المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الرابع
259 الشَّرْحُ ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَزَادَ فِيهِ : قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ وَقَوْلُهُ : قَالَ مَالِكٌ : أُرَى ذَلِكَ - هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ - أَيْ أَظُنُّهُ .
، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الْإِمَامُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا مِثْلَهُ ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ مَرْدُودٌ بِرِوَايَةٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، وَلَا مَطَرٍ } وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَهُوَ إمَامٌ مُتَّفَقٌ عَلَى تَوْثِيقِهِ وَعَدَالَتِهِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا الْبُخَارِيُّ مَعَ أَنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ مِنْ شَرْطِهِ .
قَالَ : وَلَعَلَّهُ تَرَكَهَا لِمُخَالَفَتِهَا رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ بِأَنْ تَكُونَ مَحْفُوظَةً أَوْلَى ، يَعْنِي رِوَايَةَ الْجُمْهُورِ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، وَلَا سَفَرٍ .
قَالَ : وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنٍ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ الْجَمْعَ فِي الْمَطَرِ ، وَذَلِكَ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِالْمَطَرِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ : وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ ، قَدْ يُحْمَلُ عَلَى الْمَطَرِ ، أَيْ لَا يُلْحِقُهُمْ مَشَقَّةً بِالْمَشْيِ فِي الطِّينِ إلَى الْمَسْجِدِ .
وَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ رِوَايَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، وَلَا مَطَرٍ بِجَوَابَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) مَعْنَاهُ ، وَلَا مَطَرٍ كَثِيرٍ ( وَالثَّانِي ) : أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِرِوَايَةِ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، وَلَا سَفَرٍ : الْجَمْعُ بِالْمَطَرِ ، وَالْمُرَادُ بِرِوَايَةِ : وَلَا مَطَرٍ الْجَمْعُ الْمَجَازِيُّ ، وَهُوَ أَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى إلَى آخِرِ وَقْتِهَا ، وَيُقَدِّمَ الثَّانِيَةَ إلَى أَوَّلِ وَقْتِهَا .
هَذَا كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ الثَّانِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : قُلْت : يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ قَالَ : وَأَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ .
وَأَجَابَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ فِي تَهْذِيبِهِ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ قَوْلَهُ ، وَلَا مَطَرٍ ، أَيْ ، وَلَا مَطَرٍ مُسْتَدَامٍ ، فَلَعَلَّهُ انْقَطَعَ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ .
وَنَقَلَ صَاحِبُ الشَّامِلِ هَذَا الْجَوَابَ عَنْ أَصْحَابِنَا ، وَأَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَظِلًّا بِسَقْفٍ وَنَحْوِهِ ، وَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ كُلُّهَا لَيْسَتْ ظَاهِرَةً ، وَالْمُخْتَارُ مَا أَجَابَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ .
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي مَسْجِدٍ لَيْسَ فِي طَرِيقِهِ إلَيْهِ مَطَرٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ .
قَالَ فِي الْقَدِيمِ : لَا تَجُوزُ ، وَفِي الْإِمْلَاءِ يَجُوزُ ، هَكَذَا 260 وَقَعَ فِي نُسَخِ الْمُهَذَّبِ فِي الْقَدِيمِ : لَا يَجُوزُ ، وَفِي الْإِمْلَاءِ : يَجُوزُ ، وَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ .
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ فَقَالُوا : قَالَ فِي الْأُمِّ : لَا يَجُوزُ ، وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ : يَجُوزُ فَلَمْ يَذْكُرُوا الْقَدِيمَ فَحَصَلَ مِنْ نَقْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْمَحَامِلِيِّ مَعَ نَقْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْجَوَازَ مُخْتَصٌّ بِالْإِمْلَاءِ ، وَالْمَنْعُ مَنْصُوصٌ فِي الْأُمِّ وَالْقَدِيمِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِمْلَاءَ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ ، وَقَدْ يَتَوَهَّمُ مَنْ لَا يَرَى كَلَامَ الْأَصْحَابِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ جَوَازَ الْجَمْعِ أَصَحُّ مِنْ مَنْعِهِ ، حَيْثُ ذَكَرَ الْجَوَازَ عَنْ إمْلَاءٍ ، وَهُوَ جَدِيدٌ ، وَالْمَنْعُ عَنْ الْقَدِيمِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَصَحَّ هُوَ الْجَدِيدُ إلَّا فِي مَسَائِلَ قَلِيلَةٍ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ ، لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا ، وَلَيْسَ هَذَا التَّوَهُّمُ صَحِيحًا بَلْ الْأَصَحُّ مَنْعُ الْجَمْعِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَوْلُهُ ( الْوَحَلُ ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ غَيْرَهَا ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ إسْكَانَهَا أَيْضًا .
وَقَوْلُهُ ( لِأَجْلِهَا ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي اللُّغَةِ مِنْ أَجْلِهَا وَأَنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا .
( أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ ) فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْمَطَرِ ، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَوْلًا : أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ .
وَقَالَ الْمُزَنِيّ : لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ قَدِيمًا وَجَدِيدًا ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَسَوَاءٌ قَوِيُّ الْمَطَرِ وَضَعِيفُهُ إذَا بَلَّ الثَّوْب .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ إنْ كَانَا يَذُوبَانِ وَيَبُلَّانِ الثَّوْبَ جَازَ الْجَمْعُ ، وَإِلَّا فَلَا . هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ .
وَحَكَى صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَجْهًا : أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بِالثَّلْجِ ، وَإِنْ لَمْ يَذُبْ ، وَلَمْ يَبُلَّ الثِّيَابَ ، وَهُوَ شَاذٌّ غَلَطٌ ، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَجْهًا : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ مُطْلَقًا ، وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ خَرَّجَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ إتْبَاعًا لِاسْمِ الْمَطَرِ ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ ، فَإِنَّ اسْمَ الْمَطَرِ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى ، وَأَمَّا الشَّفَّانُ ، بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هُوَ بَرَدُ رِيحٍ فِيهَا 261 نَدْوَةٌ ، فَإِذَا بَلَّ الثَّوْبَ جَازَ الْجَمْعُ ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تَفْسِيرِهِ وَحُكْمِهِ ، وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ : إنَّهُ مَطَرٌ وَزِيَادَةٌ ، فَيَجُوزُ الْجَمْعُ ، وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْتُهُ
وَأَمَّا الْوَحَلُ وَالظُّلْمَةُ وَالرِّيحُ وَالْمَرَضُ وَالْخَوْفُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بِسَبَبِهَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِجَوَازِهِ ، وَسَنُفْرِدُ فِي ذَلِكَ فَرْعًا مَبْسُوطًا بِأَدِلَّتِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْجَمْعُ بِعُذْرِ الْمَطَرِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الثَّلْجِ وَغَيْرِهِ يَجُوزُ لِمَنْ يُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ ، يَقْصِدُهُ مَنْ بَعُدَ ، وَيَتَأَذَّى بِالْمَطَرِ فِي طَرِيقِهِ ، فَأَمَّا مَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً أَوْ يَمْشِي إلَى الْمَسْجِدِ فِي رُكْنٍ أَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ فِي بَابِ دَارِهِ ، أَوْ صَلَّى النِّسَاءُ فِي بُيُوتِهِنَّ أَوْ الرِّجَالُ فِي الْمَسْجِدِ الْبَعِيدِ أَفْرَادًا فَهَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ ؟ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجْهَيْنِ ، وَحَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَوْلَيْنِ : ( أَصَحُّهُمَا ) بِاتِّفَاقِهِمْ : لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَالْقَدِيمِ كَمَا سَبَقَ ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ جُوِّزَ لِلْمَشَقَّةِ فِي تَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ هُنَا ، وَالثَّانِي ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ : يَجُوزُ ، وَاحْتَجَّ لَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَجْمَعُ فِي بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ إلَى الْمَسْجِدِ } أَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَةٌ ، وَكَانَتْ مُخْتَلِفَةً مِنْهَا بَيْتُ عَائِشَةَ بَابُهُ إلَى الْمَسْجِدِ ، وَمُعْظَمُهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالِ جَمْعِهِ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَهَذَا ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ احْتِمَالَ كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَاقِي أَظْهَرُ مِنْ كَوْنِهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، وَأَمَّا وَقْتُ الْجَمْعِ فَقَالَ الْأَصْحَابُ : يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الْأُولَى قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِي جَوَازِهِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ قَوْلَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْأَصْحَابِ : لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي مُعْظَمِ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ ، وَنَصَّ فِي الْإِمْلَاءِ وَالْقَدِيمِ : أَنَّهُ يَجُوزُ وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ الْخِلَافَ وَجْهَيْنِ ، وَعَكَسَ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ : يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِي جَوَازِهِ فِي وَقْتِ الْأُولَى الْقَوْلَانِ ; وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَغْلِيطِهِ
قَالَ أَصْحَابنَا : فَإِذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُشْتُرِطَتْ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ 262 فِي جَمْعِ الْمُسَافِرِ ، وَيُشْتَرَطُ وُجُوبُ الْمَطَرِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاتَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ إلَّا وَجْهًا شَاذًّا أَوْ بَاطِلًا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي افْتِتَاحِ الْأُولَى ، وَفِي اشْتِرَاطِهِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْأُولَى طَرِيقَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَأَبُو زَيْدٍ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ : يُشْتَرَطُ وَجْهًا وَاحِدًا .
( الثَّانِي ) : حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : هَذَا ( وَالثَّانِي ) : لَا يُشْتَرَطُ .
وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ ، وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَى ، وَأَمَّا انْقِطَاعُهُ فِيمَا سِوَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ فَلَا يَضُرُّ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي طُرُقِهِمْ ، وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ بَعْضِ الْمُصَنَّفِينَ ، وَيَعْنِي بِهِ صَاحِبَ الْإِبَانَةِ : أَنَّهُ قَالَ : فِي انْقِطَاعِهِ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ أَوْ بَعْدَهَا مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي طَرَآنِ الْإِقَامَةِ فِي جَمْعِ السَّفَرِ ، وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ وَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : إذَا لَمْ يُشْتَرَطُ دَوَامُ الْمَطَرِ فِي الْأُولَى فَأَوْلَى أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا ، وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ كَجٍّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَوْ افْتَتَحَ الْأُولَى ، وَلَا مَطَرَ ثُمَّ مَطَرَتْ فِي أَثْنَائِهَا فَفِي جَوَازِ الْجَمْعِ الْقَوْلَانِ فِي نِيَّةِ الْجَمْعِ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى ، وَاخْتَارَ ابْنُ الصَّبَّاغِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ وَجَزَمَ بِهَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ ، وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ ، وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ .
أَمَّا إذَا أَرَادَ الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَجَوَّزْنَاهُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ : يُصَلِّي الْأُولَى مَعَ الثَّانِيَةِ ، سَوَاءٌ اتَّصَلَ الْمَطَرُ إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ أَمْ انْقَطَعَ قَبْلَ وَقْتِهَا هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ أَصْحَابِنَا كُلِّهِمْ وَقَالَ الْبَغَوِيّ : إذَا انْقَطَعَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَجُزْ الْجَمْعُ بَلْ يُصَلِّي الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، كَالْمُسَافِرِ إذَا أَخَّرَ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ ثُمَّ أَقَامَ قَبْلَ وَقْتِ الثَّانِيَةِ .
قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يُقَالَ : لَوْ انْقَطَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ فِعْلِهَا امْتَنَعَ الْجَمْعُ ، وَصَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً ، كَمَا لَوْ صَارَ مُقِيمًا ، وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّهُ جَوَّزَ لَهُ التَّأْخِيرَ فَلَا يَتَغَيَّرُ حَالُهُ
، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الْإِمَامُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا مِثْلَهُ ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ مَرْدُودٌ بِرِوَايَةٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، وَلَا مَطَرٍ } وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَهُوَ إمَامٌ مُتَّفَقٌ عَلَى تَوْثِيقِهِ وَعَدَالَتِهِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا الْبُخَارِيُّ مَعَ أَنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ مِنْ شَرْطِهِ .
قَالَ : وَلَعَلَّهُ تَرَكَهَا لِمُخَالَفَتِهَا رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ بِأَنْ تَكُونَ مَحْفُوظَةً أَوْلَى ، يَعْنِي رِوَايَةَ الْجُمْهُورِ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، وَلَا سَفَرٍ .
قَالَ : وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنٍ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ الْجَمْعَ فِي الْمَطَرِ ، وَذَلِكَ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِالْمَطَرِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ : وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ ، قَدْ يُحْمَلُ عَلَى الْمَطَرِ ، أَيْ لَا يُلْحِقُهُمْ مَشَقَّةً بِالْمَشْيِ فِي الطِّينِ إلَى الْمَسْجِدِ .
وَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ رِوَايَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، وَلَا مَطَرٍ بِجَوَابَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) مَعْنَاهُ ، وَلَا مَطَرٍ كَثِيرٍ ( وَالثَّانِي ) : أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِرِوَايَةِ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، وَلَا سَفَرٍ : الْجَمْعُ بِالْمَطَرِ ، وَالْمُرَادُ بِرِوَايَةِ : وَلَا مَطَرٍ الْجَمْعُ الْمَجَازِيُّ ، وَهُوَ أَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى إلَى آخِرِ وَقْتِهَا ، وَيُقَدِّمَ الثَّانِيَةَ إلَى أَوَّلِ وَقْتِهَا .
هَذَا كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ الثَّانِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : قُلْت : يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ قَالَ : وَأَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ .
وَأَجَابَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ فِي تَهْذِيبِهِ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ قَوْلَهُ ، وَلَا مَطَرٍ ، أَيْ ، وَلَا مَطَرٍ مُسْتَدَامٍ ، فَلَعَلَّهُ انْقَطَعَ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ .
وَنَقَلَ صَاحِبُ الشَّامِلِ هَذَا الْجَوَابَ عَنْ أَصْحَابِنَا ، وَأَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَظِلًّا بِسَقْفٍ وَنَحْوِهِ ، وَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ كُلُّهَا لَيْسَتْ ظَاهِرَةً ، وَالْمُخْتَارُ مَا أَجَابَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ .
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي مَسْجِدٍ لَيْسَ فِي طَرِيقِهِ إلَيْهِ مَطَرٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ .
قَالَ فِي الْقَدِيمِ : لَا تَجُوزُ ، وَفِي الْإِمْلَاءِ يَجُوزُ ، هَكَذَا 260 وَقَعَ فِي نُسَخِ الْمُهَذَّبِ فِي الْقَدِيمِ : لَا يَجُوزُ ، وَفِي الْإِمْلَاءِ : يَجُوزُ ، وَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ .
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ فَقَالُوا : قَالَ فِي الْأُمِّ : لَا يَجُوزُ ، وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ : يَجُوزُ فَلَمْ يَذْكُرُوا الْقَدِيمَ فَحَصَلَ مِنْ نَقْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْمَحَامِلِيِّ مَعَ نَقْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْجَوَازَ مُخْتَصٌّ بِالْإِمْلَاءِ ، وَالْمَنْعُ مَنْصُوصٌ فِي الْأُمِّ وَالْقَدِيمِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِمْلَاءَ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ ، وَقَدْ يَتَوَهَّمُ مَنْ لَا يَرَى كَلَامَ الْأَصْحَابِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ جَوَازَ الْجَمْعِ أَصَحُّ مِنْ مَنْعِهِ ، حَيْثُ ذَكَرَ الْجَوَازَ عَنْ إمْلَاءٍ ، وَهُوَ جَدِيدٌ ، وَالْمَنْعُ عَنْ الْقَدِيمِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَصَحَّ هُوَ الْجَدِيدُ إلَّا فِي مَسَائِلَ قَلِيلَةٍ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ ، لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا ، وَلَيْسَ هَذَا التَّوَهُّمُ صَحِيحًا بَلْ الْأَصَحُّ مَنْعُ الْجَمْعِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَوْلُهُ ( الْوَحَلُ ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ غَيْرَهَا ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ إسْكَانَهَا أَيْضًا .
وَقَوْلُهُ ( لِأَجْلِهَا ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي اللُّغَةِ مِنْ أَجْلِهَا وَأَنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا .
( أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ ) فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْمَطَرِ ، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَوْلًا : أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ .
وَقَالَ الْمُزَنِيّ : لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ قَدِيمًا وَجَدِيدًا ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَسَوَاءٌ قَوِيُّ الْمَطَرِ وَضَعِيفُهُ إذَا بَلَّ الثَّوْب .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ إنْ كَانَا يَذُوبَانِ وَيَبُلَّانِ الثَّوْبَ جَازَ الْجَمْعُ ، وَإِلَّا فَلَا . هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ .
وَحَكَى صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَجْهًا : أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بِالثَّلْجِ ، وَإِنْ لَمْ يَذُبْ ، وَلَمْ يَبُلَّ الثِّيَابَ ، وَهُوَ شَاذٌّ غَلَطٌ ، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَجْهًا : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ مُطْلَقًا ، وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ خَرَّجَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ إتْبَاعًا لِاسْمِ الْمَطَرِ ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ ، فَإِنَّ اسْمَ الْمَطَرِ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى ، وَأَمَّا الشَّفَّانُ ، بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هُوَ بَرَدُ رِيحٍ فِيهَا 261 نَدْوَةٌ ، فَإِذَا بَلَّ الثَّوْبَ جَازَ الْجَمْعُ ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تَفْسِيرِهِ وَحُكْمِهِ ، وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ : إنَّهُ مَطَرٌ وَزِيَادَةٌ ، فَيَجُوزُ الْجَمْعُ ، وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْتُهُ
وَأَمَّا الْوَحَلُ وَالظُّلْمَةُ وَالرِّيحُ وَالْمَرَضُ وَالْخَوْفُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بِسَبَبِهَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِجَوَازِهِ ، وَسَنُفْرِدُ فِي ذَلِكَ فَرْعًا مَبْسُوطًا بِأَدِلَّتِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْجَمْعُ بِعُذْرِ الْمَطَرِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الثَّلْجِ وَغَيْرِهِ يَجُوزُ لِمَنْ يُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ ، يَقْصِدُهُ مَنْ بَعُدَ ، وَيَتَأَذَّى بِالْمَطَرِ فِي طَرِيقِهِ ، فَأَمَّا مَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً أَوْ يَمْشِي إلَى الْمَسْجِدِ فِي رُكْنٍ أَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ فِي بَابِ دَارِهِ ، أَوْ صَلَّى النِّسَاءُ فِي بُيُوتِهِنَّ أَوْ الرِّجَالُ فِي الْمَسْجِدِ الْبَعِيدِ أَفْرَادًا فَهَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ ؟ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجْهَيْنِ ، وَحَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَوْلَيْنِ : ( أَصَحُّهُمَا ) بِاتِّفَاقِهِمْ : لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَالْقَدِيمِ كَمَا سَبَقَ ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ جُوِّزَ لِلْمَشَقَّةِ فِي تَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ هُنَا ، وَالثَّانِي ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ : يَجُوزُ ، وَاحْتَجَّ لَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَجْمَعُ فِي بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ إلَى الْمَسْجِدِ } أَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَةٌ ، وَكَانَتْ مُخْتَلِفَةً مِنْهَا بَيْتُ عَائِشَةَ بَابُهُ إلَى الْمَسْجِدِ ، وَمُعْظَمُهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالِ جَمْعِهِ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَهَذَا ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ احْتِمَالَ كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَاقِي أَظْهَرُ مِنْ كَوْنِهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، وَأَمَّا وَقْتُ الْجَمْعِ فَقَالَ الْأَصْحَابُ : يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الْأُولَى قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِي جَوَازِهِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ قَوْلَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْأَصْحَابِ : لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي مُعْظَمِ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ ، وَنَصَّ فِي الْإِمْلَاءِ وَالْقَدِيمِ : أَنَّهُ يَجُوزُ وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ الْخِلَافَ وَجْهَيْنِ ، وَعَكَسَ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ : يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِي جَوَازِهِ فِي وَقْتِ الْأُولَى الْقَوْلَانِ ; وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَغْلِيطِهِ
قَالَ أَصْحَابنَا : فَإِذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُشْتُرِطَتْ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ 262 فِي جَمْعِ الْمُسَافِرِ ، وَيُشْتَرَطُ وُجُوبُ الْمَطَرِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاتَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ إلَّا وَجْهًا شَاذًّا أَوْ بَاطِلًا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي افْتِتَاحِ الْأُولَى ، وَفِي اشْتِرَاطِهِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْأُولَى طَرِيقَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَأَبُو زَيْدٍ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ : يُشْتَرَطُ وَجْهًا وَاحِدًا .
( الثَّانِي ) : حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : هَذَا ( وَالثَّانِي ) : لَا يُشْتَرَطُ .
وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ ، وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَى ، وَأَمَّا انْقِطَاعُهُ فِيمَا سِوَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ فَلَا يَضُرُّ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي طُرُقِهِمْ ، وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ بَعْضِ الْمُصَنَّفِينَ ، وَيَعْنِي بِهِ صَاحِبَ الْإِبَانَةِ : أَنَّهُ قَالَ : فِي انْقِطَاعِهِ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ أَوْ بَعْدَهَا مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي طَرَآنِ الْإِقَامَةِ فِي جَمْعِ السَّفَرِ ، وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ وَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : إذَا لَمْ يُشْتَرَطُ دَوَامُ الْمَطَرِ فِي الْأُولَى فَأَوْلَى أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا ، وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ كَجٍّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَوْ افْتَتَحَ الْأُولَى ، وَلَا مَطَرَ ثُمَّ مَطَرَتْ فِي أَثْنَائِهَا فَفِي جَوَازِ الْجَمْعِ الْقَوْلَانِ فِي نِيَّةِ الْجَمْعِ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى ، وَاخْتَارَ ابْنُ الصَّبَّاغِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ وَجَزَمَ بِهَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ ، وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ ، وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ .
أَمَّا إذَا أَرَادَ الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَجَوَّزْنَاهُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ : يُصَلِّي الْأُولَى مَعَ الثَّانِيَةِ ، سَوَاءٌ اتَّصَلَ الْمَطَرُ إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ أَمْ انْقَطَعَ قَبْلَ وَقْتِهَا هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ أَصْحَابِنَا كُلِّهِمْ وَقَالَ الْبَغَوِيّ : إذَا انْقَطَعَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَجُزْ الْجَمْعُ بَلْ يُصَلِّي الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، كَالْمُسَافِرِ إذَا أَخَّرَ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ ثُمَّ أَقَامَ قَبْلَ وَقْتِ الثَّانِيَةِ .
قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يُقَالَ : لَوْ انْقَطَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ فِعْلِهَا امْتَنَعَ الْجَمْعُ ، وَصَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً ، كَمَا لَوْ صَارَ مُقِيمًا ، وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّهُ جَوَّزَ لَهُ التَّأْخِيرَ فَلَا يَتَغَيَّرُ حَالُهُ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث