المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الأول
313 الشَّرْحُ ) قَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الْقِطْعَةُ جُمَلًا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَاللُّغَاتِ وَالْأَحْكَامِ يَحْصُلُ بَيَانُهَا بِمَسْأَلَتَيْنِ : ( إحْدَاهُمَا ) : حَدِيثُ الْقَدَحِ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ إلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ فَاتَّخَذَ مَكَانَ " الشَّفَةِ " هُوَ تَصْحِيفٌ ، وَالصَّوَابُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فَاتَّخَذَ مَكَانَ لِلشَّعْبِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ، وَالْمُرَادُ بِالشَّعْبِ الشَّقُّ وَالصَّدْعُ ، وَقَوْلُهُ : انْكَسَرَ مَعْنَاهُ انْشَقَّ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ انْصَدَعَ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ شَدَّ الشَّقَّ بِخَيْطِ فِضَّةٍ فَصَارَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ سِلْسِلَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَقَوْلُهُ فَاتَّخَذَ ، يُوهِمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُتَّخِذُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ أَنَسٌ هُوَ الْمُتَّخِذُ ، فَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَنَسٌ : فَجَعَلْت مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ : رَأَيْت قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَكَانَ قَدْ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ ، وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ مَعَ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي جَامِعِ السُّنَّةِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فَحَسَنٌ ، رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْهُ : " { كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِضَّةٍ } " قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ فِي الطَّبَقَاتِ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ فِي الْمُهَذَّبِ كُلَّهُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي رَوَاهُ مِنْهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ فَجَمِيعُ الْحَدِيثِ عَلَى شَرْطِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَالْقَبِيعَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ عَلَى رَأْسٍ قَائِمِ السَّيْفِ وَطَرَفِ مِقْبَضِهِ ، وَالْحَلَقُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَاللَّامُ فِيهِمَا مَفْتُوحَةٌ جَمْعُ حَلْقَةٍ بِإِسْكَانِ اللَّامِ ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ فَتْحَهَا أَيْضًا فِي لُغَةٍ رَدِيئَةٍ ، وَالْمَشْهُورُ إسْكَانُهَا ، وَنَعْلُ السَّيْفِ مَا يَكُونُ فِي أَسْفَلِ غِمْدِهِ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ فِضَّةٍ وَنَحْوِهِمَا . وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، لَكِنَّ لَفْظَهُ : " كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَشْرَبُ فِي قَدَحٍ فِيهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ وَلَا ضَبَّةُ فِضَّةٍ ، " وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَحَسَنٌ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِمَعْنَاهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا أَنَسٌ فَهُوَ أَبُو حَمْزَةَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ بْنُ النَّضْرِ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ 314 بِالنُّونِ وَالْجِيم الْمَدَنِيُّ ثُمَّ الْبَصْرِيُّ خَدَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ ، وَتُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ وَدُفِنَ بِهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَثَلَاثِ سِنِينَ ، وَكَانَ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ أَوْلَادًا لِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ وَالْبَرَكَةِ ، وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ رِوَايَةً . وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَهُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ بْنُ نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ ، أَسْلَمَ مَعَ أَبِيهِ بِمَكَّةَ قَدِيمًا ، شَهِدَ الْخَنْدَقَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَقِيلَ أَرْبَعٍ ، وَمَنَاقِبُ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ مَشْهُورَةٌ ذَكَرْت جُمَلًا مِنْهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْأَحْكَامِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُخْتَصَرِ : ( وَأَكْرَهُ الْمُضَبَّبَ بِالْفِضَّةِ لِئَلَّا يَكُونَ شَارِبًا عَلَى فِضَّةٍ ) ، وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : حَكَى الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَةً بِدَلَائِلِهَا : ( أَحَدُهَا ) : إنْ كَانَ قَلِيلًا لِلْحَاجَةِ لَمْ يُكْرَهْ ، وَإِنْ كَانَ لِلزِّينَةِ كُرِهَ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا حَرُمَ ، وَإِنْ كَانَ لِلْحَاجَةِ كُرِهَ . ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) : إنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَوْضِعِ فَمِ الشَّارِبِ حَرُمَ ، وَإِلَّا فَلَا .
( وَالثَّالِثُ ) : يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ بِحَالٍ .
( وَالرَّابِعُ ) : حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ يَحْرُمُ بِكُلِّ حَالٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ وَصَحَّحَهُ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الدَّارَكِيِّ وَمُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ ، قَالَ : وَحَمَلُوا نَصَّ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) هُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ . وَالْقَائِلُ لَا يَحْرُمُ بِحَالٍ هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَلِيلَ لِلزِّينَةِ يُكْرَهُ ، وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَحْرُمُ ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ .
( فَرْعٌ ) فِي بَيَانِ الْحَاجَةِ وَالْقِلَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إنْ كَانَ قَلِيلًا لِلْحَاجَةِ أَمَّا الْحَاجَةُ فَقَالَ الْأَصْحَابُ : الْمُرَادُ بِهَا غَرَضٌ يَتَعَلَّقُ بِالتَّضْبِيبِ سِوَى الزِّينَةِ ، 315 كَإِصْلَاحِ مَوْضِعِ الْكَسْرِ وَنَحْوِهِ ، وَلَا يَتَجَاوَزُ بِهِ مَوْضِعَ الْكَسْرِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَسْتَمْسِكُ بِهِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَجْزُ عَنْ التَّضْبِيبِ بِنُحَاسٍ وَحَدِيدٍ وَغَيْرِهِمَا ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ احْتِمَالَيْنِ لِنَفْسِهِ : أَحَدُهُمَا : هَذَا . وَالثَّانِي : مَعْنَاهَا أَنْ يَعْدِمَ مَا يُضَبِّبُ بِهِ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .
وَأَمَّا ضَبْطُ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) : وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي طَرِيقَتَيْ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ أَنَّ الْكَثِيرَ هُوَ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْإِنَاءِ بِكَمَالِهِ كَأَعْلَاهُ أَوْ أَسْفَلِهِ أَوْ شَفَتِهِ أَوْ عُرْوَتِهِ أَوْ شَبَهِ ذَلِكَ ، وَالْقَلِيلُ مَا دُونَهُ ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ . وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ صَاحِبُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ ( زَوَايَا الْمَسَائِلِ ) بِأَنَّهُ إذَا اسْتَوْعَبَتْ الْفِضَّةُ جُزْءًا كَامِلًا خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِلْإِنَاءِ ، وَخَرَجَ الْإِنَاءُ عَنْ أَنْ يَكُونَ إنَاءَ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ مَثَلًا ، بَلْ يُقَالُ إنَاءٌ مُرَكَّبُ مِنْ نُحَاسٍ وَفِضَّةٍ ، لِكَوْنِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ الْمَقْصُودَةِ بِكَمَالِهِ فِضَّةً ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ جُزْءًا بِكَمَالِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَغْمُورًا تَابِعًا ، وَلَا يُعَدُّ الْإِنَاءُ بِسَبَبِهِ مُرَكَّبًا مِنْ فِضَّةٍ وَنُحَاسٍ ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ حَسَنٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ إلَى الْعُرْفِ ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَأَشَارَ إلَى اخْتِيَارِهِ وَاسْتِحْسَانِهِ ، وَدَلِيلُهُ أَنَّ مَا أُطْلِقَ وَلَمْ يَحُدَّ رَجَعَ فِي ضَبْطِهِ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ وَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَنَظَائِرِهَا . وَالثَّالِثُ : وَهُوَ اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُمَا أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَلْمَعُ لِلنَّاظِرِ عَلَى بُعْدٍ ، وَالْقَلِيلَ مَا لَا يَلْمَعُ ، وَمُرَادُهُمْ مَا لَا يَخْرُجُ عَنْ الِاعْتِدَالِ وَالْعَادَةِ فِي رِقَّتِهِ وَغِلَظِهِ ، وَأَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ ، وَضَعَّفَهُ ، ثُمَّ اخْتَارَ هَذَا الثَّالِثَ ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ فِيهِ ضَعْفٌ ، وَالْمُخْتَارُ الرُّجُوعُ إلَى الْعُرْفِ ، وَالْوَجْهُ الْمَشْهُورُ حَسَنٌ مُتَّجَهٌ أَيْضًا ، وَمَتَى شَكَكْنَا فِي الْكَثْرَةِ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا ضَبَّبَ الْإِنَاءَ تَضْبِيبًا جَائِزًا فَلَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنْ الْآنِيَةِ الَّتِي لَا فِضَّةَ فِيهَا ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ .
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْأَحْكَامِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُخْتَصَرِ : ( وَأَكْرَهُ الْمُضَبَّبَ بِالْفِضَّةِ لِئَلَّا يَكُونَ شَارِبًا عَلَى فِضَّةٍ ) ، وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : حَكَى الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَةً بِدَلَائِلِهَا : ( أَحَدُهَا ) : إنْ كَانَ قَلِيلًا لِلْحَاجَةِ لَمْ يُكْرَهْ ، وَإِنْ كَانَ لِلزِّينَةِ كُرِهَ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا حَرُمَ ، وَإِنْ كَانَ لِلْحَاجَةِ كُرِهَ . ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) : إنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَوْضِعِ فَمِ الشَّارِبِ حَرُمَ ، وَإِلَّا فَلَا .
( وَالثَّالِثُ ) : يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ بِحَالٍ .
( وَالرَّابِعُ ) : حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ يَحْرُمُ بِكُلِّ حَالٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ وَصَحَّحَهُ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الدَّارَكِيِّ وَمُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ ، قَالَ : وَحَمَلُوا نَصَّ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) هُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ . وَالْقَائِلُ لَا يَحْرُمُ بِحَالٍ هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَلِيلَ لِلزِّينَةِ يُكْرَهُ ، وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَحْرُمُ ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ .
( فَرْعٌ ) فِي بَيَانِ الْحَاجَةِ وَالْقِلَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إنْ كَانَ قَلِيلًا لِلْحَاجَةِ أَمَّا الْحَاجَةُ فَقَالَ الْأَصْحَابُ : الْمُرَادُ بِهَا غَرَضٌ يَتَعَلَّقُ بِالتَّضْبِيبِ سِوَى الزِّينَةِ ، 315 كَإِصْلَاحِ مَوْضِعِ الْكَسْرِ وَنَحْوِهِ ، وَلَا يَتَجَاوَزُ بِهِ مَوْضِعَ الْكَسْرِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَسْتَمْسِكُ بِهِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَجْزُ عَنْ التَّضْبِيبِ بِنُحَاسٍ وَحَدِيدٍ وَغَيْرِهِمَا ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ احْتِمَالَيْنِ لِنَفْسِهِ : أَحَدُهُمَا : هَذَا . وَالثَّانِي : مَعْنَاهَا أَنْ يَعْدِمَ مَا يُضَبِّبُ بِهِ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .
وَأَمَّا ضَبْطُ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) : وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي طَرِيقَتَيْ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ أَنَّ الْكَثِيرَ هُوَ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْإِنَاءِ بِكَمَالِهِ كَأَعْلَاهُ أَوْ أَسْفَلِهِ أَوْ شَفَتِهِ أَوْ عُرْوَتِهِ أَوْ شَبَهِ ذَلِكَ ، وَالْقَلِيلُ مَا دُونَهُ ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ . وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ صَاحِبُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ ( زَوَايَا الْمَسَائِلِ ) بِأَنَّهُ إذَا اسْتَوْعَبَتْ الْفِضَّةُ جُزْءًا كَامِلًا خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِلْإِنَاءِ ، وَخَرَجَ الْإِنَاءُ عَنْ أَنْ يَكُونَ إنَاءَ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ مَثَلًا ، بَلْ يُقَالُ إنَاءٌ مُرَكَّبُ مِنْ نُحَاسٍ وَفِضَّةٍ ، لِكَوْنِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ الْمَقْصُودَةِ بِكَمَالِهِ فِضَّةً ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ جُزْءًا بِكَمَالِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَغْمُورًا تَابِعًا ، وَلَا يُعَدُّ الْإِنَاءُ بِسَبَبِهِ مُرَكَّبًا مِنْ فِضَّةٍ وَنُحَاسٍ ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ حَسَنٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ إلَى الْعُرْفِ ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَأَشَارَ إلَى اخْتِيَارِهِ وَاسْتِحْسَانِهِ ، وَدَلِيلُهُ أَنَّ مَا أُطْلِقَ وَلَمْ يَحُدَّ رَجَعَ فِي ضَبْطِهِ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ وَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَنَظَائِرِهَا . وَالثَّالِثُ : وَهُوَ اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُمَا أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَلْمَعُ لِلنَّاظِرِ عَلَى بُعْدٍ ، وَالْقَلِيلَ مَا لَا يَلْمَعُ ، وَمُرَادُهُمْ مَا لَا يَخْرُجُ عَنْ الِاعْتِدَالِ وَالْعَادَةِ فِي رِقَّتِهِ وَغِلَظِهِ ، وَأَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ ، وَضَعَّفَهُ ، ثُمَّ اخْتَارَ هَذَا الثَّالِثَ ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ فِيهِ ضَعْفٌ ، وَالْمُخْتَارُ الرُّجُوعُ إلَى الْعُرْفِ ، وَالْوَجْهُ الْمَشْهُورُ حَسَنٌ مُتَّجَهٌ أَيْضًا ، وَمَتَى شَكَكْنَا فِي الْكَثْرَةِ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا ضَبَّبَ الْإِنَاءَ تَضْبِيبًا جَائِزًا فَلَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنْ الْآنِيَةِ الَّتِي لَا فِضَّةَ فِيهَا ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث