المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الأول
( الشَّرْحُ ) : هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ : أَنَّ أَحَدَهُمَا فِي الْأُمِّ وَالْآخَرَ فِي حَرْمَلَةَ ، وَكَذَا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : الْقَوْلَانِ نَقَلَهُمَا حَرْمَلَةُ وَنَقَلَهُمَا الْمُزَنِيّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ : هَذَانِ الْقَوْلَانِ نَقَلَهُمَا الْمُزَنِيّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ : نُصَّ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ ، وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ : يَطْهُرُ ، وَقَالَ فِي حَرْمَلَةَ : لَا يَطْهُرُ ، كَذَا قَالَ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ حَرْمَلَةَ لَا يَطْهُرُ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَ هُوَ فِي الْمَجْمُوعِ ، وَصَاحِبُ 185 الْمُهَذَّبِ ، وَالْجُمْهُورُ عَنْ حَرْمَلَةَ : أَنَّهُ يَطْهُرُ ، وَلَكِنْ ذَكَرْنَا عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَصَاحِبِ الشَّامِلِ أَنَّهُمَا نَقَلَا عَنْ حَرْمَلَةَ نَقْلَ الْقَوْلَيْنِ فَصَحَّ نَقْلُهُ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ حَرْمَلَةَ وَنَقْلُ الْأَصْحَابِ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُصَنِّفُونَ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ ، فَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ ، وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ الطَّهَارَةَ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَالْقَاضِي وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرُّوذِيِّ ، وَصَحَّحَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَقَطَعَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الْكَافِي وَآخَرُونَ .
وَاحْتَجَّ لَهُ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ وَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِ التَّغَيُّرِ ، وَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي سَبَبِ الْإِبَاحَةِ لَمْ تَثْبُتْ الْإِبَاحَةُ ، كَمَا لَوْ رَأَى شَاةً مَذْبُوحَةً فِي مَوْضِعٍ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَمَجُوسٌ ، وَشَكَّ هَلْ ذَبَحَهَا الْمَجُوسِيُّ أَوْ الْمُسْلِمُ ؟ لَا تُبَاحُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ كَدِرًا وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ ، أَمَّا إذَا صَفَا فَلَا يَبْقَى خِلَافٌ ، بَلْ إنْ كَانَ التَّغَيُّرُ مَوْجُودًا فَنَجِسٌ قَطْعًا وَإِلَّا فَطَاهِرٌ قَطْعًا ، كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ أَوْ الرَّائِحَةِ فَفِي الْجَمِيعِ الْقَوْلَانِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ : عِنْدِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إذَا تَغَيَّرَ بِالرَّائِحَةِ ، فَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بِالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ فَلَا يَطْهُرُ قَطْعًا ; لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِالتُّرَابِ ، قَالَ : وَهَذَا تَحْقِيقٌ لَوْ عُرِضَ عَلَى الْأَئِمَّةِ لَقَبِلُوهُ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ ، وَخِلَافُ مُقْتَضَى إطْلَاقِ مَنْ أَطْلَقَ مِنْهُمْ ، وَخِلَافُ تَصْرِيحِ الْبَاقِينَ ، فَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِهِمْ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ ، قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ : إنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ لَوْنٌ كَالْخَلِّ ، فَأَزَالَ تَغَيُّرَهُ أَوْ تَغَيُّرَ رِيحِهِ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ رِيحٌ كَالْكَافُورِ فَأَزَالَهُ لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ ، قَالَ : وَإِنْ طُرِحَ عَلَيْهِ مَا لَا رِيحَ لَهُ وَلَا لَوْنَ كَالتُّرَابِ وَغَيْرِهِ فَأَزَالَهُ فَقَوْلَانِ .
وَقَالَ هُوَ فِي الْمَجْمُوعِ : إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُ الْمَاءِ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ نَجِسَ وَيَطْهُرُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَخَامِسٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَذَكَرَ زَوَالَهُ بِنَفْسِهِ وَبِمَا يُضَافُ 186 إلَيْهِ أَوْ يَنْبَعُ فِيهِ أَوْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ أَنْ يَزُولَ بِالتُّرَابِ فَقَوْلَانِ ، ثُمَّ قَالَ : وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى تَغَيَّرَ طَعْمُ الْمَاءِ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ طَعْمٌ ، أَوْ رِيحُهُ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ رِيحٌ ، أَوْ لَوْنُهُ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ لَوْنٌ ، لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَا طَعْمَ لَهُ وَلَا لَوْنَ وَلَا رِيحَ فَأَزَالَ تَغَيُّرَهُ فَهَلْ يَطْهُرُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، هَذَا كَلَامُ الْمَحَامِلِيِّ .
وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ : إنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَطُرِحَ فِيهِ زَعْفَرَانٌ أَوْ رِيحُهُ فَطُرِحَ فِيهِ مِسْكٌ لَمْ يَطْهُرْ ، وَإِنْ طُرِحَ تُرَابٌ فَهَلْ يَطْهُرُ قَبْلَ أَنْ يَصْفُوَ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : لَا يَطْهُرُ ; لِأَنَّ زَوَالَ لَوْنِ النَّجَاسَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ لَوْنَ التُّرَابِ غَلَبَهُ ، وَقَالَ الْفُورَانِيُّ : إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ فَغَيَّرَتْ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ ، فَإِنْ زَالَ التَّغَيُّرُ بِزَعْفَرَانٍ ، لَمْ يَطْهُرْ ، وَإِنْ زَالَ بِتُرَابٍ فَقَوْلَانِ ، الْأَصَحُّ : لَا يَطْهُرُ ; لِأَنَّهُ يَسْتُرُ لَوْنَ النَّجَاسَةِ .
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ يَطْهُرُ ; لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَغْلِبُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ ، وَالْأَصَحُّ : لَا يَطْهُرُ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ إلَّا أَنَّهُ يُكَدِّرُ الْمَاءَ ، وَالْكُدُورَةُ سَبَبُ السَّتْرِ ، قَالَ : وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ : أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ التُّرَابِ مَفْرُوضٌ فِي التَّغَيُّرِ بِالرَّائِحَةِ ، فَأَمَّا اللَّوْنُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التُّرَابُ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَالْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ سَاكِتَةٌ عَنْ هَذَا التَّفْصِيلِ ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَوْصَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَإِنْ طُرِحَ فِيهِ تُرَابٌ أَوْ جِصٌّ " فَفِيهِ قَوْلَانِ ، فَكَذَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ ، فَطَرَدُوا الْقَوْلَيْنِ فِي الْجِصِّ وَالنُّورَةِ الَّتِي لَمْ تُحْرَقْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِغَالِبٍ لِصِفَةِ تَغَيُّرِ الْمَاءِ وَقِيلَ : الْقَوْلَانِ فِي التُّرَابِ فَقَطْ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا ، وَالصَّحِيحُ : الْأَوَّلُ قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَقَدْ نَقَلَ الْمُزَنِيّ وَحَرْمَلَةُ النُّورَةَ صَرِيحًا وَنَقَلَا فِيهَا الْقَوْلَيْنِ . وَيُقَالُ : جِصٌّ ( بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا ) لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ ، وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ . وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : قَالَ فِي الْأُمِّ وَقَالَ فِي حَرْمَلَةَ ، يَعْنِي قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ ( الْأُمِّ ) ، وَهُوَ الْكِتَابُ الْمَعْرُوفُ رَوَاهُ عَنْهُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ 187 الْمُرَادِيُّ ، وَقَوْلُهُ : قَالَ فِي حَرْمَلَةَ يَعْنِي الشَّافِعِيَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي يَرْوِيهِ حَرْمَلَةُ عَنْهُ ، فَسُمِّيَ الْكِتَابُ بِاسْمِ رَاوِيهِ وَنَاقِلِهِ وَهُوَ حَرْمَلَةُ مَجَازًا وَاتِّسَاعًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْبُوَيْطِيِّ ، وَهُوَ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ قُرَادٍ التُّجِيبِيُّ بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ ، وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا وَالضَّمُّ أَشْهَرُ ، الْمِصْرِيُّ أَبُو حَفْصٍ وَقِيلَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ شَيْخُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ صَاحِبُ الصَّحِيحِ ، أَكْثَرَ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ فِي صَحِيحِهِ ، وَكَفَى بِذَلِكَ لَهُ شَرَفًا وَفَضْلًا ، وُلِدَ سَنَةَ : سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ : ثَلَاثِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَقِيلَ : سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنْ قِيلَ : إذَا زَالَ التَّغَيُّرُ بِالتُّرَابِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لِكَوْنِهِ مُتَغَيِّرًا بِتُرَابٍ مُتَنَجِّسٍ ، قُلْنَا : هَذَا خَيَالٌ فَاسِدٌ ; لِأَنَّ نَجَاسَةَ التُّرَابِ نَجَاسَةٌ مُجَاوِرَةٌ لِلْمَاءِ النَّجِسِ ، فَإِذَا زَالَتْ نَجَاسَةُ الْمَاءِ طَهُرَ التُّرَابُ وَالْمَاءُ جَمِيعًا ; لِأَنَّ عَيْنَهُ طَاهِرَةٌ
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُصَنِّفُونَ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ ، فَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ ، وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ الطَّهَارَةَ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَالْقَاضِي وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرُّوذِيِّ ، وَصَحَّحَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَقَطَعَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الْكَافِي وَآخَرُونَ .
وَاحْتَجَّ لَهُ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ وَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِ التَّغَيُّرِ ، وَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي سَبَبِ الْإِبَاحَةِ لَمْ تَثْبُتْ الْإِبَاحَةُ ، كَمَا لَوْ رَأَى شَاةً مَذْبُوحَةً فِي مَوْضِعٍ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَمَجُوسٌ ، وَشَكَّ هَلْ ذَبَحَهَا الْمَجُوسِيُّ أَوْ الْمُسْلِمُ ؟ لَا تُبَاحُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ كَدِرًا وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ ، أَمَّا إذَا صَفَا فَلَا يَبْقَى خِلَافٌ ، بَلْ إنْ كَانَ التَّغَيُّرُ مَوْجُودًا فَنَجِسٌ قَطْعًا وَإِلَّا فَطَاهِرٌ قَطْعًا ، كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ أَوْ الرَّائِحَةِ فَفِي الْجَمِيعِ الْقَوْلَانِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ : عِنْدِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إذَا تَغَيَّرَ بِالرَّائِحَةِ ، فَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بِالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ فَلَا يَطْهُرُ قَطْعًا ; لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِالتُّرَابِ ، قَالَ : وَهَذَا تَحْقِيقٌ لَوْ عُرِضَ عَلَى الْأَئِمَّةِ لَقَبِلُوهُ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ ، وَخِلَافُ مُقْتَضَى إطْلَاقِ مَنْ أَطْلَقَ مِنْهُمْ ، وَخِلَافُ تَصْرِيحِ الْبَاقِينَ ، فَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِهِمْ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ ، قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ : إنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ لَوْنٌ كَالْخَلِّ ، فَأَزَالَ تَغَيُّرَهُ أَوْ تَغَيُّرَ رِيحِهِ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ رِيحٌ كَالْكَافُورِ فَأَزَالَهُ لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ ، قَالَ : وَإِنْ طُرِحَ عَلَيْهِ مَا لَا رِيحَ لَهُ وَلَا لَوْنَ كَالتُّرَابِ وَغَيْرِهِ فَأَزَالَهُ فَقَوْلَانِ .
وَقَالَ هُوَ فِي الْمَجْمُوعِ : إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُ الْمَاءِ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ نَجِسَ وَيَطْهُرُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَخَامِسٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَذَكَرَ زَوَالَهُ بِنَفْسِهِ وَبِمَا يُضَافُ 186 إلَيْهِ أَوْ يَنْبَعُ فِيهِ أَوْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ أَنْ يَزُولَ بِالتُّرَابِ فَقَوْلَانِ ، ثُمَّ قَالَ : وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى تَغَيَّرَ طَعْمُ الْمَاءِ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ طَعْمٌ ، أَوْ رِيحُهُ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ رِيحٌ ، أَوْ لَوْنُهُ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ لَوْنٌ ، لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَا طَعْمَ لَهُ وَلَا لَوْنَ وَلَا رِيحَ فَأَزَالَ تَغَيُّرَهُ فَهَلْ يَطْهُرُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، هَذَا كَلَامُ الْمَحَامِلِيِّ .
وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ : إنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَطُرِحَ فِيهِ زَعْفَرَانٌ أَوْ رِيحُهُ فَطُرِحَ فِيهِ مِسْكٌ لَمْ يَطْهُرْ ، وَإِنْ طُرِحَ تُرَابٌ فَهَلْ يَطْهُرُ قَبْلَ أَنْ يَصْفُوَ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : لَا يَطْهُرُ ; لِأَنَّ زَوَالَ لَوْنِ النَّجَاسَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ لَوْنَ التُّرَابِ غَلَبَهُ ، وَقَالَ الْفُورَانِيُّ : إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ فَغَيَّرَتْ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ ، فَإِنْ زَالَ التَّغَيُّرُ بِزَعْفَرَانٍ ، لَمْ يَطْهُرْ ، وَإِنْ زَالَ بِتُرَابٍ فَقَوْلَانِ ، الْأَصَحُّ : لَا يَطْهُرُ ; لِأَنَّهُ يَسْتُرُ لَوْنَ النَّجَاسَةِ .
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ يَطْهُرُ ; لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَغْلِبُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ ، وَالْأَصَحُّ : لَا يَطْهُرُ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ إلَّا أَنَّهُ يُكَدِّرُ الْمَاءَ ، وَالْكُدُورَةُ سَبَبُ السَّتْرِ ، قَالَ : وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ : أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ التُّرَابِ مَفْرُوضٌ فِي التَّغَيُّرِ بِالرَّائِحَةِ ، فَأَمَّا اللَّوْنُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التُّرَابُ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَالْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ سَاكِتَةٌ عَنْ هَذَا التَّفْصِيلِ ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَوْصَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَإِنْ طُرِحَ فِيهِ تُرَابٌ أَوْ جِصٌّ " فَفِيهِ قَوْلَانِ ، فَكَذَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ ، فَطَرَدُوا الْقَوْلَيْنِ فِي الْجِصِّ وَالنُّورَةِ الَّتِي لَمْ تُحْرَقْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِغَالِبٍ لِصِفَةِ تَغَيُّرِ الْمَاءِ وَقِيلَ : الْقَوْلَانِ فِي التُّرَابِ فَقَطْ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا ، وَالصَّحِيحُ : الْأَوَّلُ قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَقَدْ نَقَلَ الْمُزَنِيّ وَحَرْمَلَةُ النُّورَةَ صَرِيحًا وَنَقَلَا فِيهَا الْقَوْلَيْنِ . وَيُقَالُ : جِصٌّ ( بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا ) لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ ، وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ . وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : قَالَ فِي الْأُمِّ وَقَالَ فِي حَرْمَلَةَ ، يَعْنِي قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ ( الْأُمِّ ) ، وَهُوَ الْكِتَابُ الْمَعْرُوفُ رَوَاهُ عَنْهُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ 187 الْمُرَادِيُّ ، وَقَوْلُهُ : قَالَ فِي حَرْمَلَةَ يَعْنِي الشَّافِعِيَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي يَرْوِيهِ حَرْمَلَةُ عَنْهُ ، فَسُمِّيَ الْكِتَابُ بِاسْمِ رَاوِيهِ وَنَاقِلِهِ وَهُوَ حَرْمَلَةُ مَجَازًا وَاتِّسَاعًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْبُوَيْطِيِّ ، وَهُوَ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ قُرَادٍ التُّجِيبِيُّ بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ ، وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا وَالضَّمُّ أَشْهَرُ ، الْمِصْرِيُّ أَبُو حَفْصٍ وَقِيلَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ شَيْخُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ صَاحِبُ الصَّحِيحِ ، أَكْثَرَ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ فِي صَحِيحِهِ ، وَكَفَى بِذَلِكَ لَهُ شَرَفًا وَفَضْلًا ، وُلِدَ سَنَةَ : سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ : ثَلَاثِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَقِيلَ : سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنْ قِيلَ : إذَا زَالَ التَّغَيُّرُ بِالتُّرَابِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لِكَوْنِهِ مُتَغَيِّرًا بِتُرَابٍ مُتَنَجِّسٍ ، قُلْنَا : هَذَا خَيَالٌ فَاسِدٌ ; لِأَنَّ نَجَاسَةَ التُّرَابِ نَجَاسَةٌ مُجَاوِرَةٌ لِلْمَاءِ النَّجِسِ ، فَإِذَا زَالَتْ نَجَاسَةُ الْمَاءِ طَهُرَ التُّرَابُ وَالْمَاءُ جَمِيعًا ; لِأَنَّ عَيْنَهُ طَاهِرَةٌ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith