بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء السادس
( وَأَمَّا ) الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمُضَارِبُ بِالْعَمَلِ فَاَلَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِعَمَلِهِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ شَيْئَانِ ، أَحَدُهُمَا : النَّفَقَةُ وَالْكَلَامُ فِي النَّفَقَةِ فِي مَوَاضِعَ فِي وُجُوبِهَا ، وَفِي شَرْطِ الْوُجُوبِ ، وَفِيمَا فِيهِ النَّفَقَةُ ، وَفِي تَفْسِيرِ النَّفَقَةِ وَفِي قَدْرِهَا وَفِيمَا تُحْتَسَبُ النَّفَقَةُ مِنْهُ .
( أَمَّا ) الْوُجُوبُ فَلِأَنَّ الرِّبْحَ فِي بَابِ الْمُضَارَبَةِ يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ ، وَالْعَاقِلُ لَا يُسَافِرُ بِمَالِ غَيْرِهِ لِفَائِدَةٍ تَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ ، مَعَ تَعْجِيلِ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، فَلَوْ لَمْ تُجْعَلْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ الْمُضَارَبَاتِ مَعَ مِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ، فَكَانَ إقْدَامُهُمَا عَلَى هَذَا الْعَقْدِ ، وَالْحَالُ مَا وَصَفْنَا إذْنًا مِنْ رَبِّ الْمَالِ لِلْمُضَارِبِ بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، فَكَانَ مَأْذُونًا فِي الْإِنْفَاقِ دَلَالَةً ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ بِهِ نَصًّا ، وَلِأَنَّهُ يُسَافِرُ لِأَجْلِ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ وَلَا بِبَدَلٍ وَاجِبٍ لَهُ لَا مَحَالَةَ ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي الْمَالِ بِخِلَافِ الْمُبْضِعِ لَا يُسَافِرُ بِمَالِ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ ، وَبِخِلَافِ الْأَجِيرِ ; لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِبَدَلٍ لَازِمٍ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَأْجِرِ لَا مَحَالَة فَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الشَّرِيكِ إذَا سَافَرَ بِالْمَالِ ، أَنَّهُ يُنْفِقُ مِنْ الْمَالِ كَالْمُضَارِبِ .
( وَأَمَّا ) شَرْطُ الْوُجُوبِ فَخُرُوجُ الْمُضَارِبِ بِالْمَالِ مِنْ الْمِصْرِ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ مُضَارَبَةً ، سَوَاءٌ كَانَ الْمِصْرُ مِصْرَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، فَمَا دَامَ يَعْمَلُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ فِي مَالِ نَفْسِهِ لَا فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، وَإِنْ أَنْفَقَ شَيْئًا مِنْهُ ضَمِنَ ; لِأَنَّ دَلَالَةَ الْإِذْنِ لَا تَثْبُتُ فِي الْمِصْرِ ، وَكَذَا إقَامَتُهُ فِي الْحَضَرِ لَا تَكُونُ لِأَجْلِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ذَلِكَ الْمِصْرِ ، سَوَاءٌ كَانَ خُرُوجُهُ بِالْمَالِ مُدَّةَ سَفَرٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْ الْمِصْرِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ مَكَانِ الْمُضَارَبَةِ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمِصْرِ لِأَجْلِ الْمَالِ ، وَإِذَا انْتَهَى إلَى الْمِصْرِ الَّذِي قَصْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِصْرُ نَفْسِهِ ، أَوْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ أَهْلٌ ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ حِينَ دَخَلَ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِدُخُولِهِ فِيهِ لَا لِأَجْلِ الْمَالِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِصْرَهُ ، وَلَا لَهُ فِيهِ أَهْلٌ ، لَكِنَّهُ أَقَامَ فِيهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ مَا أَقَامَ فِيهِ ، وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا مَا لَمْ يَتَّخِذْ ذَلِكَ الْمِصْرَ الَّذِي هُوَ فِيهِ دَارَ إقَامَةٍ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَّخِذْهُ دَارَ إقَامَةٍ ، كَانَتْ إقَامَتُهُ فِيهِ لِأَجْلِ الْمَالِ ، وَإِنْ اتَّخَذَهُ وَطَنًا كَانَتْ إقَامَتُهُ لِلْوَطَنِ لَا لِلْمَالِ فَصَارَ كَالْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ ، فَنَقُولُ : .
الْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ نَفَقَةُ الْمُضَارَبَةِ بَعْدَ الْمُسَافَرَةِ بِالْمَالِ إلَّا بِالْإِقَامَةِ فِي مِصْرِهِ ، أَوْ فِي مِصْرٍ يَتَّخِذُهُ دَارَ إقَامَةٍ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمِصْرِ الَّذِي دَخَلَهُ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ إلَى الْمِصْرِ 106 الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ فِيهِ مُضَارَبَةً ، فَإِنَّ نَفَقَتَهُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ حَتَّى يَدْخُلَهُ ، فَإِذَا دَخَلَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِصْرَهُ ، أَوْ كَانَ لَهُ فِيهِ أَهْلٌ ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ وَإِلَّا فَلَا حَتَّى لَوْ أَخَذَ الْمُضَارِبُ مَالًا بِالْكُوفَةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الْكُوفَةَ مُسَافِرًا ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي الْمَالِ مَا دَامَ بِالْكُوفَةِ لِمَا قُلْنَا فَإِذَا خَرَجَ مِنْهَا مُسَافِرًا فَلَهُ النَّفَقَةُ حَتَّى يَأْتِيَ الْبَصْرَةَ ; لِأَنَّ خُرُوجَهُ لِأَجْلِ الْمَالِ ، وَلَا يُنْفِقُ مِنْ الْمَالِ مَا دَامَ بِالْبَصْرَةِ ; لِأَنَّ الْبَصْرَةَ وَطَنٌ أَصْلِيٌّ لَهُ ، فَكَانَ إقَامَتُهُ فِيهَا لِأَجْلِ الْوَطَنِ لَا لِأَجْلِ الْمَالِ ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْبَصْرَةِ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ الْمَالِ حَتَّى يَأْتِيَ الْكُوفَةَ ; لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ الْبَصْرَةِ لِأَجْلِ الْمَالِ .
وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ أَيْضًا مَا أَقَامَ بِالْكُوفَةِ حَتَّى يَعُودَ إلَى الْبَصْرَةِ ; لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ كَانَ وَطَنَ إقَامَةٍ ، وَأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالسَّفَرِ ، فَإِذَا عَادَ إلَيْهَا وَلَيْسَ لَهُ وَطَنٌ ، فَكَانَ إقَامَتُهُ فِيهَا لِأَجْلِ الْمَالِ ، فَكَانَ نَفَقَتُهُ فِيهِ ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مَعَ الْمُضَارِبِ مِمَّنْ يُعِينُهُ عَلَى الْعَمَلِ ، فَنَفَقَتُهُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا ، أَوْ أَجِيرًا يَخْدُمُهُ أَوْ يَخْدُمُ دَابَّتَهُ ; لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ كَنَفَقَةِ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ السَّفَرُ إلَّا بِهِمْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ عَبِيدٌ لِرَبِّ الْمَالِ بَعَثَهُمْ لِيُعَاوِنُوهُ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، وَنَفَقَتُهُمْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ إعَانَةَ عَبْدِ رَبِّ الْمَالِ كَإِعَانَةِ رَبِّ الْمَالِ بِنَفْسِهِ .
وَرَبُّ الْمَالِ لَوْ أَعَانَ الْمُضَارِبَ بِنَفْسِهِ فِي الْعَمَلِ ، لَمْ تَكُنْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ كَذَا عَبِيدُهُ ، فَأَمَّا عَبْدُ الْمُضَارِبِ فَهُوَ كَالْمُضَارِبِ ، وَالْمُضَارِبُ إذَا عَمِلَ بِنَفْسِهِ فِي الْمَالِ ، أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْهُ كَذَا عَبْدُهُ .
( وَأَمَّا ) مَا فِيهِ النَّفَقَةُ فَالنَّفَقَةُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، مَا لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَيَكُونُ دَيْنًا فِي الْمُضَارَبَةِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا ; لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ مِنْ الْمَالِ وَتَدْبِيرَهُ إلَيْهِ ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ ، وَيَرْجِعَ بِهِ عَلَى مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، كَالْوَصِيِّ إذَا أَنْفَقَ عَلَى الصَّغِيرِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى مَالِ الصَّغِيرِ لِمَا قُلْنَا ، كَذَا هَذَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، لَكِنْ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْمَالِ ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَالُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِشَيْءٍ كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْمُضَارَبَةِ ; لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمُضَارِبِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَإِذَا هَلَكَ هَلَكَ بِمَا فِيهِ كَالدَّيْنِ يَسْقُطُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ ، وَالزَّكَاةِ تَسْقُطُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ ، وَحُكْمِ الْجِنَايَةِ يَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْعَبْدِ الْجَانِي .
( أَمَّا ) الْوُجُوبُ فَلِأَنَّ الرِّبْحَ فِي بَابِ الْمُضَارَبَةِ يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ ، وَالْعَاقِلُ لَا يُسَافِرُ بِمَالِ غَيْرِهِ لِفَائِدَةٍ تَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ ، مَعَ تَعْجِيلِ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، فَلَوْ لَمْ تُجْعَلْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ الْمُضَارَبَاتِ مَعَ مِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ، فَكَانَ إقْدَامُهُمَا عَلَى هَذَا الْعَقْدِ ، وَالْحَالُ مَا وَصَفْنَا إذْنًا مِنْ رَبِّ الْمَالِ لِلْمُضَارِبِ بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، فَكَانَ مَأْذُونًا فِي الْإِنْفَاقِ دَلَالَةً ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ بِهِ نَصًّا ، وَلِأَنَّهُ يُسَافِرُ لِأَجْلِ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ وَلَا بِبَدَلٍ وَاجِبٍ لَهُ لَا مَحَالَةَ ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي الْمَالِ بِخِلَافِ الْمُبْضِعِ لَا يُسَافِرُ بِمَالِ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ ، وَبِخِلَافِ الْأَجِيرِ ; لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِبَدَلٍ لَازِمٍ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَأْجِرِ لَا مَحَالَة فَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الشَّرِيكِ إذَا سَافَرَ بِالْمَالِ ، أَنَّهُ يُنْفِقُ مِنْ الْمَالِ كَالْمُضَارِبِ .
( وَأَمَّا ) شَرْطُ الْوُجُوبِ فَخُرُوجُ الْمُضَارِبِ بِالْمَالِ مِنْ الْمِصْرِ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ مُضَارَبَةً ، سَوَاءٌ كَانَ الْمِصْرُ مِصْرَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، فَمَا دَامَ يَعْمَلُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ فِي مَالِ نَفْسِهِ لَا فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، وَإِنْ أَنْفَقَ شَيْئًا مِنْهُ ضَمِنَ ; لِأَنَّ دَلَالَةَ الْإِذْنِ لَا تَثْبُتُ فِي الْمِصْرِ ، وَكَذَا إقَامَتُهُ فِي الْحَضَرِ لَا تَكُونُ لِأَجْلِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ذَلِكَ الْمِصْرِ ، سَوَاءٌ كَانَ خُرُوجُهُ بِالْمَالِ مُدَّةَ سَفَرٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْ الْمِصْرِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ مَكَانِ الْمُضَارَبَةِ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمِصْرِ لِأَجْلِ الْمَالِ ، وَإِذَا انْتَهَى إلَى الْمِصْرِ الَّذِي قَصْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِصْرُ نَفْسِهِ ، أَوْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ أَهْلٌ ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ حِينَ دَخَلَ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِدُخُولِهِ فِيهِ لَا لِأَجْلِ الْمَالِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِصْرَهُ ، وَلَا لَهُ فِيهِ أَهْلٌ ، لَكِنَّهُ أَقَامَ فِيهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ مَا أَقَامَ فِيهِ ، وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا مَا لَمْ يَتَّخِذْ ذَلِكَ الْمِصْرَ الَّذِي هُوَ فِيهِ دَارَ إقَامَةٍ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَّخِذْهُ دَارَ إقَامَةٍ ، كَانَتْ إقَامَتُهُ فِيهِ لِأَجْلِ الْمَالِ ، وَإِنْ اتَّخَذَهُ وَطَنًا كَانَتْ إقَامَتُهُ لِلْوَطَنِ لَا لِلْمَالِ فَصَارَ كَالْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ ، فَنَقُولُ : .
الْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ نَفَقَةُ الْمُضَارَبَةِ بَعْدَ الْمُسَافَرَةِ بِالْمَالِ إلَّا بِالْإِقَامَةِ فِي مِصْرِهِ ، أَوْ فِي مِصْرٍ يَتَّخِذُهُ دَارَ إقَامَةٍ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمِصْرِ الَّذِي دَخَلَهُ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ إلَى الْمِصْرِ 106 الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ فِيهِ مُضَارَبَةً ، فَإِنَّ نَفَقَتَهُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ حَتَّى يَدْخُلَهُ ، فَإِذَا دَخَلَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِصْرَهُ ، أَوْ كَانَ لَهُ فِيهِ أَهْلٌ ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ وَإِلَّا فَلَا حَتَّى لَوْ أَخَذَ الْمُضَارِبُ مَالًا بِالْكُوفَةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الْكُوفَةَ مُسَافِرًا ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي الْمَالِ مَا دَامَ بِالْكُوفَةِ لِمَا قُلْنَا فَإِذَا خَرَجَ مِنْهَا مُسَافِرًا فَلَهُ النَّفَقَةُ حَتَّى يَأْتِيَ الْبَصْرَةَ ; لِأَنَّ خُرُوجَهُ لِأَجْلِ الْمَالِ ، وَلَا يُنْفِقُ مِنْ الْمَالِ مَا دَامَ بِالْبَصْرَةِ ; لِأَنَّ الْبَصْرَةَ وَطَنٌ أَصْلِيٌّ لَهُ ، فَكَانَ إقَامَتُهُ فِيهَا لِأَجْلِ الْوَطَنِ لَا لِأَجْلِ الْمَالِ ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْبَصْرَةِ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ الْمَالِ حَتَّى يَأْتِيَ الْكُوفَةَ ; لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ الْبَصْرَةِ لِأَجْلِ الْمَالِ .
وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ أَيْضًا مَا أَقَامَ بِالْكُوفَةِ حَتَّى يَعُودَ إلَى الْبَصْرَةِ ; لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ كَانَ وَطَنَ إقَامَةٍ ، وَأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالسَّفَرِ ، فَإِذَا عَادَ إلَيْهَا وَلَيْسَ لَهُ وَطَنٌ ، فَكَانَ إقَامَتُهُ فِيهَا لِأَجْلِ الْمَالِ ، فَكَانَ نَفَقَتُهُ فِيهِ ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مَعَ الْمُضَارِبِ مِمَّنْ يُعِينُهُ عَلَى الْعَمَلِ ، فَنَفَقَتُهُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا ، أَوْ أَجِيرًا يَخْدُمُهُ أَوْ يَخْدُمُ دَابَّتَهُ ; لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ كَنَفَقَةِ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ السَّفَرُ إلَّا بِهِمْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ عَبِيدٌ لِرَبِّ الْمَالِ بَعَثَهُمْ لِيُعَاوِنُوهُ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، وَنَفَقَتُهُمْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ إعَانَةَ عَبْدِ رَبِّ الْمَالِ كَإِعَانَةِ رَبِّ الْمَالِ بِنَفْسِهِ .
وَرَبُّ الْمَالِ لَوْ أَعَانَ الْمُضَارِبَ بِنَفْسِهِ فِي الْعَمَلِ ، لَمْ تَكُنْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ كَذَا عَبِيدُهُ ، فَأَمَّا عَبْدُ الْمُضَارِبِ فَهُوَ كَالْمُضَارِبِ ، وَالْمُضَارِبُ إذَا عَمِلَ بِنَفْسِهِ فِي الْمَالِ ، أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْهُ كَذَا عَبْدُهُ .
( وَأَمَّا ) مَا فِيهِ النَّفَقَةُ فَالنَّفَقَةُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، مَا لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَيَكُونُ دَيْنًا فِي الْمُضَارَبَةِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا ; لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ مِنْ الْمَالِ وَتَدْبِيرَهُ إلَيْهِ ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ ، وَيَرْجِعَ بِهِ عَلَى مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، كَالْوَصِيِّ إذَا أَنْفَقَ عَلَى الصَّغِيرِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى مَالِ الصَّغِيرِ لِمَا قُلْنَا ، كَذَا هَذَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، لَكِنْ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْمَالِ ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَالُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِشَيْءٍ كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْمُضَارَبَةِ ; لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمُضَارِبِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَإِذَا هَلَكَ هَلَكَ بِمَا فِيهِ كَالدَّيْنِ يَسْقُطُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ ، وَالزَّكَاةِ تَسْقُطُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ ، وَحُكْمِ الْجِنَايَةِ يَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْعَبْدِ الْجَانِي .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث