شرح عمدة الفقه
شرح عمدة الفقه
page 195 · printed p. 124 · commentary
124 مَسْأَلَةٌ : إِذَا اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَهُوَ أَنْ يَجِدَ زَادًا وَرَاحِلَةً بِآلَتِهَا مِمَّا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِقَضَاءِ دُيُونِهِ وَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ .
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ :-
( أَحَدُهَا ) :
أَنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ ، وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) وَاسْتِطَاعَةُ السَّبِيلِ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ : مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَمَنَاطُ الْوُجُوبِ : وُجُودُ الْمَالِ ; فَمَنْ وَجَدَ الْمَالَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَالَ : لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا بِبَدَنِهِ قَالَ : فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ - إِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَجَبَ الْحَجُّ .
وَسُئِلَ - أَيْضًا - فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : عَلَى مَنْ يَجِبُ الْحَجُّ ؟ فَقَالَ : إِذَا 125 وَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - : وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ الْحَجُّ إِلَّا أَنْ يَجِدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ .
فَإِنْ حَجَّ رَاجِلًا تَجْزِيهِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَيَكُونُ قَدْ تَطَوَّعَ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ الْمَكِّيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ : ۝ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ ؟ قَالَ : "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : فَمَا الْحَاجُّ ؟ قَالَ : "الشَّعِثُ التَّفِلُ " وَقَامَ آخَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَا الْحَجُّ ؟ قَالَ : "الْعَجُّ وَالثَّجُّ " قَالَ وَكِيعٌ : يَعْنِي بِالْعَجِّ : الْعَجِيجَ بِالتَّلْبِيَةِ ، وَالثَّجُّ : نَحْرُ الْبُدْنِ . 126 رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ .
وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنِيهِ أَنَّ عَطَاءً عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ : ۝ "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " يَعْنِي قَوْلَهُ : ( مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) 127 رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ : ۝ سُئِلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا السَّبِيلُ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَا بَأْسَ بِبَعْضِهَا 128 وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمْ .
وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) قَالَ : ۝ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ ؟ قَالَ : "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ وَغَيْرُهُمَا ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَنِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ أَفْتَى بِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ۝ "مَنْ مَلَكَ ثَلَاثَمِائَةَ دِرْهَمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْإِمَاءِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَيْضًا قَوْلُهُ : ۝ "مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا ، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا " . 129 فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُسْنَدَةً مِنْ طُرُقٍ حِسَانٍ وَمُرْسَلَةً وَمَوْقُوفَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنَاطَ الْوُجُوبِ : وُجُودُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ مَعَ عِلْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقْدِرُونَ عَلَى الْمَشْيِ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - فِي الْحَجِّ : ( مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) إِمَّا أَنْ يَعْنِيَ بِهِ الْقُدْرَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْمَكِنَةِ ، أَوْ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ . فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْأَوَّلَ ، لَمْ يُحْتَجْ إِلَى هَذَا التَّقْيِيدِ ، كَمَا لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ فِي آيَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ هُوَ إِلَّا الْمَالَ .
130 وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى مَسَافَةٍ ، فَافْتَقَرَ وُجُوبُهَا إِلَى مِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ كَالْجِهَادِ .
وَدَلِيلُ الْأَصْلِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : ( وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ) إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - : ( وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ) الْآيَةَ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَشْيَ فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ .
131
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith