المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثالث
page 1995 · printed p. 507 · commentary
( الشَّرْحُ ) الْوِتْرُ سُنَّةٌ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ ، وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ بِلَا خِلَافٍ ، وَأَدْنَى كَمَالِهِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ ، وَأَكْمَلُ مِنْهُ خَمْسٌ ثُمَّ سَبْعٌ ثُمَّ تِسْعٌ ثُمَّ إحْدَى عَشْرَةَ وَهِيَ أَكْثَرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّ أَكْثَرَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، وَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ وَمَنْ قَالَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ يَتَأَوَّلُهَا عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ حَسَبَ مَعَهَا سُنَّةَ الْعِشَاءِ ، وَلَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَمْ يَجُزْ ، وَلَمْ يَصِحَّ وِتْرُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ - حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ - أَنَّهُ يَجُوزُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ عَلَى أَوْجُهٍ مِنْ أَعْدَادٍ مِنْ الرَّكَعَاتِ ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ انْحِصَارِهِ .
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَعْدَادِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَمْ يُجَاوِزْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَلَمْ يُنْقَلْ مُجَاوَزَتُهَا فَدَلَّ عَلَى امْتِنَاعِهَا ، وَالْخِلَافُ شَبِيهٌ بِالْخِلَافِ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ فِيمَا زَادَ عَلَى إقَامَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَفِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى انْتِظَارَيْنِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ، وَإِذَا أَوْتَرَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ فَمَا دُونَهَا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ ، فَإِنْ أَرَادَ جَمْعَهَا بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ فِي آخِرِهَا كُلِّهَا جَازَ ، وَإِنْ أَرَادَهَا بِتَشَهُّدَيْنِ وَسَلَامٍ وَاحِدٍ يَجْلِسُ فِي الْآخِرَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا جَازَ . وَحَكَى الْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِتَشَهُّدَيْنِ ، بَلْ يُشْتَرَطُ الِاقْتِصَارُ عَلَى تَشَهُّدٍ وَاحِدٍ ، وَحَمَلَ هَذَا الْقَائِلُ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ بِتَشَهُّدَيْنِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ فِي كُلِّ تَشَهُّدٍ . قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا الْوَجْهُ رَدِيءٌ لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ . وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا عَكْسَهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَى تَشَهُّدٍ وَاحِدٍ ، 507 وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ غَلَطٌ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُصَرِّحَةٌ بِإِبْطَالِهِمَا ، وَالصَّوَابُ جَوَازُ ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ . وَلَكِنْ هَلْ الْأَفْضَلُ تَشَهُّدٌ أَمْ تَشَهُّدَانِ ؟ أَمْ هُمَا مَعًا فِي الْفَضِيلَةِ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ تَشَهُّدًا فَقَطْ ، أَمَّا إذَا زَادَ عَلَى تَشَهُّدَيْنِ وَجَلَسَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَاقْتَصَرَ عَلَى السَّلَامِ فِي الْآخِرَةِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ .
( أَحَدُهُمَا ) يَجُوزُ وَيَصِحُّ وِتْرُهُ كَمَا لَوْ صَلَّى نَافِلَةً مُطْلَقَةً بِتَشَهُّدَاتٍ وَسَلَامٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَالثَّانِي ) وَهُوَ الصَّحِيحُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَذَا قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ أَنَّ النَّوَافِلَ الْمُطْلَقَةَ لَا حَصْرَ لِرَكَعَاتِهَا وَتَشَهُّدَاتِهَا بِخِلَافِ الْوِتْرِ ، وَإِذَا أَرَادَ الْإِتْيَانَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَفِي الْأَفْضَلِ أَوْجُهٌ ( الصَّحِيحُ ) أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَفْصُولَةً بِسَلَامَيْنِ لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ ، وَلِكَثْرَةِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهُ تَتَجَدَّدُ النِّيَّةُ وَدُعَاءُ التَّوَجُّهِ وَالدُّعَاءُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ ( وَالثَّانِي ) إنْ وَصَلَهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَفْضَلُ ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يُصَحِّحُ الْمَفْصُولَةَ ( وَالثَّالِثُ ) إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَالْفَصْلُ أَفْضَلُ ، وَإِنْ كَانَ إمَامًا فَالْوَصْلُ حَتَّى تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِكُلِّ الْمُقْتَدِينَ ( وَالرَّابِعُ ) عَكْسُهُ ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهَلْ الثَّلَاثُ الْمَوْصُولَةُ أَفْضَلُ أَمْ الرَّكْعَةُ فَرْدَةً ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ حَكَاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ ( الصَّحِيحُ ) أَنَّ الثَّلَاثَ أَفْضَلُ وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ ( وَالثَّانِي ) الْفَرْدَةُ أَفْضَلُ ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَغَلَا هَذَا الْقَائِلُ فَقَالَ : الرَّكْعَةُ الْفَرْدَةُ أَفْضَلُ مِنْ إحْدَى عَشْرَةَ مَوْصُولَةً ( وَالثَّالِثُ ) إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَالْفَرْدَةُ أَفْضَلُ ، وَإِنْ كَانَ إمَامًا فَالثَّلَاثُ الْمَوْصُولَةُ أَفْضَلُ ، ثُمَّ إنَّ الْخِلَافَ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَصْلِ بِثَلَاثٍ أَمَّا الْوَصْلُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَلَاثٍ فَالْفَصْلُ أَفْضَلُ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ ، ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ إنْ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ نَوَى بِهَا الْوِتْرَ ، وَإِنْ أَوْتَرَ بِأَكْثَرَ وَاقْتَصَرَ عَلَى تَسْلِيمَةٍ نَوَى الْوِتْرَ أَيْضًا ، وَإِذَا فَصَلَ الرَّكْعَتَيْنِ بِالسَّلَامِ وَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ نَوَى بِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْوِتْرِ ، هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ ، وَلَهُ أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ هَذَا مِمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith