَلَا يَقُومُ الْبَعْضُ مَقَامَ بَعْضٍ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ كَيْلِهِ حَتَّى لَوْ أَعْطَى نِصْفَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَيَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ غَيْرِهِ فَأَمَّا الْأَرُزُّ وَالذُّرَةُ وَالْجَارُوسُ فَلَا يَقُومُ مَقَامَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فِي الْكَيْلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا جَوَازُهُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَهَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا عُيِّنَّ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith