المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
الصفحة 3600 · ص. المطبوع 106 · الشرح
( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْمُخْتَصَرِ " فِي هَذَا الْبَابِ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَهَا بَعْدَ أَدَائِهَا إذَا كَانَ مُحْتَاجًا ، وَغَيْرَهَا مِنْ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَالتَّطَوُّعِ ، هَذَا نَصُّهُ ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ ، قَالَ صَاحِبُ " الْحَاوِي " : إذَا أَخْرَجَهَا فَلَهُ أَخْذُهَا مِمَّنْ أَخَذَهَا عَنْ فِطْرَةِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ إذَا كَانَ الدَّافِعُ مِمَّنْ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ أَخْذُهَا بِعَيْنِهَا ، بَلْ لَهُ أَخْذُ غَيْرِهَا ، وَدَلِيلُنَا : أَنَّهَا صَارَتْ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ بِالْقَبْضِ ، فَجَازَ أَخْذُهَا كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ ; وَلِأَنَّهُ دَفَعَهَا لِمَعْنًى ، وَهُوَ الْيَسَارُ بِالْفِطْرَةِ ، وَأَخَذَهَا بِمَعْنَى الْحَاجَةِ وَهُمَا سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَمْ يَمْتَنِعَا ، كَمَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِإِرْثٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ .
وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ " الْمَجْمُوعِ " وَ " التَّجْرِيدِ " : إذَا دَفَعَ فِطْرَتَهُ إلَى فَقِيرٍ ، وَالْفَقِيرُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْفِطْرَةُ فَدَفَعَهَا الْفَقِيرُ إلَيْهِ عَنْ فِطْرَتِهِ جَازَ لِلدَّافِعِ الْأَوَّلِ أَخْذُهَا ، قَالَ : وَكَذَا لَوْ دَفَعَهَا أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الزَّكَوَاتِ إلَى الْإِمَامِ ، ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ الْإِمَامُ قَسْمَ الصَّدَقَاتِ - وَكَانَ الدَّافِعُ مُحْتَاجًا ، جَازَ دَفْعُهَا بِعَيْنِهَا إلَيْهِ ; لِأَنَّهَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي خَرَجَتْ بِهِ ، فَجَازَ كَمَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءِ أَوْ هِبَةٍ .
106 قَالَ فِي " التَّجْرِيدِ " : وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْفُقَرَاءِ ; لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لِغَيْرِهِ فِي جَوَازِ أَخْذِ الصَّدَقَةِ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ : لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْخُذَهَا بَعْدَ دَفْعِهَا ; لِأَنَّ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ لَا يُنَافِي أَخْذَ الصَّدَقَةِ ; لِأَنَّ وُجُوبَهَا لَا يَقْتَضِي غِنًى يُنَافِي الْمَسْكَنَةَ وَالْفَقْرَ ، فَإِنَّ زَكَاةَ الْمَالِ قَدْ تَجِبُ عَلَى مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ ; لِأَنَّ الزَّكَاةَ يَحِلُّ أَخْذُهَا بِجِهَاتٍ غَيْرَ الْفَقْرِ ، وَالْمَسْكَنَةِ ، كَالْغَارِمِ لِذَاتِ الْبَيْنِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ الْمُوسِرِ فِي بَلَدِهِ ، وَالْغَازِي ، فَإِنَّهُمْ تَلْزَمُهُمْ زَكَاةُ أَمْوَالِهِمْ وَيَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ ، فَلَا يُمْتَنَعُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى إنْسَانٍ وَجَوَازِ أَخْذِ الزَّكَاةِ ، ( وَأَمَّا ) السَّرَخْسِيُّ فَقَالَ : إذَا لَزِمَتْهُ الْفِطْرَةُ ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُ صَاعٌ - وَكَانَ فَقِيرًا لَيْسَ لَهُ كِفَايَتُهُ عَلَى الدَّوَامِ - فَلَهُ أَخْذُ فِطْرَةِ غَيْرِهِ وَغَيْرِهَا مِنْ الزَّكَوَاتِ ، ثُمَّ إنْ أَخْرَجَ فِطْرَتَهُ أَوَّلًا ، فَلَهُ أَخْذُ فِطْرَةِ غَيْرِ الْمَصْرُوفِ إلَيْهِ ، وَفِطْرَةِ الْمَصْرُوفِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي صَرَفَهَا ، وَهَلْ لَهُ أَخْذُ الْفِطْرَةِ الَّتِي صَرَفَهَا هُوَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : ( الصَّحِيحُ ) : جَوَازُهَا .
قَالَ : وَكَذَا لَوْ أَخَذَ أَوَّلًا فِطْرَةَ غَيْرِهِ ، ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَ فِطْرَةِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ مِنْهَا إلَى غَيْرِ دَافِعِهَا جَازَ ، فَإِنْ أَرَادَ صَرْفَهَا إلَى دَافِعِهَا إلَيْهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ .
( الصَّحِيحُ ) : الْجَوَازُ ، وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ فِي الْمَنْعِ شَاذٌّ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ ، مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَلِلدَّلِيلِ ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ الْفِطْرَةُ أَوْ زَكَاةُ الْمَالِ ، وَيَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْفِطْرَةِ وَالزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِهِ ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْأَخْذُ مِنْ نَفْسِ الْمَدْفُوعِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، وَمِنْ الْإِمَامِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ . وَفِيهِ الْوَجْهُ الشَّاذُّ عَنْ السَّرَخْسِيِّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث