المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثالث
الصفحة 1883 · ص. المطبوع 410 · الشرح
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّهُ تَمَامُ الْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي الرُّكُوعِ { ۝ إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي رُكُوعِهِ : سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا ، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ ، وَإِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي سُجُودِهِ : سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَآخَرُونَ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ ، وَسَبَقَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ بَيَانُ تَضْعِيفِهِ وَبَيَانُ مَعْنَى " تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ " ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ : " أَمَا إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا إلَى آخِرِهِ فَرَوَاهَا كُلَّهَا مُسْلِمٌ بِلَفْظِهَا هُنَا ، وَحَدِيثُ : " أَمَا إنِّي نُهِيتُ " مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
وَأَمَّا شَرْحُ أَلْفَاظِهَا فَتَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ بَيَانُ حَقِيقَةِ التَّسْبِيحِ .
وَقَوْلُهُ : " وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ " اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ : الْأُذُنُ مِنْ الْوَجْهِ ، وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ ، وَمَعْنَى شَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ، أَيْ مَنْفَذَهُمَا ، وَقَوْلُهُ : " تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " أَيْ تَعَالَى ، وَالْبَرَكَةُ : النَّمَاءُ وَالْعُلُوُّ ، حَكَاهُ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ .
وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : تَبَرَّكَ الْعِبَادُ بِتَوْحِيدِهِ 410 وَذِكْرِ اسْمِهِ ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : مَعْنَاهُ ثَبَتَ الْخَيْرُ عِنْدَهُ ، وَقِيلَ : تَعَظَّمَ وَتَمَجَّدَ قَالَهُ الْخَلِيلُ ، وَهُوَ بِمَعْنَى تَعْظِيمٍ وَقِيلَ : اسْتَحَقَّ التَّعْظِيمَ ، وَقَوْلُهُ : ( أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) أَيْ الْمُصَوِّرِينَ وَالْمُقَدِّرِينَ . وَقَوْلُهُ : " سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ " بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَبِفَتْحٍ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ أَفْصَحُهُمَا وَأَكْثَرُهُمَا الضَّمُّ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هُمَا صِفَتَانِ لِلَّهِ تَعَالَى : وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَالتِّرْمِذِيُّ : اسْمَانِ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرُهُ وَمَعْنَاهُ : مُسَبَّحٌ مُقَدَّسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَعْنَاهُ الْمُبَرَّأُ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ وَمِنْ الشَّرِيكِ وَمِنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِالْإِلَهِيَّةِ ، وَالرِّوَايَةُ هَكَذَا : سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ بِالرَّفْعِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ : وَقِيلَ : سُبُّوحًا قُدُّوسًا بِالنَّصْبِ أَيْ أُسَبِّحُ سُبُّوحًا أَوْ أُعَظِّمُ أَوْ أَذْكُرُ أَوْ أَعْبُدُ .
وَقَوْلُهُ : " رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ " قِيلَ : الرُّوحُ جِبْرِيلُ وَقِيلَ : مَلَكٌ عَظِيمٌ أَعْظَمُ الْمَلَائِكَةِ خَلْقًا ، وَقِيلَ : أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ ، وَقِيلَ : خَلْقٌ كَالنَّاسِ لَيْسُوا بِنَاسٍ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَقَمِنٌ " هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَيُقَالُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا : قَمِينٌ وَمَعْنَاهُ حَقِيقٌ ، وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ أَكْمَلَ بَسْطٍ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ .
( أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ ) فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ : يُسَنُّ التَّسْبِيحُ فِي السُّجُودِ ، وَالِاجْتِهَادُ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ : " اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ " إلَى آخِرِ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَدْنَى السُّنَّةِ التَّسْبِيحُ وَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَسُبُّوحٌ قُدُّوسٌ وَالدُّعَاءُ ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ : فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ ، فَعَلَى التَّسْبِيحِ أَوْلَى ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَعُودُ هُنَا ، وَسَبَقَ هُنَاكَ أَذْكَارُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ جَمِيعًا . وَمِمَّا لَمْ يَسْبِقْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ ، دِقَّهُ وَجُلَّهُ ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { ۝ قَالَتْ : فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدَيَّ عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَبِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ هَذَا 411 كُلَّهُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ عَلَى ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْقَوْمُ الْمَحْصُورُونَ ، وَفِيهِ كَلَامٌ ذَكَرْتُهُ فِي ذِكْرِ الرُّكُوعِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ إمَامًا فَيُثْقِلُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ ، أَوْ مَأْمُومًا فَيُخَالِفُ إمَامَهُ ، قَالَ : وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي الذِّكْرِ سَوَاءٌ . وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا النَّصَّ عَنْ الْأُمِّ ، وَنَقَلَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ لَا يَدْعُو لِئَلَّا يُثْقِلَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ . قَالَ أَبُو حَامِدٍ : النَّصَّانِ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى ، يَعْنِي أَنَّهُ يَدْعُو بِحَيْثُ لَا يُطَوِّلُ عَلَيْهِمْ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِ حَالَةِ الْقِيَامِ لِلْحَدِيثِ ، فَلَوْ قَرَأَ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَفِي الْفَاتِحَةِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ وَسَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ سَبَقَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ بَيَانُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ التَّسْبِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث