المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثالث
page 1962 · printed p. 482 · commentary
( السَّادِسَةُ ) إذَا قَنَتَ الْإِمَامُ فِي الصُّبْحِ هَلْ يَجْهَرُ بِالْقُنُوتِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، وَحَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَجْهَرُ كَالتَّشَهُّدِ وَكَسَائِرِ الدَّعَوَاتِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ ، وَبِهِ قَطَعَ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَيَحْتَجُّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا عَنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قُنُوتِ النَّازِلَةِ ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ سَأَلَ الرَّحْمَةَ أَوْ اسْتَعَاذَ مِنْ الْعَذَابِ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُوَافِقُهُ فِي السُّؤَالِ ، وَلَا يُؤَمِّنُ ، وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْمُتَوَلِّي وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيُسِرُّ بِهِ بِلَا خِلَافٍ ، صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَأَمَّا الْمَأْمُومُ - فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجْهَرُ الْإِمَامُ - قَنَتَ وَأَسَرَّ . وَإِنْ قُلْنَا : يَجْهَرُ الْإِمَامُ فَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ الْإِمَامَ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَاءِ الْإِمَامِ وَلَا يَقْنُتُ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ ( وَالثَّانِي ) يَتَخَيَّرُ بَيْنَ التَّأْمِينِ وَالْقُنُوتِ فَإِنْ قُلْنَا يُؤَمِّنُ فِي ( أَحَدِهِمَا ) يُؤَمِّنُ فِي الْجَمِيعِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ : يُؤَمِّنُ فِي الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ الَّتِي هِيَ دُعَاءٌ . وَأَمَّا الثَّنَاءُ وَهُوَ قَوْلُهُ : فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ إلَى آخِرِهِ فَيُشَارِكُهُ فِي قَوْلِهِ أَوْ يَسْكُتُ ، وَالْمُشَارَكَةُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ ثَنَاءٌ وَذِكْرٌ لَا يَلِيقُ فِيهِ التَّأْمِينُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ لِبُعْدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقُلْنَا لَوْ سَمِعَ لَأَمَّنَ فَهَهُنَا وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَقْنُتُ ( وَالثَّانِي ) يُؤَمِّنُ ، وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ إذَا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ . هَذَا كُلُّهُ فِي الصُّبْحِ وَفِيمَا إذَا قَنَتَ فِي الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ .
وَأَمَّا إذَا قَنَتَ فِي بَاقِي الْمَكْتُوبَاتِ حَيْثُ قُلْنَا بِهِ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُسِرُّ بِهِ فِي السِّرِّيَّاتِ ، وَفِي جَهْرِهِ بِهِ فِي الْجَهْرِيَّاتِ الْوَجْهَانِ ، قَالَ 482 وَإِطْلَاقُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي طَرْدَ الْخِلَافِ فِي الْجَمِيعِ . قَالَ وَحَدِيثُ قُنُوتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ، هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَالصَّحِيحُ أَوْ الصَّوَابُ اسْتِحْبَابُ الْجَهْرِ ، فَفِي الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ } عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهَرَ بِالْقُنُوتِ فِي قُنُوتِ النَّازِلَةِ } وَفِي الْجَهْرِ بِالْقُنُوتِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ سَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْقُنُوتِ . وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي اسْتِحْبَابِ تَأْمِينِ الْمَأْمُومِ عَلَى قُنُوتِ الْإِمَامِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : { ۝ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ، إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمْدَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَوْ صَحِيحٍ .
( السَّابِعَةُ ) فِي أَلْفَاظِ الْفَصْلِ ، الْقُنُوتُ فِي اللُّغَةِ لَهُ مَعَانٍ ، مِنْهَا الدُّعَاءُ ، وَلِهَذَا سُمِّيَ هَذَا الدُّعَاءُ قُنُوتًا ، وَيُطْلَقُ عَلَى الدُّعَاءِ بِخَيْرٍ وَشَرٍّ ، يُقَالُ : قَنَتَ لَهُ وَقَنَتَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ ثُمَّ تَرَكَهُ " مَعْنَاهُ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَهُ الْقُرَّاءَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالنُّونِ - وَقَوْلُهُ " ثُمَّ تَرَكَهُ " فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَكَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ :
( أَحَدُهُمَا ) تَرَكَ الْقُنُوتَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ ( وَالثَّانِي ) تَرَكَ الدُّعَاءَ عَلَيْهِمْ وَلَعْنَتَهُمْ ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَتْرُكْهُ . قَوْلُهُ " لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ " هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الذَّالِ ، قَوْلُهُ " وَنَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ " أَيْ نَتْرُكُ مَنْ يَعْصِيكَ وَيُلْحِدُ فِي صِفَاتِكَ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ ، قَوْلُهُ " وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ " هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ ، أَيْ نُسَارِعُ إلَى طَاعَتِكَ وَأَصْلُ الْحَفْدِ الْعَمَلُ وَالْخِدْمَةُ . قَوْلُهُ " إنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ " هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ ، أَيْ الْحَقَّ ، وَلَمْ تَقَعْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي الْمُهَذَّبِ . قَوْلُهُ " مُلْحِقٌ " الْأَشْهَرُ فِيهِ كَسْرُ الْحَاءِ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَكْثَرِينَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ . 483 وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ فِيهِ الْفَتْحَ ، فَمَنْ فَتَحَ فَمَعْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِمْ ، وَمَنْ كَسَرَ مَعْنَاهُ لَحِقَ ، كَمَا يُقَالُ : أَنْبَتَ الزَّرْعُ بِمَعْنَى نَبَتَ قَوْلُهُ " وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ " أَيْ أُمُورَهُمْ وَمُوَاصَلَاتِهِمْ قَوْلُهُ " وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ " أَيْ اجْمَعْهَا عَلَى الْخَيْرِ . قَوْلُهُ " الْحِكْمَةُ " فَهِيَ كُلُّ مَا مَنَعَ الْقَبِيحَ . قَوْلُهُ " وَأَوْزِعْهُمْ " أَيْ أَلْهِمْهُمْ ، قَوْلُهُ " وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ " أَيْ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، قَوْلُهُ { ۝ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْفَعْ الْيَدَ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ : فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَالِاسْتِنْصَارِ وَعَشِيَّةِ عَرَفَةَ } وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِنْصَارِ الدُّعَاءُ بِالنَّصْرِ عَلَى الْكُفَّارِ .
قَوْلُهُ " لِمَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ " هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سَبْطُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَيْحَانَتُهُ ، اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِ وِلَادَتِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ فِي نِصْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ . وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَقِيلَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ( وَأَمَّا أَبُو رَافِعٍ ) الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ قُنُوتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَهُوَ أَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ وَاسْمُهُ نُفَيْعٌ - بِضَمِّ النُّونِ - مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَأَخْيَارِهِمْ بَكَى حِينَ أُعْتِقَ وَقَالَ : كَانَ لِي أَجْرَانِ فَذَهَبَ أَحَدُهُمَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith