بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الأول
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْخُطْبَةِ وَمِقْدَارُهَا فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى قَصْدِ الْخُطْبَةِ ، كَذَا نُقِلَ عَنْهُ فِي الْأَمَالِي مُفَسِّرًا قَلَّ الذِّكْرُ أَمْ كَثُرَ حَتَّى لَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى قَصْدِ الْخُطْبَةِ أَجْزَأَهُ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : الشَّرْطُ أَنْ يَأْتِيَ بِكَلَامٍ يُسَمَّى خُطْبَةً فِي الْعُرْفِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الشَّرْطُ أَنْ يَأْتِيَ بِخُطْبَتَيْنِ بَيْنَهُمَا جِلْسَةٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } وَهَذَا ذِكْرٌ مُجْمَلٌ فَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلِهِ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِخُطْبَتَيْنِ وَلَهُمَا أَنَّ الْمَشْرُوطَ هُوَ الْخُطْبَةُ وَالْخُطْبَةُ فِي الْمُتَعَارَفِ اسْمٌ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَى تَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ لَهُمْ فَيَنْصَرِفُ الْمُطْلَقُ إلَى الْمُتَعَارَفِ ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ مُطْلَقُ ذِكْرِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ { فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى مَعْلُومٌ لَا جَهَالَةَ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ مَحْمَلًا ; لِأَنَّهُ تَطَاوُعُ الْعَمَلُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ يَقْتَرِنُ بِهِ فَتَقْيِيدُهُ بِذِكْرٍ يُسَمَّى خُطْبَةً أَوْ بِذِكْرٍ طَوِيلٍ لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَالثَّانِي أَنْ يُقَيَّدَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا يُسَمَّى خُطْبَةً لَكِنَّ اسْمَ الْخُطْبَةِ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ يَقَعُ عَلَى مَا قُلْنَا فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا اُسْتُخْلِفَ خَطَبَ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ فَلَمَّا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ارْتَجَّ عَلَيْهِ فَقَالَ : أَنْتُمْ إلَى إمَامٍ فَعَّالٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إلَى إمَامٍ قَوَّالٍ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يُعِدَّانِ لِهَذَا الْمَكَانِ مَقَالًا وَسَتَأْتِيكُمْ الْخُطَبُ مِنْ بَعْدُ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهِ لِي وَلَكُمْ وَنَزَلَ وَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ وَمَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ صَنِيعَهُ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَوْصُوفِينَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَكَانَ هَذَا إجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ مُطْلَقُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُطْلَقُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْخُطْبَةِ لُغَةً وَإِنْ كَانَ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ عُرْفًا ، وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الذِّكْرُ لُغَةً وَعُرْفًا وَقَدْ وُجِدَ أَوْ ذُكِرَ هُوَ خُطْبَةٌ لُغَةً وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ خُطْبَةً فِي الْعُرْفِ وَقَدْ أُتِيَ بِهِ وَهَذَا ; لِأَنَّ الْعُرْفَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي 263 مُعَامَلَاتِ النَّاسِ فَيَكُونُ دَلَالَةً عَلَى غَرَضِهِمْ .
وَأَمَّا فِي أَمْرٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ لُغَةً وَقَدْ وُجِدَ ، عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْكَلَامِ يُسَمَّى خُطْبَةً فِي الْمُتَعَارَفِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { لِلَّذِي قَالَ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ، وَمَنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى : بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ } سَمَّاهُ خَطِيبًا بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْكَلَامِ .
وَأَمَّا فِي أَمْرٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ لُغَةً وَقَدْ وُجِدَ ، عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْكَلَامِ يُسَمَّى خُطْبَةً فِي الْمُتَعَارَفِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { لِلَّذِي قَالَ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ، وَمَنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى : بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ } سَمَّاهُ خَطِيبًا بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْكَلَامِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith