شرح عمدة الفقه
شرح عمدة الفقه
الصفحة 277 · ص. المطبوع 604 · الشرح
604 ( فَصْلٌ )
وَيَكْفِيهِ أَنْ يُلَبِّيَ لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ مَرَّةً وَاحِدَةً ; بِحَيْثُ يَكُونُ دُعَاؤُهُ عَقِيبَ تِلْكَ الْمَرَّةِ .
قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِي التَّلْبِيَةِ : لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ ، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ بِهِ الْعَامَّةُ ؛ يُلَبُّونَ فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : مَا شَيْءٌ تَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ يُلَبُّونَ فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ؟ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ : مَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءُوا بِهِ ، قُلْتُ : أَلَيْسَ تُجْزِئُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ؟ قَالَ : بَلَى .
وَكَذَلِكَ - أَيْضًا - إِذَا لَبَّى لِغَيْرِ سَبَبٍ فَإِنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ تَحْصُلُ بِهَا سُنَّةُ التَّلْبِيَةِ ; بِحَيْثُ يَدْعُو بَعْدَهَا إِنْ أَحَبَّ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ، ثُمَّ لَمَّا عَلَا الْبَيْدَاءَ أَهَلَّ بِهِنَّ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُ كَرَّرَهُنَّ فِي حَالَتِهِ تِلْكَ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَبَيَّنُوهُ ؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَمْ يَكُونُوا لِيُغْفِلُوهُ وَيُهْمِلُوهُ ، بَلْ ظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ حِينَ قَالَ : " ۝ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ " وَقَوْلُهُ : " ۝ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً قَالَ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا مَا يَزِيدُ : كَالنَّصِّ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا لَبَّى بِهَذَا وَاحِدَةً . وَقَدْ قَالَ : " ۝ أَرْبَعًا تَلَقَّنْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
605 أَفَتَرَاهُ يَعُدُّ كَلِمَاتِ التَّلْبِيَةِ ، وَلَا يَعُدُّ مَرَّاتِهَا ؟ وَذِكْرُ عَدَدِهَا أَهَمُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ [ إِلَّا بِذِكْرِهِ بِخِلَافِ كَلِمَاتِ التَّلْبِيَةِ ] فَإِنَّ ذِكْرَهَا يُغْنِي عَنْ عَدِّهَا ، وَكَذَلِكَ الْمَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِتَكْرِيرٍ ؛ وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ عَنِ السَّلَفِ ، وَقَالَ : لَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءُوا بِهِ .
وَأَيْضًا : فَإِنَّ كَلِمَاتِ التَّلْبِيَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَكْرَارِهَا ، فَإِنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ الثَّلَاثَ مَرَّاتٍ .
فَإِنْ كَرَّرَهَا ثَلَاثًا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَطَائِفَةٌ مَعَهُ : لَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارَهَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهَا ثَلَاثًا .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهَا ثَلَاثًا عَقِيبَ الصَّلَاةِ ، بَلْ يَأْتِي بِهَا عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ كَمَا يَأْتِي بِهَا مُفْرَدَةً عَنِ الصَّلَاةِ .
وَقَالُوا : يُسْتَحَبُّ اسْتِدَامَتُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ .
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَرَّةٍ ، وَتَكْرَارُهُ ثَلَاثًا حَسَنٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ .
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ : يُسَنُّ تَكْرَارُهَا بَعْدَ تَمَامِهَا ; لِأَجْلِ تَلَبُّسِهِ بِالْعِبَادَةِ ، وَإِنْ لَمْ تُسْتَحَبَّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا .
606 وَفَرَّقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالتَّكْرَارِ : بِأَنَّ هَذَا الذِّكْرَ شِعَارُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ ، كَالْأَذَانِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، فَلَمْ تُسْتَحَبَّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِثْلَهُمَا بِخِلَافِ التَّكْرَارِ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَجْلِ تَلَبُّسِهِ بِالْعِبَادَةِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ مَا لَمْ يَحِلَّ ، وَهَذَا يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ تَكْرَارِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اخْتُلِفَ فِي اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ - وَهُوَ عَقِيبَ التَّلْبِيَةِ سَوَاءٌ .
وَحَقِيقَةُ الْمَذْهَبِ : أَنَّ اسْتِدَامَتَهَا ، وَتَكْرَارَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ حَسَنٌ مُسْتَحَبٌّ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِعَدَدٍ ، كَمَا فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعَشْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، لَكِنَّ التَّقْيِيدَ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِهِ وَإِلْزَامُ الْمَأْمُورِينَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث