المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الخامس
الصفحة 3408 · ص. المطبوع 479 · الشرح
( الشَّرْحُ ) : الْمَتْجَرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ هُوَ الدُّكَّانُ . ( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) : فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى : يَجِبُ الْعُشْرُ فِي الثَّمَرِ وَالْحَبِّ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ ، أَوْ مِنْ أَرْضٍ عَلَيْهَا خَرَاجٌ ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْعُشْرُ مَعَ الْأُجْرَةِ وَكَذَا مَعَ الْخَرَاجِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : وَتَكُونُ الْأَرْضُ خَرَاجِيَّةً فِي صُورَتَيْنِ : ( إحْدَاهُمَا ) : أَنْ يَفْتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً قَهْرًا وَيُقَسِّمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، ثُمَّ يُعَوِّضُهُمْ عَنْهَا ، ثُمَّ يَقِفُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ فِيهِ ( الثَّانِيَةُ ) : أَنْ يَفْتَحَ بَلْدَةً صُلْحًا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَسْكُنُهَا الْكُفَّارُ بِخَرَاجٍ مَعْلُومٍ ، فَالْأَرْضُ تَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَالْخَرَاجُ أُجْرَةٌ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ ، وَكَذَا إذَا انْجَلَى الْكُفَّارُ عَنْ بَلْدَةٍ وَقُلْنَا : أَنَّ الْأَرْضَ تَصِيرُ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ يُضْرَبُ عَلَيْهَا خَرَاجٌ يُؤَدِّيه مَنْ سَكَنَهَا ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا ، فَأَمَّا إذَا فُتِحَتْ صُلْحًا وَلَمْ يُشْتَرَطْ كَوْنُ الْأَرْضِ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَكِنْ سَكَنُوا فِيهَا بِخَرَاجٍ ، فَهَذَا يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ جِزْيَةٌ . وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي فُتِحَتْ قَهْرًا وَقُسِّمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَثَبَتَتْ فِي أَيْدِيهِمْ ، وَكَذَا الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا ، وَالْأَرْضُ الَّتِي أَحْيَاهَا الْمُسْلِمُونَ ، فَكُلُّهَا عُشْرِيَّةٌ ، وَأَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْهَا ظُلْمٌ .
قَالَ : وَأَمَّا النَّوَاحِي الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا الْخَرَاجُ وَلَا يُعْرَفُ كَيْفَ حَالُهَا فِي الْأَصْلِ فَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يُسْتَدَامُ 479 الْأَخْذُ مِنْهَا ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي فَتَحَهَا صَنَعَ بِهَا كَمَا صَنَعَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا جَرَى طُولَ الدَّهْرِ جَرَى بِحَقٍّ فَإِنْ قِيلَ : هَلْ يَثْبُتُ حُكْمُ أَرْضِ السَّوَادِ مِنْ امْتِنَاعِ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ ؟ قِيلَ : يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : الظَّاهِرُ فِي الْأَخْذِ كَوْنُهُ حَقًّا وَفِي الْأَيْدِي الْمِلْكُ ، فَلَا يَتْرُكُ وَاحِدًا مِنْ الظَّاهِرَيْنِ إلَّا بِيَقِينٍ ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ الْخَرَاجَ الْمَأْخُوذَ ظُلْمًا لَا يَقُومُ مَقَامَ الْعُشْرِ ، فَإِنْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلَ الْعُشْرِ فَهُوَ كَأَخْذِ الْقِيمَةِ بِالِاجْتِهَادِ ، وَفِي سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي آخِرِ بَابِ الْخُلْطَةِ الصَّحِيحُ السُّقُوطُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ . فَعَلَى هَذَا إنْ لَمْ يَبْلُغْ قَدْرَ الْعُشْرِ أَخْرَجَ الْبَاقِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( 6 فَرْعٌ ) : فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي اجْتِمَاعِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ مَذْهَبُنَا اجْتِمَاعُهُمَا ، وَلَا يَمْنَعُ أَحَدُهُمَا وُجُوبَ الْآخَرِ . وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، مِمَّنْ قَالَ بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرَبِيعَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَاللَّيْثُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ الْعُشْرُ مَعَ الْخَرَاجِ .
وَاحْتَجَّ بِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعٍ : " { ۝ لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ } وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " { ۝ مَنَعَتْ الْعِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا } ، " وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ دِهْقَانَ بَهَرَ الْمَلِكَ لَمَّا أَسْلَمَ . قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : سَلِّمُوا إلَيْهِ الْأَرْضَ وَخُذُوا مِنْهُ الْخَرَاجَ ، فَأَمَرَ بِأَخْذِ الْخَرَاجِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِأَخْذِ الْعُشْرِ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَ بِهِ ; وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ بِالْمَعْنَى الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْعُشْرُ ، وَهُوَ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ سَبْخَةً لَا مَنْفَعَةَ لَهَا لَمْ يَجِبْ فِيهَا خَرَاجٌ وَلَا عُشْرٌ فَلَمْ يَجُزْ إيجَابُهُمَا مَعًا ، كَمَا إذَا مَلَكَ نِصَابًا مِنْ السَّائِمَةِ لِلتِّجَارَةِ سَنَةً ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ زَكَاتَانِ ; وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ بِسَبَبِ الشِّرْكِ ، وَالْعُشْرَ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَجْتَمِعَا . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ : فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ } وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ زَكَاةِ الثِّمَارِ ، وَهُوَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ 480 مَا فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ وَغَيْرِهِ . وَاحْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَعَادِنِ ; وَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبَانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كَمَا لَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مَمْلُوكًا ; وَلِأَنَّ الْعُشْرَ وَجَبَ بِالنَّصِّ فَلَا يَمْنَعُهُ الْخَرَاجُ الْوَاجِبُ بِالِاجْتِهَادِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ : " { ۝ لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ } " فَهُوَ أَنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ ، انْفَرَدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ : هَذَا الْمَذْكُورُ إنَّمَا يَرْوِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ مِنْ قَوْلِهِ فَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ هَكَذَا مَرْفُوعًا . وَيَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ مَكْشُوفُ الْأَمْرِ فِي الضَّعْفِ لِرِوَايَتِهِ عَنْ الثِّقَاتِ الْمَوْضُوعَاتِ . قَالَهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ فِيمَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو سَعِيدٍ الْمَالِينِيُّ عَنْهُ . هَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيّ وَكَلَامُ الْبَاقِينَ بِمَعْنَاهُ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ " مَنَعَتْ الْعِرَاقُ " فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ( أَحَدُهُمَا ) : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ سَيُسْلِمُونَ وَتَسْقُطُ عَنْهُمْ الْجِزْيَةُ ، ( وَالثَّانِي ) : أَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى الْفِتَنِ الْكَائِنَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى يَمْنَعُوا الْحُقُوقَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ زَكَاةٍ وَجِزْيَةٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا زَعَمُوهُ لَلَزِمَ أَنْ لَا تَجِبَ زَكَاةُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالتِّجَارَةِ . وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ . وَأَمَّا قِصَّةُ الدُّهْقَانِ فَمَعْنَاهَا خُذُوا مِنْهُ الْخَرَاجَ ; لِأَنَّهُ أَخَّرَهُ فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ سُقُوطُ الْعُشْرِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخَرَاجَ ; لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا تَوَهَّمُوا سُقُوطَهُ بِالْإِسْلَامِ كَالْجِزْيَةِ . وَأَمَّا الْعُشْرُ ، فَمَعْلُومٌ لَهُمْ وُجُوبُهُ عَلَى كُلِّ حُرٍّ مُسْلِمٍ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهِ ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَخْذَ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ مِنْهُ ، وَكَذَا زَكَاةُ النَّقْدِ وَغَيْرُهَا ، وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْ إلْزَامَهُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ . وَأَجَابَ صَاحِبُ الْحَاوِي أَيْضًا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِطَابُ عُمَرَ لِمُتَوَلِّي الْخَرَاجِ الَّذِي لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْأَعْشَارِ ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ أَخْذِ الْعُشْرِ ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَجِبُ فِيهِ عُشْرٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : يَجِبُ الْعُشْرُ بِالْمَعْنَى الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْخَرَاجُ ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعُشْرَ يَجِبُ فِي نَفْسِ الزَّرْعِ وَالْخَرَاجُ يَجِبُ عَنْ الْأَرْضِ ، سَوَاءٌ زَرَعَهَا أَمْ أَهْمَلَهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : الْخَرَاجُ يَجِبُ بِسَبَبِ 481 الشِّرْكِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا تَجِبُ أُجْرَةُ الْأَرْضِ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ ; وَلِأَنَّ هَذَا فَاسِدٌ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ يَجِبُ الْعُشْرُ عَلَى الذِّمِّيِّ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث