المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثاني
page 1127 · printed p. 474 · commentary
فَصْلٌ : فِي صِيَامِ الْمُتَحَيِّرَةِ اتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهَا أَنْ تَصُومَ جَمِيعَ شَهْرِ رَمَضَانَ ; لِاحْتِمَالِ الطُّهْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَإِذَا صَامَتْهُ وَكَانَ تَامًّا اخْتَلَفُوا فِيمَا يُحْسَبُ لَهَا مِنْهُ فَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَاتٌ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَصَّ أَنَّهُ يُحْسَبُ لَهَا مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَبِهَذَا قَطَعَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ ، مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَآخَرُونَ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ ; وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ أَصْحَابِنَا كُلِّهِمْ وَنَقَلَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا قَالَ : وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا إلَّا مَا سَنَذْكُرُهُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ ، وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُحِيطِ عَنْ عَامَّةِ مَشَايِخِهِمْ ثُمَّ قَالَ : وَأَجْمَعَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ مِنْ 474 الْمُتَأَخِّرِينَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الْخُلَاصَةِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ التَّحْرِيرِ وَالْبُلْغَةِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ إمَامُ أَصْحَابِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ : لَا يُحْسَبُ لَهَا مِنْهُ إلَّا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِاحْتِمَالِ ابْتِدَاءِ الدَّمِ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، وَانْقِطَاعِهِ فِي بَعْضِ السَّادِسَ عَشَرَ فَيُفْسِدُ السِّتَّةَ عَشَرَ وَيَبْقَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ . وَأَطْبَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ عَلَى مُتَابَعَةِ أَبِي زَيْدٍ وَوَافَقَهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الدَّارِمِيُّ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ . أَشَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : إثْبَاتُ خِلَافٍ فِي أَنَّهُ يَحْصُلُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَالثَّانِي ، الْقَطْعُ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ ، وَتَأَوَّلُوا النَّصَّ عَلَى أَنَّهَا حَفِظَتْ أَنَّ دَمَهَا كَانَ يَنْقَطِعُ فِي اللَّيْلِ ، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ بِأَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَيَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ هَكَذَا أَطْلَقُوهُ .
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ يُحْتَمَلُ ، لَكِنَّ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَسُلُوكُ سَبِيلِ التَّخْفِيفِ عَنْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ هُوَ الْمَشْهُورِ فِي طَرِيقِ الْمَذْهَبِ . وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ طَرِيقَةً أُخْرَى ; فَحَكَى نَصَّ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلَ أَبِي زَيْدٍ وَاخْتِلَافَ الْأَصْحَابِ ثُمَّ قَالَ : وَاَلَّذِي يَجِبُ اسْتِدْرَاكُهُ فِي هَذَا أَنَّا إذَا قُلْنَا : تُرَدُّ الْمُبْتَدَأَةُ إلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ وَيُحْكَمُ لَهَا بِالطُّهْرِ ثَلَاثَةَ وَعِشْرِينَ يَوْمًا فَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ : حَيْضُ الْمُتَحَيِّرَةِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنهَا وَبَيْنَ الْمُبْتَدَأَةِ إلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّا نَعْلَمُ ابْتِدَاءَ دَوْرِ الْمُبْتَدَأَةِ دُونَ الْمُتَحَيِّرَةِ فَأَمَّا تَنْزِيلُهَا عَلَى غَالِبِ الْحَيْضِ قِيَاسًا عَلَى الْمُبْتَدَأَةِ فَمُتَّجَهٌ لَا يَنْقَدِحُ غَيْرُهُ فَلْيُقَدَّرْ لَهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ قَدْ تَفْسُدُ بِالسَّبْعَةِ ثَمَانِيَةٌ ، فَيَحْصُلُ لَهَا اثْنَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا قَالَ : فَإِنْ قِيلَ : هَذَا عَوْدٌ إلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْمُتَحَيِّرَةَ تُرَدُّ إلَى مَرَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ قُلْنَا : هِيَ مَقْطُوعَةٌ عَنْهَا فِي ابْتِدَاءِ الدَّوْرِ ، فَأَمَّا رَدُّهَا إلَى الْغَالِبِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَدَدِ الَّذِي انْتَهَى التَّفْرِيعُ إلَيْهِ فَلَا يُتَّجَهُ غَيْرُهُ ، وَأَقْصَى مَا يَتَخَيَّلُهُ الْفَارِقُ أَنَّ الْمُتَحَيِّرَةَ كَانَ لَهَا عَادَاتٌ فَلَا نَأْمَنُ إذَا رُدَّتْ إلَى الْغَالِبِ أَنْ تُخَالِفَ تِلْكَ الْعَادَاتِ ، وَالْمُبْتَدَأَةُ لَمْ يَسْبِقْ لَهَا عَادَةٌ فَهَذَا الْفَرْقُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ 475 رُبَّمَا كَانَتْ تَحِيضُ عَشْرَةً لَوْ لَمْ تَسْتَحِضْ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، أَوْ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ لِأَصْحَابِنَا . وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - : أَنَّهُ يَبْطُلُ عَلَيْهَا مِنْ رَمَضَانَ صَوْمُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ ، وَهِيَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ عِنْدَهُ ; وَهَذَا مُوَافِقٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَمُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَبْطُلُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَتَحْصُلُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ تَامًّا ، أَمَّا إذَا صَامَتْهُ وَكَانَ نَاقِصًا ، وَقُلْنَا بِطَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ : إنَّ الْكُلَّ يَحْصُلُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، فَقَدْ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ بِأَنَّهَا لَا يُحْسَبُ لَهَا مِنْهُ إلَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ; لِأَنَّهُ يَفْسُدُ سِتَّةَ عَشَرَ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ احْتِمَالِ الطُّرُوِّ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ ، وَانْقِطَاعِهِ فِي نِصْفِ السَّادِسِ عَشَرَ فَيَبْقَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَصَاحِبُ الْحَاوِي ، وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الطَّرِيقَتَيْنِ ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا .
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : فَتَصُومُ رَمَضَانَ وَشَهْرًا آخَرَ ، فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي صَامَهُ النَّاسُ نَاقِصًا وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ يَوْمٍ . فَقَدْ حَمَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا صَامَتْ مَعَ النَّاسِ رَمَضَانَ النَّاقِصَ فَحَصَلَ لَهَا مِنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَصَامَتْ شَهْرًا كَامِلًا فَحَصَلَ مِنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَيْضًا فَبَقِيَ يَوْمٌ قَالَ : ; لِأَنَّ الشَّهْرَ الْهِلَالِيَّ لَا يَخْلُو مِنْ طُهْرٍ صَحِيحٍ مُتَفَرِّقًا أَوْ مُتَتَابِعًا ، فَإِذَا كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ طُهْرٍ كَامِلٍ وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ قَالَ : وَمَنْ اعْتَرَضَ عَلَى صَاحِبِ الْمُهَذِّبِ فِي هَذَا فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَجْرَى الْعَادَةَ أَنَّ الشَّهْرَ لَا يَخْلُو مِنْ طُهْرٍ صَحِيحٍ . هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْبَيَانِ فِيهِ وَفِي مُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ وَلَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ ; بَلْ مُجَرَّدُ دَعْوَى لَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ ; بَلْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِمُخَالِفَتِهَا كَمَا سَبَقَ ، بَلْ الصَّوَابُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَصُمْ مَعَ النَّاسِ رَمَضَانَ بَلْ صَامَتْ شَهْرَيْنِ كَامِلَيْنِ غَيْرَ رَمَضَانَ الَّذِي صَامَهُ النَّاسُ نَاقِصًا فَبَقِيَ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهَذَا الَّذِي حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ الْمُصِيرُ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْأَصْحَابِ وَلِلْقَاعِدَةِ مَعَ سَلَامَتِهِ مِنْ دَعْوَى لَا تُقْبَلُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ " فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي صَامَهُ النَّاسُ " وَلَمْ يَقُلْ الَّذِي صَامَتْهُ .
، وَقَدْ أَنْكَرَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ 476 عَلَى الْمُصَنِّفِ وَغَلَّطُوهُ وَأَبْطَلُوا تَأْوِيلَ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَلَا يَصِحُّ الْإِنْكَارُ عَلَى الْمُصَنِّفِ ، بَلْ كَلَامُهُ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الَّذِي قُلْنَا مِنْ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَصُمْ رَمَضَانَ النَّاقِصَ وَصَامَتْ شَهْرَيْنِ كَامِلَيْنِ غَيْرَهُ ، يَبْقَى عَلَيْهَا يَوْمٌ ، هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ النَّاقِصَ كَفَاهُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا ، وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ هُنَا وَحَكَاهُ غَيْرُهُ ، وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith