المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الخامس
( الشَّرْحُ ) : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ : إذَا أَصَابَ النَّخْلَ عَطَشٌ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَخَافَ هَلَاكَهَا أَوْ هَلَاكَ الثَّمَرَةِ أَوْ هَلَاكَ بَعْضِهَا إنْ لَمْ تُقْطَعْ الثَّمَرَةُ ، أَوْ خَافَ ضَرَرَ النَّخْلِ أَوْ الثَّمَرَةِ جَازَ قَطْعُ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ إمَّا بَعْضِهَا أَوْ كُلِّهَا ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِقَطْعِ الْجَمِيعِ قَطَعَ الْجَمِيعَ ، وَإِنْ انْدَفَعَ بِقَطْعِ الْبَعْضِ ، لَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ ; لِأَنَّ حَقَّ الْمَسَاكِينِ إنَّمَا هُوَ فِي التَّمْرِ يَابِسًا ، وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا الْقَطْعَ لِلْحَاجَةِ ، فَلَا يَجُوزُ زِيَادَةٌ عَلَيْهَا ، ، ثُمَّ إنْ أَرَادَ الْقَطْعَ ، فَيَنْبَغِي لِلْمَالِكِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْعَامِلَ ، فَإِنْ اسْتَأْذَنَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ عَنْ الْمَالِكِ وَالْمَسَاكِينِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ الْعَامِلَ ، بَلْ اسْتَقَلَّ الْمَالِكُ بِقَطْعِهَا فَوَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالسَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ وَاجِبٌ ، فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ الِاسْتِقْلَالِ عُزِّرَ ، وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ .
( وَالثَّانِي ) : أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ مُسْتَحَبٌّ ، فَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ وَلَا يُعَزَّرُ ، وَبِهَذَا قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَطَائِفَةٌ ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا : يَجِبُ الِاسْتِئْذَانُ أَمْ يُسْتَحَبُّ لَا يَغْرَمُ الْمَالِكُ مَا نَقَصَ بِالْقَطْعِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِذَا أَعْلَمَ الْمَالِكُ السَّاعِي قَبْلَ الْقَطْعِ وَأَرَادَ الْقِسْمَةَ بِأَنْ يَخْرُصَ الثِّمَارَ 457 وَيُعَيِّنَ حَقَّ الْمَسَاكِينِ فِي نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ بِأَعْيَانِهَا فَقَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الْأَصْحَابُ : هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ أَمْ إفْرَازُ حَقٍّ ، فَإِنْ قُلْنَا إفْرَازٌ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ جَازَ ، ثُمَّ لِلسَّاعِي بَيْعُ نَصِيبِ الْمَسَاكِينِ لِلْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ وَأَنْ يَقْطَعَهُ وَيُفَرِّقَهُ بَيْنَهُمْ ، يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّهَا بَيْعٌ لَمْ يَجُزْ ، وَلَوْ لَمْ يُمَيِّزْ لِلْفُقَرَاءِ شَيْئًا ، بَلْ قُطِعَتْ الثِّمَارُ مُشْتَرَكَةً . قَالَ الْأَصْحَابُ : فَفِي جَوَازِ الْقِسْمَةِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ أَوْ إفْرَازٌ ، إنْ قُلْنَا إفْرَازٌ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ جَازَتْ الْمُقَاسَمَةُ كَيْلًا وَوَزْنًا ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ وَالْأَصْحَابُ ، وَإِنْ قُلْنَا بَيْعٌ ، فَفِي جَوَازِهَا خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَمَيَّزُ بِمِثْلِهِ . وَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَذْكُورَانِ فِي بَابِ الرِّبَا ( أَصَحُّهُمَا ) : لَا يَجُوزُ . فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ جَازَتْ الْقِسْمَةُ بِالْكَيْلِ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : يَجُوزُ مُقَاسَمَةُ السَّاعِي ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَاوَضَةً فَلَا يُكَلَّفُ فِيهِ تَعَبُّدَاتِ الرِّبَا ; وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا وَهَذَا الْوَجْهُ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ وَالْأَصْحَابُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ : إنَّهُمَا يُجَوِّزَانِ الْبَيْعَ كَيْلًا وَوَزْنًا .
وَقَالَ غَيْرُهُ : كَيْلًا فَقَطْ وَهُوَ الْأَقْيَسُ ( وَأَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَكْثَرِينَ ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ لَا يَجُوزُ ، فَعَلَى هَذَا لَهُ فِي الْأَخْذِ مَسْلَكَانِ ( أَحَدُهُمَا ) : يَأْخُذُ قِيمَةَ عُشْرِ الرُّطَبِ الْمَقْطُوعِ ، ( وَالثَّانِي ) : يُسَلِّمُ عُشْرَهُ مُشَاعًا إلَى السَّاعِي لِيَتَعَيَّنَ حَقُّ الْمَسَاكِينِ ، وَطَرِيقُهُ فِي تَسْلِيمِ عُشْرِهِ أَنْ يُسَلِّمَهُ كُلَّهُ ، فَإِذَا تَسَلَّمَهُ السَّاعِي بَرِئَ الْمَالِكُ مِنْ الْعُشْرِ ، وَصَارَ مَقْبُوضًا لِلْمَسَاكِينِ بِقَبْضِ نَائِبِهِمْ ، ثُمَّ لِلسَّاعِي بَعْدَ قَبْضِهِ بَيْعُ نَصِيبِ الْمَسَاكِينِ لِلْمَالِكِ أَوْ لِغَيْرِهِ ، أَوْ يَبِيعُ هُوَ وَالْمَالِكُ الْجَمِيعَ وَيَقْسِمَانِ الثَّمَنَ . وَهَذَا الْمَسْلَكُ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ . وَأَمَّا الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ فَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا فِي جَوَازِهِ لِلضَّرُورَةِ . كَمَا سَبَقَ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا بَيَانُ جَوَازِ أَخْذِ الْقِيمَةِ فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ مَنْعُهُ . وَحَكَى الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ السَّاعِي يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِ الْقِيمَةِ وَالْقِسْمَةِ ، قَالَ : لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا 458 خِلَافُ الْقَاعِدَةِ وَاحْتُمِلَ لِلْحَاجَةِ فَيَفْعَلُ مَا هُوَ أَصْلَحُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَالصَّحِيحُ تَعَيُّنُ الْمَسْلَكِ الثَّانِي . قَالَ الْأَصْحَابُ : ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنْ الْخِلَافِ ، وَالتَّفْصِيلُ فِي كَيْفِيَّةِ إخْرَاجِ الْوَاجِبِ يَجْرِي بِعَيْنِهِ فِي إخْرَاجِ الْوَاجِبِ عَنْ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ ، وَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ اسْتِدْرَاكٌ حَسَنٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ قَالَ : إنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْإِشْكَالُ عَلَى قَوْلِنَا : الْمَسَاكِينُ شُرَكَاءُ فِي النِّصَابِ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ ، وَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ التَّرْجِيحُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْقِسْمَةِ . فَأَمَّا إذَا لَمْ نَجْعَلْهُمْ شُرَكَاءَ ، فَلَيْسَ تَسْلِيمُ حَقِّ السَّاعِي قِسْمَةً حَتَّى يَأْتِيَ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الْقِسْمَةِ ، بَلْ هُوَ تَوْفِيَةُ حَقٍّ إلَى مُسْتَحِقٍّ .
هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَاسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ بَاقِيَةً ، فَإِنْ قَطَعَهَا الْمَالِكُ وَأَتْلَفَهَا أَوْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ عُشْرِهَا رُطَبًا حِينَ أَتْلَفَهَا . قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ : ( فَإِنْ قِيلَ ) لَوْ أَتْلَفَهَا رُطَبًا مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ لَزِمَهُ عُشْرُهَا تَمْرًا ، فَهَلَّا لَزِمَهُ فِي إتْلَافِهَا لِلْعَطَشِ عُشْرُهَا تَمْرًا ؟ ، ( قُلْنَا ) الْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخَفْ الْعَطَشَ وَلَا ضَرَرًا فِي تَرْكِهَا لَزِمَهُ تَرْكُهَا وَدَفْعُ التَّمْرِ بَعْدَ الْجَفَافِ ، فَإِذَا قَطَعَ فَهُوَ مُفَرِّطٌ مُتَعَدٍّ ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ ، فَإِذَا خَافَ الْعَطَشَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إبْقَاؤُهَا وَلَا التَّمْرُ بَلْ لَهُ الْقَطْعُ ، وَدَفْعُ الرُّطَبِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ ; اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ : " وَإِنْ أَصَابَهَا عَطَشٌ كَانَ لَهُ قَطْعُ الثَّمَرَةِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ثَمَنُ عُشْرِهَا أَوْ عُشْرُهَا مَقْطُوعَةً " هَكَذَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ . وَنَقَلَ الرَّبِيعُ فِي الْأُمِّ " أَنَّهُ يُؤْخَذُ عُشْرُهَا مَقْطُوعَةً " وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ ، فَذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ تَأْوِيلَيْنِ يَتَخَرَّجَانِ مِمَّا سَبَقَ ( أَحَدَهُمَا ) : أَنَّهُ يَبِيعُ الثَّمَرَةَ بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْ الْمَالِكِ أَوْ لِغَيْرِهِ ، وَيَأْخُذُ ثَمَنَ الْعُشْرِ إنْ كَانَتْ مَصْلَحَةُ الْمَسَاكِينِ فِي بَيْعِهَا وَإِلَّا فَعُشْرُهَا ، وَتَنْزِلُ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ عَلَى هَذَا ، وَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَلَى أَنَّهُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي عُشْرِ الثَّمَرَةِ لَا ثَمَنِ عُشْرِهَا ، ( التَّأْوِيلُ الثَّانِي ) : إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ بَاقِيَةً أَخَذَهَا وَإِنْ تَلِفَتْ فَقِيمَتُهَا ، وَعَبَّرَ عَنْ الْقِيمَةِ بِالثَّمَنِ ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ ، وَسَبَقَ بَسْطُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ ، فَتَنْزِلُ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ عَلَى هَذَا ، وَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ كَانَتْ بَاقِيَةً ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( وَالثَّانِي ) : أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ مُسْتَحَبٌّ ، فَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ وَلَا يُعَزَّرُ ، وَبِهَذَا قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَطَائِفَةٌ ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا : يَجِبُ الِاسْتِئْذَانُ أَمْ يُسْتَحَبُّ لَا يَغْرَمُ الْمَالِكُ مَا نَقَصَ بِالْقَطْعِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِذَا أَعْلَمَ الْمَالِكُ السَّاعِي قَبْلَ الْقَطْعِ وَأَرَادَ الْقِسْمَةَ بِأَنْ يَخْرُصَ الثِّمَارَ 457 وَيُعَيِّنَ حَقَّ الْمَسَاكِينِ فِي نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ بِأَعْيَانِهَا فَقَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الْأَصْحَابُ : هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ أَمْ إفْرَازُ حَقٍّ ، فَإِنْ قُلْنَا إفْرَازٌ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ جَازَ ، ثُمَّ لِلسَّاعِي بَيْعُ نَصِيبِ الْمَسَاكِينِ لِلْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ وَأَنْ يَقْطَعَهُ وَيُفَرِّقَهُ بَيْنَهُمْ ، يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّهَا بَيْعٌ لَمْ يَجُزْ ، وَلَوْ لَمْ يُمَيِّزْ لِلْفُقَرَاءِ شَيْئًا ، بَلْ قُطِعَتْ الثِّمَارُ مُشْتَرَكَةً . قَالَ الْأَصْحَابُ : فَفِي جَوَازِ الْقِسْمَةِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ أَوْ إفْرَازٌ ، إنْ قُلْنَا إفْرَازٌ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ جَازَتْ الْمُقَاسَمَةُ كَيْلًا وَوَزْنًا ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ وَالْأَصْحَابُ ، وَإِنْ قُلْنَا بَيْعٌ ، فَفِي جَوَازِهَا خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَمَيَّزُ بِمِثْلِهِ . وَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَذْكُورَانِ فِي بَابِ الرِّبَا ( أَصَحُّهُمَا ) : لَا يَجُوزُ . فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ جَازَتْ الْقِسْمَةُ بِالْكَيْلِ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : يَجُوزُ مُقَاسَمَةُ السَّاعِي ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَاوَضَةً فَلَا يُكَلَّفُ فِيهِ تَعَبُّدَاتِ الرِّبَا ; وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا وَهَذَا الْوَجْهُ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ وَالْأَصْحَابُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ : إنَّهُمَا يُجَوِّزَانِ الْبَيْعَ كَيْلًا وَوَزْنًا .
وَقَالَ غَيْرُهُ : كَيْلًا فَقَطْ وَهُوَ الْأَقْيَسُ ( وَأَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَكْثَرِينَ ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ لَا يَجُوزُ ، فَعَلَى هَذَا لَهُ فِي الْأَخْذِ مَسْلَكَانِ ( أَحَدُهُمَا ) : يَأْخُذُ قِيمَةَ عُشْرِ الرُّطَبِ الْمَقْطُوعِ ، ( وَالثَّانِي ) : يُسَلِّمُ عُشْرَهُ مُشَاعًا إلَى السَّاعِي لِيَتَعَيَّنَ حَقُّ الْمَسَاكِينِ ، وَطَرِيقُهُ فِي تَسْلِيمِ عُشْرِهِ أَنْ يُسَلِّمَهُ كُلَّهُ ، فَإِذَا تَسَلَّمَهُ السَّاعِي بَرِئَ الْمَالِكُ مِنْ الْعُشْرِ ، وَصَارَ مَقْبُوضًا لِلْمَسَاكِينِ بِقَبْضِ نَائِبِهِمْ ، ثُمَّ لِلسَّاعِي بَعْدَ قَبْضِهِ بَيْعُ نَصِيبِ الْمَسَاكِينِ لِلْمَالِكِ أَوْ لِغَيْرِهِ ، أَوْ يَبِيعُ هُوَ وَالْمَالِكُ الْجَمِيعَ وَيَقْسِمَانِ الثَّمَنَ . وَهَذَا الْمَسْلَكُ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ . وَأَمَّا الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ فَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا فِي جَوَازِهِ لِلضَّرُورَةِ . كَمَا سَبَقَ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا بَيَانُ جَوَازِ أَخْذِ الْقِيمَةِ فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ مَنْعُهُ . وَحَكَى الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ السَّاعِي يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِ الْقِيمَةِ وَالْقِسْمَةِ ، قَالَ : لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا 458 خِلَافُ الْقَاعِدَةِ وَاحْتُمِلَ لِلْحَاجَةِ فَيَفْعَلُ مَا هُوَ أَصْلَحُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَالصَّحِيحُ تَعَيُّنُ الْمَسْلَكِ الثَّانِي . قَالَ الْأَصْحَابُ : ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنْ الْخِلَافِ ، وَالتَّفْصِيلُ فِي كَيْفِيَّةِ إخْرَاجِ الْوَاجِبِ يَجْرِي بِعَيْنِهِ فِي إخْرَاجِ الْوَاجِبِ عَنْ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ ، وَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ اسْتِدْرَاكٌ حَسَنٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ قَالَ : إنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْإِشْكَالُ عَلَى قَوْلِنَا : الْمَسَاكِينُ شُرَكَاءُ فِي النِّصَابِ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ ، وَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ التَّرْجِيحُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْقِسْمَةِ . فَأَمَّا إذَا لَمْ نَجْعَلْهُمْ شُرَكَاءَ ، فَلَيْسَ تَسْلِيمُ حَقِّ السَّاعِي قِسْمَةً حَتَّى يَأْتِيَ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الْقِسْمَةِ ، بَلْ هُوَ تَوْفِيَةُ حَقٍّ إلَى مُسْتَحِقٍّ .
هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَاسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ بَاقِيَةً ، فَإِنْ قَطَعَهَا الْمَالِكُ وَأَتْلَفَهَا أَوْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ عُشْرِهَا رُطَبًا حِينَ أَتْلَفَهَا . قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ : ( فَإِنْ قِيلَ ) لَوْ أَتْلَفَهَا رُطَبًا مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ لَزِمَهُ عُشْرُهَا تَمْرًا ، فَهَلَّا لَزِمَهُ فِي إتْلَافِهَا لِلْعَطَشِ عُشْرُهَا تَمْرًا ؟ ، ( قُلْنَا ) الْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخَفْ الْعَطَشَ وَلَا ضَرَرًا فِي تَرْكِهَا لَزِمَهُ تَرْكُهَا وَدَفْعُ التَّمْرِ بَعْدَ الْجَفَافِ ، فَإِذَا قَطَعَ فَهُوَ مُفَرِّطٌ مُتَعَدٍّ ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ ، فَإِذَا خَافَ الْعَطَشَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إبْقَاؤُهَا وَلَا التَّمْرُ بَلْ لَهُ الْقَطْعُ ، وَدَفْعُ الرُّطَبِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ ; اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ : " وَإِنْ أَصَابَهَا عَطَشٌ كَانَ لَهُ قَطْعُ الثَّمَرَةِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ثَمَنُ عُشْرِهَا أَوْ عُشْرُهَا مَقْطُوعَةً " هَكَذَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ . وَنَقَلَ الرَّبِيعُ فِي الْأُمِّ " أَنَّهُ يُؤْخَذُ عُشْرُهَا مَقْطُوعَةً " وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ ، فَذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ تَأْوِيلَيْنِ يَتَخَرَّجَانِ مِمَّا سَبَقَ ( أَحَدَهُمَا ) : أَنَّهُ يَبِيعُ الثَّمَرَةَ بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْ الْمَالِكِ أَوْ لِغَيْرِهِ ، وَيَأْخُذُ ثَمَنَ الْعُشْرِ إنْ كَانَتْ مَصْلَحَةُ الْمَسَاكِينِ فِي بَيْعِهَا وَإِلَّا فَعُشْرُهَا ، وَتَنْزِلُ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ عَلَى هَذَا ، وَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَلَى أَنَّهُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي عُشْرِ الثَّمَرَةِ لَا ثَمَنِ عُشْرِهَا ، ( التَّأْوِيلُ الثَّانِي ) : إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ بَاقِيَةً أَخَذَهَا وَإِنْ تَلِفَتْ فَقِيمَتُهَا ، وَعَبَّرَ عَنْ الْقِيمَةِ بِالثَّمَنِ ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ ، وَسَبَقَ بَسْطُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ ، فَتَنْزِلُ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ عَلَى هَذَا ، وَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ كَانَتْ بَاقِيَةً ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث