بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الخامس
الصفحة 2448
( وَمِنْهَا ) أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا عِنْدَنَا حَتَّى لَا يَجُوزَ السَّلَمُ فِي الْحَالِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ ، وَسَلَمُ الْحَالِ جَائِزٌ .
( وَجْهُ ) قَوْلِهِ : أَنَّ الْأَجَلَ شُرِعَ نَظَرًا لَلْمُسْلَمِ إلَيْهِ تَمْكِينًا لَهُ مِنْ الِاكْتِسَابِ فَلَا يَكُونُ لَازِمًا كَمَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ .
( وَلَنَا ) مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { ۝ مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } أَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُرَاعَاةَ الْأَجَلِ فِي السَّلَمِ كَمَا أَوْجَبَ مُرَاعَاةَ الْقَدْرِ فِيهِ فَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ شَرْطًا فِيهِ كَالْقَدْرِ ; وَلِأَنَّ السَّلَمَ حَالًا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ ; لِأَنَّ السَّلَمَ بَيْعُ الْمَفَالِيسِ ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ عَاجِزًا عَنْ تَسْلِيمِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَرَبُّ السَّلَمِ يُطَالِبُ بِالتَّسْلِيمِ فَيَتَنَازَعَانِ عَلَى وَجْهٍ تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى الْفَسْخِ ، وَفِيهِ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِرَبِّ السَّلَمِ ; لِأَنَّهُ سَلَّمَ رَأْسَ الْمَالِ إلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَصَرَفَهُ فِي حَاجَتِهِ فَلَا يَصِلُ إلَى الْمُسْلَمِ فِيهِ وَلَا إلَى رَأْسِ الْمَالِ فَشُرِطَ الْأَجَلُ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْمُطَالَبَةَ إلَّا بَعْدَ حَلِّ الْأَجَلِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ ظَاهِرًا فَلَا يُؤَدِّي إلَى الْمُنَازَعَةِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الْفَسْخِ وَالْإِضْرَارِ بِرَبِّ السَّلَمِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا رُخْصَةً لِكَوْنِهِ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ } فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا رُخْصَةً وَأَنَّ السَّلَمَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .
وَالرُّخْصَةُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَا يُغَيِّرُ عَنْ الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ بِعَارِضِ عُذْرٍ إلَى تَخْفِيفٍ وَيُسْرٍ كَرُخْصَةِ تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ بِالْإِكْرَاهِ وَالْمَخْمَصَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالتَّرَخُّصُ فِي السَّلَمِ هُوَ تَغْيِيرُ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ ، وَهُوَ حُرْمَةُ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ إلَى الْحَلِّ بِعَارِضٍ عُذْرًا لِعَدَمِ ضَرُورَةِ الْإِفْلَاسِ ، فَحَالَةُ الْوُجُودِ وَالْقُدْرَةِ لَا يَلْحَقُهَا اسْمُ قُدْرَةِ الرُّخْصَةِ فَيَبْقَى الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى الْعَزِيمَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَكَانَتْ حُرْمَةُ السَّلَمِ الْحَالِ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ مُسْتَفَادَةً مِنْ النَّصِّ ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ السَّلَمُ مِنْ الْقَادِرِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لِلْحَالِ ، إلَّا أَنَّهُ صَارَ مَخْصُوصًا عَنْ النَّهْيِ الْعَامِّ فَأُلْحِقَ بِالْعَاجِزِ عَنْ التَّسْلِيمِ لِلْحَالِ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَإِلْحَاقِ النَّادِرِ بِالْعَدَمِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث