شرح عمدة الفقه
شرح عمدة الفقه
الصفحة 398 · ص. المطبوع 451 · الشرح
مَسْأَلَةٌ : ( ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ فَيَأْتِيهِ فَيَرْقَى عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ اللَّهَ وَيُهَلِّلُهُ 451 وَيَدْعُوهُ ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي إِلَى الْعَلَمِ ، ثُمَّ يَسْعَى إِلَى الْعَلَمِ الْآخَرِ ثُمَّ يَمْشِي إِلَى الْمَرْوَةِ فَيَفْعَلُ كَفِعْلِهِ عَلَى الصَّفَا ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَحْسِبُ بِالذَّهَابِ سَبْعَةً وَبِالرُّجُوعِ سَبْعَةً يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتَتِمُ بِالْمَرْوَةِ .
أَمَّا خُرُوجُهُ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَهُوَ الْبَابُ الْأَعْظَمُ الَّذِي يُوَاجِهُ الصَّفَا ... ، وَأَمَّا رُقِيُّهُ عَلَى الصَّفَا ; فَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : " ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ " وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا : إِنَّهُ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ ، إِلَّا أَنَّ هَذَا كَانَ لَمَّا كَانَتِ الْأَبْنِيَةُ مُنْخَفِضَةً عَنِ الْكَعْبَةِ . فَأَمَّا الْآنَ فَإِنَّهُمْ قَدْ رَفَعُوا جِدَارَ الْمَسْجِدِ وَزَادُوا فِيهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّفَا حَتَّى صَارَ الْمَسْعَى يَلِي جِدَارَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمَسْعَى بِنَاءٌ لِلنَّاسِ ، فَالْيَوْمَ : لَا يَرَى أَحَدٌ الْبَيْتَ مِنْ فَوْقِ الصَّفَا ، وَلَا مِنْ فَوْقِ الْمَرْوَةِ ، نَعَمْ قَدْ يَرَاهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ إِذَا خَفَضَ .
فَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الصَّفَا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ لَوْ كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى مَا كَانَ .
452 وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : " ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ ، وَرَفَعَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو مَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ ، وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْبَيْتَ فِي حَالِ وُقُوفِهِ عَلَى الصَّفَا وَعَلَى الْمَرْوَةِ ، وَكَذَلِكَ فِي حَالِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ وَبِمِنًى ، وَبَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ " .
وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ : " ۝ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَصْعَدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ الْبَيْتُ فَيَسْتَقْبِلَهُ "
وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " اسْتَقْبِلِ الْبَيْتَ مِنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِقْبَالِهِ " رَوَاهُمَا أَحْمَدُ .
وَلِأَنَّهُ حَالُ مُكْثٍ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ ، فَاسْتُحِبَّ فِيهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ كَسَائِرِ الْأَحْوَالِ وَأَوْكَدُ .
وَلِأَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمَشَاعِرِ نَوْعٌ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : 453 ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) - : إِنَّهَا عَرَفَةُ ، وَمُزْدَلِفَةُ ، وَمِنًى ، وَنَحْوَهُنَّ : فَيُشْرَعُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ كَالصَّلَاةِ التَّامَّةِ .
وَلِأَنَّ الْمَنَاسِكَ : هِيَ حَجُّ الْبَيْتِ ، فَكَانَ اسْتِقْبَالُ الْبَيْتِ وَقْتَ فِعْلِهَا تَحْقِيقًا لِمَعْنَى حَجِّ الْبَيْتِ وَقَصْدِهِ .
وَلِأَنَّ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ ; مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ وَذَبْحِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَةِ يُسَنُّ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ فِيهَا ، فَمَا تَعَلَّقَ مِنْهَا بِالْبَيْتِ أَوْلَى .
وَأَمَّا التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ وَالدُّعَاءُ فَقَدْ ذَكَرَهُ جَابِرٌ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ...
وَأَمَّا صِفَةُ ذَلِكَ فَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، يَصْنَعُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَدْعُو ، وَيَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : " ۝ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - مَعَ هَذَا التَّوْحِيدِ - : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ " ، وَأَنَّهُ يَدْعُو بَعْدَ ذَلِكَ .
454 وَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ - : إِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَنَا أَبِي قَالَ : " أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : ۝ اسْتَلَمَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ ، ثُمَّ رَمَلَ ثَلَاثَةً وَمَشَى أَرْبَعَةً حَتَّى إِذَا فَرَغَ عَدَا إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) ثُمَّ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ ، وَخَرَجَ إِلَى الصَّفَا ، ثُمَّ قَرَأَ : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) ، ثُمَّ قَالَ : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ، فَرَقَى عَلَى الصَّفَا حَتَّى إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ كَبَّرَ ، ثُمَّ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَصَدَقَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، ثُمَّ دَعَا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْكَلَامِ ، ثُمَّ دَعَا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْكَلَامِ ، ثُمَّ نَزَلَ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي الْوَادِي رَمَلَ حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَرَقَى عَلَيْهَا حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ ، فَقَالَ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا قَالَ عَلَى الصَّفَا ، فَلَمَّا كَانَ السَّابِعُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً ، فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ " .
فَعَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَحْمَدُ يُكَبِّرُ وَيُهِلُّ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ ، ثُمَّ 455 يَدْعُو ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيُهِلُّ ، ثُمَّ يَدْعُو ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيُهِلُّ ، فَيَفْتَتِحُ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ ، وَيَخْتِمُ بِهِ ، وَيُكَرِّرُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَالدُّعَاءَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَلَفْظُ التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ثَلَاثًا ، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، وَلَفْظُ التَّهْلِيلِ مَرَّتَيْنِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ .
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّكْبِيرُ تِسْعًا ، وَالتَّهْلِيلُ سِتًّا ، وَالدُّعَاءُ مَرَّتَيْنِ .
وَلَفْظُ الصَّحِيحِ : " ۝ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " .
وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " ۝ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا ، فَرَقَى عَلَيْهَا حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ ، فَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَكَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَا قُدِّرَ لَهُ ، ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ ، ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَصَعِدَ فِيهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ ، فَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ وَسَبَّحَهُ وَحَمِدَهُ ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ ، فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ " .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ : " ۝ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ ، وَيَدْعُو 456 بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ " .
فَهَذَا الْحَمْدُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْحَمْدُ الَّذِي فِي ضِمْنِ التَّهْلِيلِ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْمُفَسِّرَةُ ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : أَنَّهُ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا ، قَالَ الْقَاضِي : يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ : يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا ، ثُمَّ يَبْدَأُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، زَادَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا : لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، كَمَا جَاءَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ .
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ، زَادَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا شَرِيكَ لَهُ ، صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ، ثُمَّ يُلَبِّي وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ دِينٍ وَدُنْيَا ، ثُمَّ يُعِيدُ الدُّعَاءَ ، ثُمَّ يُلَبِّي وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ دِينٍ وَدُنْيَا يَأْتِي بِذَلِكَ ثَلَاثًا .
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ تِسْعًا تِسْعًا ، وَالدُّعَاءُ ثَلَاثًا .
457 وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ ثَلَاثًا ، وَالدُّعَاءَ مَرَّةً ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يُكَرِّرُ ذَلِكَ ثَلَاثًا .
وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَذِيِّ وَغَيْرِهِ - لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ أَحْمَدُ : ثُمَّ اصْعَدْ عَلَى الصَّفَا وَقِفْ حَيْثُ تَنْظُرُ إِلَى الْبُنْيَانِ إِنْ أَمْكَنَكَ ذَلِكَ ، وَقُلِ : اللَّهُ أَكْبَرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، تَرْفَعُ بِهِنَّ صَوْتَكَ ، وَتَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ . لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّ آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ، اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ ، وَذَكَرَ دُعَاءَ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِمَّا يَأْتِي ، وَفِي آخِرِهِ : اللَّهُمَّ إِنَّا قَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا ، وَاقْضِ لَنَا حَوَائِجَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَقَدْ رَوَى بِإِسْنَادٍ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، ثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : " ۝ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا انْتَهَى إِلَى ذِي طَوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ ، ثُمَّ يُصَلِّي الْغَدَاةَ وَيَغْتَسِلُ ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ ضُحًى ، وَيَأْتِي الْبَيْتَ فَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، فَإِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ يَمْشِي مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ، وَإِذَا أَتَى عَلَى الْحَجَرِ اسْتَلَمَهُ 458 وَكَبَّرَ أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ مَشْيًا ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَقَامَ فَيُصَلِّي خَلْفَهُ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنَ الْبَابِ الْأَعْظَمِ ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ ، فَيُكَبِّرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثَلَاثًا ثَلَاثًا يُكَبِّرُ ، ثُمَّ يَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ، ثُمَّ يَدْعُو يَقُولُ : اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ وَطَوَاعِيَتِكَ وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ وَيُحِبُّ مَلَائِكَتَكَ وَيُحِبُّ رُسُلَكَ ، وَيُحِبُّ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ ، اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إِلَيْكَ وَإِلَى مَلَائِكَتِكَ ، وَإِلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنِي لِلْيُسْرَى وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى ، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، اللَّهُمَّ إِذْ هَدَيْتَنِي لِلْإِسْلَامِ فَلَا تَنْزِعْهُ مِنِّي ، وَلَا تَنْزِعْنِي مِنْهُ حَتَّى تَوَفَّانِي وَأَنَا عَلَى الْإِسْلَامِ ، اللَّهُمَّ لَا تُقَدِّمْنِي لِعَذَابٍ ، وَلَا تُؤَخِّرْنِي لِسَيِّئِ الْفِتَنِ ، وَيَدْعُو بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ حَتَّى إِنَّهُ لِيُمِلُّنَا - وَإِنَّا لَشَبَابٌ - ، وَكَانَ إِذَا أَتَى عَلَى الْمَسْعَى سَعَى وَكَبَّرَ " . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَفِي لَفْظٍ : " ۝ وَكَانَ يَدْعُو بِهَذَا مَعَ دُعَاءٍ لَهُ طَوِيلٍ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَبِعَرَفَاتٍ وَبَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ وَفِي الطَّوَافِ " .
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ... يَدْعُو عَلَى الصَّفَا بِدُعَاءِ ابْنِ عُمَرَ ، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ أَجْزَأَهُ ، وَقَالَ - فِي الْمَرْوَةِ - : وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ : - أَحَدُهَا : أَنَّهُ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ يُهَلِّلُ ، ثُمَّ يَدْعُو ، يُكَرِّرُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ .
وَالثَّانِي : أَنْ يُكَبِّرَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يُهَلِّلَ ، ثُمَّ يَدْعُوَ فَقَطْ ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ 459 الْمَرُّوذِيِّ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا سَبْعَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يُهَلِّلَ ثُمَّ يَدْعُوَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاسْتَحَبَّهُ .
وَعَلَى هَذَيْنِ هَلْ يُكَرِّرُ ذَلِكَ ثَلَاثًا ؟ ... ، وَإِنَّمَا اسْتُحِبَّ هَذَا ; لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَ شَدِيدَ الِاقْتِفَاءِ لِأَثَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُصُوصًا فِي النُّسُكِ ; فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْلَمِ الصَّحَابَةِ ، فَالِاقْتِصَارُ عَلَى عَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا فَعَلَهُ تَوْقِيفِيًّا ; وَلِأَنَّ عَدَدَ الْأَفْعَالِ سَبْعٌ فَاسْتُحِبَّ إِلْحَاقُ الْأَقْوَالِ بِهَا .
وَمَنْ رَجَّحَ هَذَا قَالَ : أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيتُ تَكْبِيرٍ ، وَلَعَلَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ فِي بَعْضِ عُمَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَوْ لَعَلَّ قَوْلَ جَابِرٍ : " كَبَّرَ ثَلَاثًا " أَيْ ثَلَاثَ نَوْبَاتٍ ، وَيَكُونُ كُلُّ نَوْبَةٍ سَبْعًا .
وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَقَدِ اسْتَحَبَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ دُعَاءَ ابْنِ عُمَرَ إِذْ لَيْسَ فِي الْبَابِ مَأْثُورٌ غَيْرُهُ .
وَالسُّنَّةُ : رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ جَابِرًا سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْلَا جَهْرُهُ بِهِ لَمْ يَسْمَعُوهُ ; وَلِأَنَّهُ شَرَفٌ مِنَ الْأَشْرَافِ ، وَالسُّنَّةُ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ عَلَى الْأَشْرَافِ .
460 وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَلَا يَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ ; لِأَنَّ سُنَّةَ الدُّعَاءِ : السِّرُّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ جَابِرٌ وَلَا غَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَفْظَ دُعَائِهِ ، حَيْثُ لَمْ يَسْمَعُوهُ .
وَأَمَّا جَهْرُهُ بِذَلِكَ حَيْثُ يَسْمَعُ الْقَرِيبُ مِنْهُ فَجَائِزٌ ، كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقْصُودٌ صَالِحٌ وَإِلَّا إِسْرَارُهُ أَفْضَلُ .
وَأَمَّا التَّلْبِيَةُ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي أَثْنَاءِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فَقَدِ اسْتَحَبَّهَا الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، وَغَيْرُهُمَا ; لِأَنَّ وَقْتَ التَّلْبِيَةِ بَاقٍ ، وَهُوَ مَوْطِنُ ذِكْرٍ ، فَاسْتُحِبَّ فِيهِ التَّلْبِيَةُ كَمَا لَوْ عَلَا عَلَى شَرَفٍ غَيْرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَأَوْلَى لِامْتِيَازِ هَذَيْنِ الشَّرَفَيْنِ بِتَوْكِيدِ الذِّكْرِ .
وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ مِثْلُ الْأَثْرَمِ - هُنَا - : اسْتِحْبَابَ تَلْبِيَةٍ ، وَهَذَا أَجْوَدُ ; لِأَنَّ الَّذِينَ أَخْبَرُوا عَنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ : ذَكَرُوا أَنَّهُ كَبَّرَ وَهَلَّلَ وَدَعَا وَحَمِدَ اللَّهَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ - : سَبَّحَ ، وَلَوْ كَانَ قَدْ لَبَّى لَذَكَرُوهُ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُلَبِّ ، وَلَوْ كَانَتِ التَّلْبِيَةُ مِنْ سُنَّةِ هَذَا الْمَوْقِفِ لَفَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فَعَلَ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ .
461 وَأَيْضًا : فَإِنَّ التَّلْبِيَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي عُمُومِ الْإِحْرَامِ ، وَلِهَذَا الْمَكَانِ ذِكْرٌ يَخُصُّهُ فَلَمْ يُزَاحَمْ بِغَيْرِهِ .
وَأَيْضًا : فَإِنَّ التَّلْبِيَةَ شِعَارُ الْمُجِيبِ لِلدَّاعِي ، فَشُرِعَ لَهُ مَا دَامَ يَسِيرُ وَيَسْعَى إِلَى الْمَقْصِدِ ، فَإِذَا بَلَغَ مَكَانًا مِنَ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي دُعِيَ إِلَيْهَا فَقَدْ وَصَلَ إِلَى الْمَقْصِدِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّلْبِيَةِ مَا دَامَ فِيهِ ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ وَقَصَدَ مَكَانًا آخَرَ لَبَّى ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَبَّى بِالْمَوَاقِفِ ، وَإِنَّمَا لَبَّى حَتَّى بَلَغَ عَرَفَةَ ، فَلَمَّا أَفَاضَ مِنْهَا لَبَّى إِلَى جَمْعٍ ، ثُمَّ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ لَبَّى بِهَا إِلَى أَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، فَعَلَى هَذَا هَلْ تُكْرَهُ التَّلْبِيَةُ ؟ ... ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ قِرَانٍ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا عُمْرَةً مُفْرَدَةً ، أَوْ عُمْرَةَ تَمَتُّعٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ ، فَلَا يُلَبِّي بَعْدَ ذَلِكَ فِي طَوَافٍ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ - وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا : التَّلْبِيَةَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مُطْلَقًا ، ثُمَّ قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ : فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا أَوْ مُتَمَتِّعًا ، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا ، وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : " قَدِمْتُ مُعْتَمِرًا مَعَ 462 عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَابْنِ مَسْعُودٍ ، فَقُلْتُ : أَيُّهُمَا أَلْزَمُ ؟ ثُمَّ قُلْتُ : أَلْزَمُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، ثُمَّ آتِي أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهَا ، فَاسْتَلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْحَجَرَ ، ثُمَّ أَخَذَ عَلَى يَمِينِهِ ، وَرَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً ، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ، وَخَرَجَ إِلَى الصَّفَا فَقَامَ عَلَى صَدْعٍ فِيهِ فَلَبَّى ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَنْهَوْنَ عَلَى الْإِهْلَالِ هَاهُنَا ، قَالَ : وَلَكِنِّي آمُرُكَ بِهِ هَلْ تَدْرِي مَا الْإِهْلَالُ ؟ إِنَّمَا هِيَ اسْتِجَابَةُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ : فَلَمَّا أَتَى الْوَادِيَ رَمَلَ ، قَالَ : رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْبَرُ ...
وَالصَّوَابُ : الْأَوَّلُ ; لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُلَبِّي فِي عُمْرَتِهِ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ ، وَأَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - كَمَا ذَكَرَهُ مَسْرُوقٌ - وَإِذَا تَنَازَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتِ السُّنَّةُ قَاضِيَةً بَيْنَهُمْ ، وَلَيْسَ هُوَ صَرِيحًا بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ مُعْتَمِرًا وَإِنَّمَا الصَّرِيحُ فِيهِ أَنْ مَسْرُوقًا كَانَ هُوَ الْمُعْتَمِرَ ; لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَمِرًا أَيْضًا لِأَنَّهُمْ إِذْ ذَاكَ إِنَّمَا كَانُوا يُحْرِمُونَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرٍ ، كَمَا كَانَ عُمَرُ قَدْ أَمَرَهُمْ بِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنِ الْإِهْلَالِ عَلَى الصَّفَا مُطْلَقًا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ .
463
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث