المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثاني
الصفحة 1053 · ص. المطبوع 376 · الشرح
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الصَّلَوَاتِ الْمَأْمُورِ بِهِنَّ فِي الْوَقْتِ مَعَ خَلَلٍ لِلضَّرُورَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا : الْعُذْرُ ضَرْبَانِ ، عَامٌّ وَنَادِرٌ ، فَالْعَامُّ لَا قَضَاءَ مَعَهُ لِلْمَشَقَّةِ ، وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ الْمَرِيضُ يُصَلِّي قَاعِدًا أَوْ مُومِيًا ، أَوْ بِالتَّيَمُّمِ خَوْفًا مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ، وَمِنْهُ الْمُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ ، وَالْمُسَافِرُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ لِعَجْزِهِ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ .
وَأَمَّا النَّادِرُ فَقِسْمَانِ ، قِسْمٌ يَدُومُ غَالِبًا وَقِسْمٌ لَا يَدُومُ ، فَالْأَوَّلُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَمَنْ بِهِ جُرْحٌ سَائِلٌ أَوْ رُعَافٌ دَائِمٌ أَوْ اسْتَرْخَتْ مَقْعَدَتُهُ فَدَامَ خُرُوجُ الْحَدَثِ مِنْهُ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ ، فَكُلُّهُمْ يُصَلُّونَ مَعَ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ وَلَا يُعِيدُونَ لِلْمَشَقَّةِ وَالضَّرُورَةِ .
وَأَمَّا الَّذِي لَا يَدُومُ غَالِبًا فَنَوْعَانِ ، نَوْعٌ : يَأْتِي مَعَهُ بِبَدَلٍ لِلْخَلَلِ وَنَوْعٌ : لَا يَأْتِي ، فَمِنْ الثَّانِي مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا ، وَالْمَرِيضُ وَالزَّمِنُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّنْ لَا يَخَافُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ، لَكِنْ لَا يَجِدُ مَنْ يُوَضِّئُهُ ، وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَوُّلِ إلَى الْقِبْلَةِ ، وَالْأَعْمَى وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُعَرِّفُهُ إيَّاهَا ، وَمَنْ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ جُرْحِهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْفَى عَنْهَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهَا ، وَالْمَرْبُوطُ عَلَى 376 خَشَبَةٍ وَمَنْ شُدَّ وَثَاقُهُ ، وَالْغَرِيقُ وَمَنْ حُوِّلَ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الصَّلَاةِ إلَى غَيْرِهَا أَوْ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ ، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ عَلَى حَسَبِ الْحَالِ ، وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ لِنُدُورِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ ، وَفِي بَعْضِ هَؤُلَاءِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ .
وَأَمَّا الْمُصَلِّي عُرْيَانًا لِعَدَمِ السُّتْرَةِ فَفِي كَيْفِيَّةِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ ، ( أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا ) : تَجَنُّبُ الصَّلَاةِ قَائِمًا بِإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .
( وَالثَّانِي ) : يُصَلِّي قَاعِدًا ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ؟ أَمْ يَقْتَصِرُ عَلَى إدْنَاءِ الْجَبْهَةِ مِنْ الْأَرْضِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ . وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ ، وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي الْمَحْبُوسِ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ بِحَيْثُ لَوْ سَجَدَ لَسَجَدَ عَلَى النَّجَاسَةِ ، هَلْ يُتِمُّ السُّجُودَ أَمْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْإِيمَاءِ ؟ أَمْ يَتَخَيَّرُ ؟ وَيَجْزِي فِيمَنْ وَجَدَ ثَوْبًا طَاهِرًا لَوْ فَرَشَهُ بَقِيَ عُرْيَانًا ، وَإِنْ لَبِسَهُ صَلَّى عَلَى النَّجَاسَةِ ، وَيَجْرِي فِي الْعَارِي إذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا ، وَالْأَصَحُّ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ أَنَّهُ يُصَلِّي عَارِيًّا . فَإِذَا قُلْنَا فِي الْعُرْيَانِ : لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَفِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ لَا يُعِيدُ ، وَقَدْ سَبَقَ نَظِيرُهُ فِيمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ مَاءٍ وَلَا تُرَابٍ وَنَظَائِرِهِ . وَإِنْ قُلْنَا : يُتِمُّ الْأَرْكَانَ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَادَتُهُمْ الْعُرْيُ لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْتَادُونَهُ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ : أَنَّهُ لَا إعَادَةَ أَيْضًا . وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَنَّهَا تَجِبُ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا - يَعْنِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ - فَأَشَارَ إلَى الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي سُقُوطِ الْإِعَادَةِ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ; لِأَنَّ الثَّوْبَ يَعِزُّ فِي الْحَضَرِ وَلَا يُبْذَلُ بِخِلَافِ الْمَاءِ .
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا يَأْتِي مَعَهُ بِبَدَلٍ فَفِيهِ صُوَرٌ ، مِنْهَا مَنْ يَتَيَمَّمُ فِي الْحَضَرِ لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ ، أَوْ لِنِسْيَانِ الْمَاءِ فِي رَحْلِهِ ، وَنَحْوِهِ فِي السَّفَرِ ، أَوْ تَيَمَّمَ مَعَ الْجَبِيرَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ : أَنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى جَمِيعِهِمْ ، وَتَقَدَّمَتْ تَفَاصِيلُ الْخِلَافِ فِيهِمْ ، وَمِنْهَا الْمُتَيَمِّمُ مَعَ الْجَبِيرَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى طُهْرٍ ، فَلَا إعَادَةَ 377 عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَ مَسْأَلَةَ الْجَبِيرَةِ مِنْ الْعُذْرِ الْعَامِّ ، وَهُوَ حَسَنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : كُلُّ صَلَاةٍ تَفْتَقِرُ إلَى الْقَضَاءِ لَا يَجِبُ فِعْلُهَا فِي الْوَقْتِ ، وَأَنَّ الْمُزَنِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : كُلُّ صَلَاةٍ وَجَبَتْ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَتْ مَعَ خَلَلٍ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا ، قَالَا : وَهُمَا قَوْلَانِ مَنْقُولَانِ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُزَنِيّ هُوَ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ ، بَلْ ثَبَتَ خِلَافُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ : ثُمَّ مَا حَكَمْنَا مِنْ الْأَعْذَارِ بِأَنَّهُ دَائِمٌ وَأَسْقَطْنَا الْفَرْضَ بِهِ ، فَلَوْ اتَّفَقَ زَوَالُهُ بِسُرْعَةٍ فَهُوَ كَالدَّائِمِ الْمُتَمَادِي نَظَرًا إلَى جِنْسِهِ ، وَمَا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ لَا يَدُومُ فَاتَّفَقَ دَوَامُهُ لَمْ يُلْحَقْ بِالدَّائِمِ ، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا يَنْقَطِعُ عَلَى قُرْبٍ إلْحَاقًا لِمَا يَشِذُّ مِنْ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ ، ثُمَّ كُلُّ صَلَاةٍ أَوْجَبْنَاهَا فِي الْحَالِ مَعَ خَلَلٍ وَأَوْجَبْنَا قَضَاءَهَا فَقَضَاهَا ، فَفِي الْفَرْضِ مِنْ صَلَاتَيْهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا ، أَصَحُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ : أَنَّ الْفَرْضَ الثَّانِيَةُ . وَالثَّانِي الْأُولَى ، وَالثَّالِثُ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا ، وَالرَّابِعُ كِلَاهُمَا فَرْضٌ ، وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَالْفُورَانِيُّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَهُوَ قَوِيٌّ ، فَإِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِمَا . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَإِذَا أَوْجَبْنَا الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ وَأَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ فَالْمَذْهَبُ : أَنَّ مَا يَأْتِي بِهِ فِي الْوَقْتِ صَلَاةٌ ، وَلَكِنْ يَجِبُ قَضَاؤُهَا لِلنَّقْصِ ، قَالَ : وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : لَيْسَتْ صَلَاةً بَلْ تُشْبِهُ الصَّلَاةَ كَالْإِمْسَاكِ فِي رَمَضَانَ لِمَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا ، قَالَ : وَهَذَا بَعِيدٌ . قَالَ فَإِنْ قِيلَ : هَلَّا قُلْتُمْ : الصَّلَاةُ الْمَفْعُولَةُ فِي الْوَقْتِ مَعَ الْخَلَلِ فَاسِدَةٌ كَالْحِجَّةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهَا ؟ قُلْنَا : إيجَابُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْفَاسِدِ مُحَالٌ ، وَأَمَّا التَّشَبُّهُ فَلَا يَبْعُدُ إيجَابُهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث