المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
( الشَّرْحُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا عَجَّلَ زَكَاتَهُ ثُمَّ هَلَكَ النِّصَابُ أَوْ بَعْضُهُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ ، خَرَجَ الْمَدْفُوعُ عَنْ كَوْنِهِ زَكَاةً بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ شَرْطَ الزَّكَاةِ الْحَوْلُ وَلَمْ يُوجَدْ ، ( وَأَمَّا ) الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الْمَالِكَ الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ، وَبَيَّنَ عِنْدَ الدَّفْعِ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ ، وَقَالَ : إنْ عَرَضَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِهَا اسْتَرْجَعْتُهَا - فَلَهُ الرُّجُوعُ بِلَا خِلَافٍ . وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : هَذِهِ زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ أَوْ عَلِمَ الْقَابِضُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الرُّجُوعَ فَطَرِيقَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) الْقَطْعُ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ . وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ .
( وَالثَّانِي ) فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) هَذَا .
( وَالثَّانِي ) لَا رُجُوعَ ، حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ ; لِأَنَّ التَّمْلِيكَ وُجِدَ . فَإِذَا لَمْ يَقَعْ فَرْضًا وَقَعَ نَفْلًا ، كَمَا لَوْ 119 قَالَ : هَذِهِ صَدَقَتِي الْمُعَجَّلَةُ ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْمَوْقِعَ وَإِلَّا فَهِيَ نَافِلَةٌ . فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَا رُجُوعَ لَهُ إذًا لَمْ تَقَعْ الْمَوْقِعَ بِلَا خِلَافٍ . ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ : وَهَذَا الْخِلَافُ قَرِيبٌ مِنْ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَنَّهَا هَلْ تَنْعَقِدُ نَفْلًا ؟ وَلَهُ نَظَائِرُ سَبَقَتْ هُنَاكَ ، وَإِنْ دَفَعَهَا الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي وَذَكَرَ أَنَّهَا مُعَجَّلَةٌ ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ الرُّجُوعُ ، ثَبَتَ الِاسْتِرْدَادُ بِلَا خِلَافٍ ، وَوَافَقَ عَلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِالْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ قَالَ الْمَالِكُ : مُعَجَّلَةٌ فَقَطْ .
وَإِنْ دَفَعَ الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي أَوْ الْمَالِكُ وَلَمْ يَقُلْ : إنَّهَا مُعَجَّلَةٌ ، وَلَا عَلِمَهُ الْقَابِضُ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ : ( أَحَدُهَا ) يَثْبُتُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ .
( وَالثَّانِي ) لَا يَثْبُتُ مُطْلَقًا لِتَفْرِيطِ الرَّفْعِ .
( وَالثَّالِثُ ) إنْ دَفَعَ الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي رَجَعَ ، وَإِنْ دَفَعَ الْمَالِكُ فَلَا ; لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَبِهَذَا الثَّالِثِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ . وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالسَّرَخْسِيُّ : نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمَامِ أَنَّهُ يَسْتَرِدُّ ، وَفِي الْمَالِكِ لَا يَسْتَرِدُّ ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : فِيهِمَا قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَسْتَرِدُّ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا ظَانًّا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا فَلَمْ يَكُنْ ، فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ بِلَا خِلَافٍ .
( وَالثَّانِي ) لَا يَسْتَرِدُّ ; لِأَنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَقَعُ فَرْضًا وَقَدْ تَقَعُ تَطَوُّعًا ، فَإِذَا لَمْ تَقَعْ فَرْضًا وَقَعَتْ تَطَوُّعًا ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِبِ ظَانًّا بَقَاءَهُ فَبَانَ تَالِفًا ، فَإِنَّهُ يَقَعُ تَطَوُّعًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ عَمَلًا بِظَاهِرِ النَّصِّ ، فَقَالَ : يَسْتَرِدُّ الْإِمَامُ دُونَ الْمَالِكِ ; لِأَنَّ الْمَالِكَ يُعْطِي مِنْ مَالِهِ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ فَرْضًا وَقَعَ نَفْلًا ، وَالْإِمَامُ لَا يُعْطِي مِنْ مَالِ الْغَيْرِ إلَّا فَرْضًا ، فَكَانَ دَفْعُهُ الْمُطْلَقَ كَالْمُقَيَّدِ بِالْفَرْضِ . قَالَا : وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَالِكِ ، وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالَيْنِ ، فَقَوْلُهُ : يَسْتَرِدُّ إذَا أَعْلَمَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ . وَحَيْثُ قَالَ : ( لَا يَسْتَرِدُّ ) ، أَرَادَ إذَا لَمْ يُعْلِمْهُ التَّعْجِيلَ ، سَوَاءٌ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مَفْرُوضَةٌ أَمْ لَا . فَإِنْ أَثْبَتْنَا الرُّجُوعَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَقَالَ الْمَالِكُ : قَصَدْتُ بِالْمَدْفُوعِ التَّعْجِيلَ ، وَأَنْكَرَ الْقَابِضُ ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ ، وَلَوْ ادَّعَى الْمَالِكُ عِلْمَ الْقَابِضِ بِالتَّعْجِيلِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِعِلْمِهِ ، وَهَلْ يَحْلِفُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) يَحْلِفُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : 120 وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يَحْيَى الْبَلْخِيّ ; لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ بِمَا قَالَهُ الدَّافِعُ لَضَمِنَ .
( وَالثَّانِي ) لَا يَحْلِفُ ; لِأَنَّ دَعْوَى رَبِّ الْمَالِ تُخَالِفُ الظَّاهِرَ فَلَمْ تُسْمَعْ . فَإِنْ قُلْنَا : يَحْلِفُ . حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَوْ وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ الدَّافِعِ وَوَارِثِ الْقَابِضِ صُدِّقَ الْوَارِثُ ، وَهَلْ يَحْلِفُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ كَالْقَابِضِ . وَإِذَا قُلْنَا : لَا رُجُوعَ إذَا لَمْ يَذْكُرْ التَّعْجِيلَ وَلَا عَلِمَهُ الْقَابِضُ فَتَنَازَعَا فِي ذِكْرِهِ ، أَوْ قُلْنَا : يُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِاشْتِرَاطِ الرُّجُوعِ فَتَنَازَعَا فِيهِ ، أَوْ دَفَعَ الْإِمَامُ وَقُلْنَا : يُشْتَرَطُ لِرُجُوعِهِ أَنْ يُبَيِّنَ كَوْنَهَا مُعَجَّلَةً فَتَنَازَعَا فِيهِ ، فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ : ( أَصَحُّهُمَا ) يُصَدَّقُ الدَّافِعُ بِيَمِينِهِ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى إنْسَانٍ وَقَالَ : دَفَعْتُهُ عَارِيَّةً ، وَقَالَ الْقَابِضُ : بَلْ هِبَةً ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ بِيَمِينِهِ .
( وَالثَّانِي ) يُصَدَّقُ الْقَابِضُ بِيَمِينِهِ ; لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ مَلَكَ الْمَقْبُوضَ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ هُنَا بِلَا خِلَافٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَالَ : وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ . قَالَ أَصْحَابُنَا : هَذَا كُلُّهُ إذَا عَرَضَ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْقَابِضِ الزَّكَاةَ ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ فَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْدَادُ بِلَا سَبَبٍ ; لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالتَّعْجِيلِ ، فَهُوَ كَمَنْ عَجَّلَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا لَيْسَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ ، وَلَوْ قَالَ : هَذِهِ زَكَاتِي أَوْ صَدَقَتِي الْمَفْرُوضَةُ ، فَطَرِيقَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ كَمَنْ ذَكَرَ التَّعْجِيلَ دُونَ الرُّجُوعِ .
( وَأَصَحُّهُمَا ) أَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا أَصْلًا ، وَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِأَنَّ الْمَالِكَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَسْتَرِدُّ وَأَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَرِدُّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كُلَّهُ فِيمَا إذَا عَرَضَ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الْمَدْفُوعِ زَكَاةً ، كَمَوْتِ الْقَابِضِ وَتَغَيُّرِ حَالِهِ وَتَلَفِ النِّصَابِ وَنَقْصِهِ أَوْ تَغَيُّرِ صِفَتِهِ بِأَنْ كَانَ سَائِمَةً فَعَلَفَهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : فَحَيْثُ قُلْنَا : لَهُ الرُّجُوعُ لَوْ تَلِفَ النِّصَابُ أَوْ بَعْضُهُ فَأَتْلَفَهُ الْمَالِكُ أَوْ أَتْلَفَ مِنْهُ مَا نَقَصَ بِهِ النِّصَابُ ، فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَالنَّفَقَةِ أَوْ الْخَوْفِ عَلَيْهِ أَوْ ذَبَحَهُ لِلْأَكْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - ثَبَتَ الرُّجُوعُ قَطْعًا ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ حَاجَةٌ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلَيْهِمَا ( أَصَحُّهُمَا ) يَثْبُتُ الرُّجُوعُ ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : هَذَانِ الْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِصْطَخْرِيُّ 121
( فَرْعٌ ) : قَالَ أَصْحَابُنَا : مَتَى ثَبَتَ الرُّجُوعُ فَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ تَالِفًا ضَمِنَهُ الْقَابِضُ إنْ كَانَ حَيًّا وَوَرَثَتُهُ فِي تَرِكَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا بِبَدَلِهِ . فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا كَالدَّرَاهِمِ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إنْ كَانَ حَيَوَانًا فَهَلْ يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ أَمْ بِمِثْلِهِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ اقْتَرَضَ حَيَوَانًا فَمَاذَا يَرُدُّ ؟ قَالَ : وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : يَرُدُّ مِثْلَ الْمُعَجَّلِ . فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَظَاهِرِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمِثْلِيِّ . فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الدَّفْعِ أَمْ يَوْمَ التَّلَفِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلَيْهِمَا : ( أَصَحُّهُمَا ) يَوْمَ الدَّفْعِ ، صَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ ، وَصَحَّحَهُ السَّرَخْسِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَيَنْقَدِحُ عِنْدِي وَجْهٌ ثَالِثٌ : وَهُوَ إيجَابُ أَقْصَى الْقِيَمِ مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ إلَى التَّلَفِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّا نَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمِلْكَ لَيْسَ حَاصِلًا لِلْقَابِضِ ، وَنَتَبَيَّنُ أَنَّ الْيَدَ يَدُ ضَمَانٍ كَمَا فِي الْمُسْتَامِ ، وَهَذَا بَعِيدٌ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَعَ ثُبُوتِ ظَاهِرِ الْمِلْكِ لِلْقَابِضِ ، وَهَذَا الثَّالِثُ الَّذِي ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ وَجْهًا لِلْأَصْحَابِ وَضَعَّفَهُ . وَحَكَى الْبَنْدَنِيجِيُّ وَجْهًا رَابِعًا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الرُّجُوعِ وَهُوَ غَلَطٌ . هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ تَالِفَةً ، فَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً بِحَالِهَا بِغَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ رَجَعَ فِيهَا وَدَفَعَهَا أَوْ غَيْرَهَا إلَى مُسْتَحِقِّ الزَّكَاةِ إنْ بَقِيَ الدَّافِعُ وَمَالُهُ بِصِفَةِ الْوُجُوبِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُ عَيْنِ الْمَأْخُوذِ فِي الزَّكَاةِ ; لِأَنَّ الدَّفْعَ لَمْ يَقَعْ عَنْ الزَّكَاةِ الْمُجْزِئَةِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ وَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَلَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ حَيْثُ شَاءَ ، وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الْإِمَامُ أَخَذَ الْمَدْفُوعَ ، وَهَلْ يَصْرِفُهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّينَ بِغَيْرِ إذْنٍ جَدِيدٍ مِنْ الْمَالِكِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) الْجَوَازُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ . وَإِنْ أَخَذَ الْإِمَامُ الْقِيمَةَ عِنْدَ تَلَفِ الْمُعَجَّلِ فَهَلْ يُجْزِئُ صَرْفُهَا إلَى الْمُسْتَحَقِّينَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) لَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَا تُجْزِئُ عِنْدَنَا ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : ( وَأَصَحُّهُمَا ) يُجْزِئُ ; لِأَنَّهُ دَفَعَ الْعَيْنَ أَوَّلًا ، وَعَلَى هَذَا فَفِي افْتِقَارِهِ إلَى إذْنٍ جَدِيدٍ مِنْ الْمَالِكِ الْوَجْهَانِ كَالْعَيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يُفْتَقَرُ .
وَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ بَاقِيًا وَلَكِنَّهُ نَاقِصٌ يَرْجِعُ فِيهِ ، وَهَلْ لَهُ 122 أَرْشُ نَقْصِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلَيْهِمَا ، ( أَصَحُّهُمَا ) وَظَاهِرُ النَّصِّ لَا أَرْشَ لَهُ ، كَذَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ ، وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ ، وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ كَمَنْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ وَرَجَعَ وَالْعَيْنُ نَاقِصَةٌ . وَمَنْ قَالَ بِالرُّجُوعِ فَرَّقَ بِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَوْ تَلِفَ كُلُّهُ لَمْ يَغْرَمْهُ الْوَلَدُ فَنَقْصُهُ أَوْلَى بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَهُ بَعْدَ اسْتِرْجَاعِهِ عَنْ زَكَاتِهِ إلَى فَقِيرٍ آخَرَ أَوْ إلَى وَرَثَةِ الْقَابِضِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ لِنُقْصَانِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُهُ بِصِفَتِهِ . وَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ زَائِدًا زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ أَخَذَهُ مَعَ زِيَادَتِهِ بِلَا خِلَافٍ . وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ فَطَرِيقَانِ : ( الصَّحِيحُ ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْأَصْلِ دُونَ الزِّيَادَةِ ، وَتَكُونُ الزِّيَادَةُ لِلْقَابِضِ ; لِأَنَّهَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ .
( وَالثَّانِي ) فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُمْ : ( أَصَحُّهُمَا ) هَذَا ; لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقِيَاسًا عَلَى وَلَدِ الْمَبِيعِ الْمَرْدُودِ بِعَيْبٍ إذَا حَدَثَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرَّدِّ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ بِلَا خِلَافٍ .
( وَالثَّانِي ) يَرْجِعُ فِي الْأَصْلِ وَالزِّيَادَةِ ; لِأَنَّهُ بِخُرُوجِهِ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ .
قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَابِضُ حَالَ الْقَبْضِ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ . فَأَمَّا إنْ بَانَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقَبْضِ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ ، كَغَنِيٍّ وَعَبْدٍ وَكَافِرٍ فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ وَيُغَرِّمُهُ أَرْشَ النَّقْصِ بِلَا خِلَافٍ فِي هَذَا كُلِّهِ وَإِنْ كَانَ يَوْمَ حُلُولِ الْحَوْلِ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ ; لِأَنَّ الدَّفْعَ لَمْ يَقَعْ صَحِيحًا مَحْسُوبًا عَنْ الزَّكَاةِ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَحَيْثُ جَرَتْ حَالَةٌ تَسْتَوْجِبُ الِاسْتِرْجَاعَ فَلَا حَاجَةَ إلَى نَقْضِ الْمِلْكِ وَالرُّجُوعِ فِيهِ بَلْ يُنْتَقَضُ الْمِلْكُ أَوْ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ حَصَلَ ثُمَّ انْتَقَضَ ، قَالَ : وَلَيْسَ كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَإِنَّ الرَّاجِعَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَدَامَ مِلْكَ الْمُتَّهَبِ وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ ; لِأَنَّ الْقَابِضَ هُنَا لَمْ يَمْلِكْ إلَّا بِسَبَبِ الزَّكَاةِ فَإِذَا لَمْ تَقَعْ زَكَاةٌ زَالَ الْمِلْكُ . ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الرُّجُوعِ بِأَرْشِ النَّقْصِ أَوْ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ هُوَ فِيمَا إذَا جَرَتْ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ قَبْلَ حُدُوثِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلرُّجُوعِ ، فَأَمَّا إذَا جَرَتْ الزِّيَادَةُ بَعْدَهُ فَلَا شَكَّ أَنَّهَا لِلرَّاجِعِ فَإِنَّهَا إنَّمَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ . قَالَ : وَإِنْ حَصَلَ نَقْصٌ أَوْ 123 تَلَفٌ بَعْدَ سَبَبِ الرُّجُوعِ فَالْوَجْهُ عِنْدِي وُجُوبُ الضَّمَانِ ; لِأَنَّ الْعَيْنَ لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِ الْقَابِضِ وَهِيَ عَلَى مِلْكِهِ ثُمَّ حَدَثَ سَبَبُ الرُّجُوعِ ضَمِنَهَا ، فَتَلَفُهَا بَعْدَهُ أَوْلَى بِوُجُوبِ الضَّمَانِ . كَمَا أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَضْمَنُ سَوَاءٌ تَلِفَتْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الرَّدِّ أَوْ بَعْدَهُ ; وَلِأَنَّ الْمَقْبُوضَ عَنْ الزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ دَفَعَ زَكَاةً فَإِذَا لَمْ يَقَعْ عَنْهَا فَهُوَ مَضْمُونٌ .
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَذَكَرَ الصَّيْدَلَانِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَشْهِدُ فِي ( مَسْأَلَةِ ) النَّقْصِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِأَرْشِهِ إذَا رَجَعَ فِي الْعَيْنِ بِمَسْأَلَةٍ ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَقَبَضَهُ وَسَلَّمَ ثَمَنَهُ ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ بِالثَّوْبِ فَرَدَّهُ وَصَادَفَ الثَّمَنَ نَاقِصَ الصِّفَةِ قَالَ : يَأْخُذُهُ نَاقِصًا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ النَّقْصِ . قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا مُشْكِلٌ ، فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ تَلَفُ الثَّمَنِ رَجَعَ بِبَدَلِهِ ، فَإِلْزَامُهُ الرِّضَا بِهِ مَعِيبًا بَعْدَ الرَّدِّ بَعِيدٌ .
( قُلْتُ ) : الصَّوَابُ الْمُتَعَيَّنُ قَوْلُ الْقَفَّالِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) : لَوْ كَانَ الْمُعَجَّلُ بَعِيرَيْنِ أَوْ شَاتَيْنِ ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا وَبَقِيَ الْآخَرُ وَوُجِدَ سَبَبُ الرُّجُوعِ رَجَعَ فِي الْبَاقِي وَبَدَلِ التَّالِفِ ، وَفِي بَدَلِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ قَرِيبًا ، ( الْأَصَحُّ ) قِيمَتُهُ ( وَالثَّانِي ) مِثْلُهُ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الْمَاوَرْدِيُّ . ( فَرْعٌ ) : الْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْقَابِضَ يَمْلِكُ الْمُعَجَّلَ مِلْكًا تَامًّا ، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا . وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ عَرَضَ مَانِعٌ تَبَيَّنَّا عَدَمَ الْمِلْكِ وَإِلَّا تَبَيَّنَّا الْمِلْكَ فَلَوْ بَاعَ الْقَابِضُ ثُمَّ طَرَأَ الْمَانِعُ ، ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِالْمَذْهَبِ اسْتَمَرَّ الْبَيْعُ عَلَى صِحَّتِهِ وَإِلَّا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَهُ ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً فَأَرَادَ الْقَابِضُ رَدَّ بَدَلِهَا دُونَهَا ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْوَقْفِ فَلَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَفِي جَوَازِ الْإِبْدَالِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ فِي مِثْلِهِ فِي الْقَرْضِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ أَمْ بِالتَّصَرُّفِ ؟ ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِالتَّصَرُّفِ فَلَيْسَ لَهُ ، ( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالْقَبْضِ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَوَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) لَيْسَ لَهُ ، ( وَالثَّانِي ) لَهُ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إذَا أَثْبَتْنَا الرُّجُوعَ فَفِيهِ تَقْدِيرَانِ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِمَا الْأَصْحَابُ وَحَوَّمَ عَلَيْهِمَا صَاحِبُ التَّقْرِيبِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّا نَتَبَيَّنُ أَنَّ مِلْكَ الدَّافِعِ لَمْ يَزُلْ ، وَكَانَ الْمِلْكُ مَوْقُوفًا .
( وَالثَّانِي ) أَنَّ الْمَدْفُوعَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الزَّكَاةِ وَالْقَرْضِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ الزَّكَاةُ مَوْقِعَهَا وَإِلَّا فَهُوَ قَرْضٌ . قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا فِي نِهَايَةِ الْحُسْنِ . قَالَ فَعَلَى هَذَا ( إنْ قُلْنَا ) : الْقَرْضُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالتَّصَرُّفِ لَمْ يَكُنْ لِلْقَابِضِ 124 الْإِبْدَالُ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ . قَالَ : وَلَوْ بَاعَهَا ثُمَّ طَرَأَ الْمَانِعُ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا سَبَقَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَالثَّانِي ) فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) هَذَا .
( وَالثَّانِي ) لَا رُجُوعَ ، حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ ; لِأَنَّ التَّمْلِيكَ وُجِدَ . فَإِذَا لَمْ يَقَعْ فَرْضًا وَقَعَ نَفْلًا ، كَمَا لَوْ 119 قَالَ : هَذِهِ صَدَقَتِي الْمُعَجَّلَةُ ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْمَوْقِعَ وَإِلَّا فَهِيَ نَافِلَةٌ . فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَا رُجُوعَ لَهُ إذًا لَمْ تَقَعْ الْمَوْقِعَ بِلَا خِلَافٍ . ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ : وَهَذَا الْخِلَافُ قَرِيبٌ مِنْ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَنَّهَا هَلْ تَنْعَقِدُ نَفْلًا ؟ وَلَهُ نَظَائِرُ سَبَقَتْ هُنَاكَ ، وَإِنْ دَفَعَهَا الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي وَذَكَرَ أَنَّهَا مُعَجَّلَةٌ ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ الرُّجُوعُ ، ثَبَتَ الِاسْتِرْدَادُ بِلَا خِلَافٍ ، وَوَافَقَ عَلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِالْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ قَالَ الْمَالِكُ : مُعَجَّلَةٌ فَقَطْ .
وَإِنْ دَفَعَ الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي أَوْ الْمَالِكُ وَلَمْ يَقُلْ : إنَّهَا مُعَجَّلَةٌ ، وَلَا عَلِمَهُ الْقَابِضُ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ : ( أَحَدُهَا ) يَثْبُتُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ .
( وَالثَّانِي ) لَا يَثْبُتُ مُطْلَقًا لِتَفْرِيطِ الرَّفْعِ .
( وَالثَّالِثُ ) إنْ دَفَعَ الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي رَجَعَ ، وَإِنْ دَفَعَ الْمَالِكُ فَلَا ; لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَبِهَذَا الثَّالِثِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ . وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالسَّرَخْسِيُّ : نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمَامِ أَنَّهُ يَسْتَرِدُّ ، وَفِي الْمَالِكِ لَا يَسْتَرِدُّ ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : فِيهِمَا قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَسْتَرِدُّ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا ظَانًّا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا فَلَمْ يَكُنْ ، فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ بِلَا خِلَافٍ .
( وَالثَّانِي ) لَا يَسْتَرِدُّ ; لِأَنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَقَعُ فَرْضًا وَقَدْ تَقَعُ تَطَوُّعًا ، فَإِذَا لَمْ تَقَعْ فَرْضًا وَقَعَتْ تَطَوُّعًا ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِبِ ظَانًّا بَقَاءَهُ فَبَانَ تَالِفًا ، فَإِنَّهُ يَقَعُ تَطَوُّعًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ عَمَلًا بِظَاهِرِ النَّصِّ ، فَقَالَ : يَسْتَرِدُّ الْإِمَامُ دُونَ الْمَالِكِ ; لِأَنَّ الْمَالِكَ يُعْطِي مِنْ مَالِهِ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ فَرْضًا وَقَعَ نَفْلًا ، وَالْإِمَامُ لَا يُعْطِي مِنْ مَالِ الْغَيْرِ إلَّا فَرْضًا ، فَكَانَ دَفْعُهُ الْمُطْلَقَ كَالْمُقَيَّدِ بِالْفَرْضِ . قَالَا : وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَالِكِ ، وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالَيْنِ ، فَقَوْلُهُ : يَسْتَرِدُّ إذَا أَعْلَمَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ . وَحَيْثُ قَالَ : ( لَا يَسْتَرِدُّ ) ، أَرَادَ إذَا لَمْ يُعْلِمْهُ التَّعْجِيلَ ، سَوَاءٌ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مَفْرُوضَةٌ أَمْ لَا . فَإِنْ أَثْبَتْنَا الرُّجُوعَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَقَالَ الْمَالِكُ : قَصَدْتُ بِالْمَدْفُوعِ التَّعْجِيلَ ، وَأَنْكَرَ الْقَابِضُ ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ ، وَلَوْ ادَّعَى الْمَالِكُ عِلْمَ الْقَابِضِ بِالتَّعْجِيلِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِعِلْمِهِ ، وَهَلْ يَحْلِفُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) يَحْلِفُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : 120 وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يَحْيَى الْبَلْخِيّ ; لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ بِمَا قَالَهُ الدَّافِعُ لَضَمِنَ .
( وَالثَّانِي ) لَا يَحْلِفُ ; لِأَنَّ دَعْوَى رَبِّ الْمَالِ تُخَالِفُ الظَّاهِرَ فَلَمْ تُسْمَعْ . فَإِنْ قُلْنَا : يَحْلِفُ . حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَوْ وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ الدَّافِعِ وَوَارِثِ الْقَابِضِ صُدِّقَ الْوَارِثُ ، وَهَلْ يَحْلِفُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ كَالْقَابِضِ . وَإِذَا قُلْنَا : لَا رُجُوعَ إذَا لَمْ يَذْكُرْ التَّعْجِيلَ وَلَا عَلِمَهُ الْقَابِضُ فَتَنَازَعَا فِي ذِكْرِهِ ، أَوْ قُلْنَا : يُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِاشْتِرَاطِ الرُّجُوعِ فَتَنَازَعَا فِيهِ ، أَوْ دَفَعَ الْإِمَامُ وَقُلْنَا : يُشْتَرَطُ لِرُجُوعِهِ أَنْ يُبَيِّنَ كَوْنَهَا مُعَجَّلَةً فَتَنَازَعَا فِيهِ ، فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ : ( أَصَحُّهُمَا ) يُصَدَّقُ الدَّافِعُ بِيَمِينِهِ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى إنْسَانٍ وَقَالَ : دَفَعْتُهُ عَارِيَّةً ، وَقَالَ الْقَابِضُ : بَلْ هِبَةً ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ بِيَمِينِهِ .
( وَالثَّانِي ) يُصَدَّقُ الْقَابِضُ بِيَمِينِهِ ; لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ مَلَكَ الْمَقْبُوضَ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ هُنَا بِلَا خِلَافٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَالَ : وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ . قَالَ أَصْحَابُنَا : هَذَا كُلُّهُ إذَا عَرَضَ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْقَابِضِ الزَّكَاةَ ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ فَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْدَادُ بِلَا سَبَبٍ ; لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالتَّعْجِيلِ ، فَهُوَ كَمَنْ عَجَّلَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا لَيْسَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ ، وَلَوْ قَالَ : هَذِهِ زَكَاتِي أَوْ صَدَقَتِي الْمَفْرُوضَةُ ، فَطَرِيقَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ كَمَنْ ذَكَرَ التَّعْجِيلَ دُونَ الرُّجُوعِ .
( وَأَصَحُّهُمَا ) أَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا أَصْلًا ، وَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِأَنَّ الْمَالِكَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَسْتَرِدُّ وَأَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَرِدُّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كُلَّهُ فِيمَا إذَا عَرَضَ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الْمَدْفُوعِ زَكَاةً ، كَمَوْتِ الْقَابِضِ وَتَغَيُّرِ حَالِهِ وَتَلَفِ النِّصَابِ وَنَقْصِهِ أَوْ تَغَيُّرِ صِفَتِهِ بِأَنْ كَانَ سَائِمَةً فَعَلَفَهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : فَحَيْثُ قُلْنَا : لَهُ الرُّجُوعُ لَوْ تَلِفَ النِّصَابُ أَوْ بَعْضُهُ فَأَتْلَفَهُ الْمَالِكُ أَوْ أَتْلَفَ مِنْهُ مَا نَقَصَ بِهِ النِّصَابُ ، فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَالنَّفَقَةِ أَوْ الْخَوْفِ عَلَيْهِ أَوْ ذَبَحَهُ لِلْأَكْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - ثَبَتَ الرُّجُوعُ قَطْعًا ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ حَاجَةٌ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلَيْهِمَا ( أَصَحُّهُمَا ) يَثْبُتُ الرُّجُوعُ ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : هَذَانِ الْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِصْطَخْرِيُّ 121
( فَرْعٌ ) : قَالَ أَصْحَابُنَا : مَتَى ثَبَتَ الرُّجُوعُ فَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ تَالِفًا ضَمِنَهُ الْقَابِضُ إنْ كَانَ حَيًّا وَوَرَثَتُهُ فِي تَرِكَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا بِبَدَلِهِ . فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا كَالدَّرَاهِمِ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إنْ كَانَ حَيَوَانًا فَهَلْ يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ أَمْ بِمِثْلِهِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ اقْتَرَضَ حَيَوَانًا فَمَاذَا يَرُدُّ ؟ قَالَ : وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : يَرُدُّ مِثْلَ الْمُعَجَّلِ . فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَظَاهِرِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمِثْلِيِّ . فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الدَّفْعِ أَمْ يَوْمَ التَّلَفِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلَيْهِمَا : ( أَصَحُّهُمَا ) يَوْمَ الدَّفْعِ ، صَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ ، وَصَحَّحَهُ السَّرَخْسِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَيَنْقَدِحُ عِنْدِي وَجْهٌ ثَالِثٌ : وَهُوَ إيجَابُ أَقْصَى الْقِيَمِ مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ إلَى التَّلَفِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّا نَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمِلْكَ لَيْسَ حَاصِلًا لِلْقَابِضِ ، وَنَتَبَيَّنُ أَنَّ الْيَدَ يَدُ ضَمَانٍ كَمَا فِي الْمُسْتَامِ ، وَهَذَا بَعِيدٌ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَعَ ثُبُوتِ ظَاهِرِ الْمِلْكِ لِلْقَابِضِ ، وَهَذَا الثَّالِثُ الَّذِي ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ وَجْهًا لِلْأَصْحَابِ وَضَعَّفَهُ . وَحَكَى الْبَنْدَنِيجِيُّ وَجْهًا رَابِعًا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الرُّجُوعِ وَهُوَ غَلَطٌ . هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ تَالِفَةً ، فَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً بِحَالِهَا بِغَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ رَجَعَ فِيهَا وَدَفَعَهَا أَوْ غَيْرَهَا إلَى مُسْتَحِقِّ الزَّكَاةِ إنْ بَقِيَ الدَّافِعُ وَمَالُهُ بِصِفَةِ الْوُجُوبِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُ عَيْنِ الْمَأْخُوذِ فِي الزَّكَاةِ ; لِأَنَّ الدَّفْعَ لَمْ يَقَعْ عَنْ الزَّكَاةِ الْمُجْزِئَةِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ وَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَلَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ حَيْثُ شَاءَ ، وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الْإِمَامُ أَخَذَ الْمَدْفُوعَ ، وَهَلْ يَصْرِفُهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّينَ بِغَيْرِ إذْنٍ جَدِيدٍ مِنْ الْمَالِكِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) الْجَوَازُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ . وَإِنْ أَخَذَ الْإِمَامُ الْقِيمَةَ عِنْدَ تَلَفِ الْمُعَجَّلِ فَهَلْ يُجْزِئُ صَرْفُهَا إلَى الْمُسْتَحَقِّينَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) لَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَا تُجْزِئُ عِنْدَنَا ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : ( وَأَصَحُّهُمَا ) يُجْزِئُ ; لِأَنَّهُ دَفَعَ الْعَيْنَ أَوَّلًا ، وَعَلَى هَذَا فَفِي افْتِقَارِهِ إلَى إذْنٍ جَدِيدٍ مِنْ الْمَالِكِ الْوَجْهَانِ كَالْعَيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يُفْتَقَرُ .
وَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ بَاقِيًا وَلَكِنَّهُ نَاقِصٌ يَرْجِعُ فِيهِ ، وَهَلْ لَهُ 122 أَرْشُ نَقْصِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلَيْهِمَا ، ( أَصَحُّهُمَا ) وَظَاهِرُ النَّصِّ لَا أَرْشَ لَهُ ، كَذَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ ، وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ ، وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ كَمَنْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ وَرَجَعَ وَالْعَيْنُ نَاقِصَةٌ . وَمَنْ قَالَ بِالرُّجُوعِ فَرَّقَ بِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَوْ تَلِفَ كُلُّهُ لَمْ يَغْرَمْهُ الْوَلَدُ فَنَقْصُهُ أَوْلَى بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَهُ بَعْدَ اسْتِرْجَاعِهِ عَنْ زَكَاتِهِ إلَى فَقِيرٍ آخَرَ أَوْ إلَى وَرَثَةِ الْقَابِضِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ لِنُقْصَانِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُهُ بِصِفَتِهِ . وَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ زَائِدًا زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ أَخَذَهُ مَعَ زِيَادَتِهِ بِلَا خِلَافٍ . وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ فَطَرِيقَانِ : ( الصَّحِيحُ ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْأَصْلِ دُونَ الزِّيَادَةِ ، وَتَكُونُ الزِّيَادَةُ لِلْقَابِضِ ; لِأَنَّهَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ .
( وَالثَّانِي ) فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُمْ : ( أَصَحُّهُمَا ) هَذَا ; لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقِيَاسًا عَلَى وَلَدِ الْمَبِيعِ الْمَرْدُودِ بِعَيْبٍ إذَا حَدَثَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرَّدِّ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ بِلَا خِلَافٍ .
( وَالثَّانِي ) يَرْجِعُ فِي الْأَصْلِ وَالزِّيَادَةِ ; لِأَنَّهُ بِخُرُوجِهِ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ .
قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَابِضُ حَالَ الْقَبْضِ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ . فَأَمَّا إنْ بَانَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقَبْضِ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ ، كَغَنِيٍّ وَعَبْدٍ وَكَافِرٍ فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ وَيُغَرِّمُهُ أَرْشَ النَّقْصِ بِلَا خِلَافٍ فِي هَذَا كُلِّهِ وَإِنْ كَانَ يَوْمَ حُلُولِ الْحَوْلِ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ ; لِأَنَّ الدَّفْعَ لَمْ يَقَعْ صَحِيحًا مَحْسُوبًا عَنْ الزَّكَاةِ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَحَيْثُ جَرَتْ حَالَةٌ تَسْتَوْجِبُ الِاسْتِرْجَاعَ فَلَا حَاجَةَ إلَى نَقْضِ الْمِلْكِ وَالرُّجُوعِ فِيهِ بَلْ يُنْتَقَضُ الْمِلْكُ أَوْ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ حَصَلَ ثُمَّ انْتَقَضَ ، قَالَ : وَلَيْسَ كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَإِنَّ الرَّاجِعَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَدَامَ مِلْكَ الْمُتَّهَبِ وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ ; لِأَنَّ الْقَابِضَ هُنَا لَمْ يَمْلِكْ إلَّا بِسَبَبِ الزَّكَاةِ فَإِذَا لَمْ تَقَعْ زَكَاةٌ زَالَ الْمِلْكُ . ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الرُّجُوعِ بِأَرْشِ النَّقْصِ أَوْ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ هُوَ فِيمَا إذَا جَرَتْ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ قَبْلَ حُدُوثِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلرُّجُوعِ ، فَأَمَّا إذَا جَرَتْ الزِّيَادَةُ بَعْدَهُ فَلَا شَكَّ أَنَّهَا لِلرَّاجِعِ فَإِنَّهَا إنَّمَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ . قَالَ : وَإِنْ حَصَلَ نَقْصٌ أَوْ 123 تَلَفٌ بَعْدَ سَبَبِ الرُّجُوعِ فَالْوَجْهُ عِنْدِي وُجُوبُ الضَّمَانِ ; لِأَنَّ الْعَيْنَ لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِ الْقَابِضِ وَهِيَ عَلَى مِلْكِهِ ثُمَّ حَدَثَ سَبَبُ الرُّجُوعِ ضَمِنَهَا ، فَتَلَفُهَا بَعْدَهُ أَوْلَى بِوُجُوبِ الضَّمَانِ . كَمَا أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَضْمَنُ سَوَاءٌ تَلِفَتْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الرَّدِّ أَوْ بَعْدَهُ ; وَلِأَنَّ الْمَقْبُوضَ عَنْ الزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ دَفَعَ زَكَاةً فَإِذَا لَمْ يَقَعْ عَنْهَا فَهُوَ مَضْمُونٌ .
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَذَكَرَ الصَّيْدَلَانِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَشْهِدُ فِي ( مَسْأَلَةِ ) النَّقْصِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِأَرْشِهِ إذَا رَجَعَ فِي الْعَيْنِ بِمَسْأَلَةٍ ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَقَبَضَهُ وَسَلَّمَ ثَمَنَهُ ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ بِالثَّوْبِ فَرَدَّهُ وَصَادَفَ الثَّمَنَ نَاقِصَ الصِّفَةِ قَالَ : يَأْخُذُهُ نَاقِصًا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ النَّقْصِ . قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا مُشْكِلٌ ، فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ تَلَفُ الثَّمَنِ رَجَعَ بِبَدَلِهِ ، فَإِلْزَامُهُ الرِّضَا بِهِ مَعِيبًا بَعْدَ الرَّدِّ بَعِيدٌ .
( قُلْتُ ) : الصَّوَابُ الْمُتَعَيَّنُ قَوْلُ الْقَفَّالِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) : لَوْ كَانَ الْمُعَجَّلُ بَعِيرَيْنِ أَوْ شَاتَيْنِ ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا وَبَقِيَ الْآخَرُ وَوُجِدَ سَبَبُ الرُّجُوعِ رَجَعَ فِي الْبَاقِي وَبَدَلِ التَّالِفِ ، وَفِي بَدَلِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ قَرِيبًا ، ( الْأَصَحُّ ) قِيمَتُهُ ( وَالثَّانِي ) مِثْلُهُ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الْمَاوَرْدِيُّ . ( فَرْعٌ ) : الْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْقَابِضَ يَمْلِكُ الْمُعَجَّلَ مِلْكًا تَامًّا ، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا . وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ عَرَضَ مَانِعٌ تَبَيَّنَّا عَدَمَ الْمِلْكِ وَإِلَّا تَبَيَّنَّا الْمِلْكَ فَلَوْ بَاعَ الْقَابِضُ ثُمَّ طَرَأَ الْمَانِعُ ، ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِالْمَذْهَبِ اسْتَمَرَّ الْبَيْعُ عَلَى صِحَّتِهِ وَإِلَّا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَهُ ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً فَأَرَادَ الْقَابِضُ رَدَّ بَدَلِهَا دُونَهَا ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْوَقْفِ فَلَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَفِي جَوَازِ الْإِبْدَالِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ فِي مِثْلِهِ فِي الْقَرْضِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ أَمْ بِالتَّصَرُّفِ ؟ ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِالتَّصَرُّفِ فَلَيْسَ لَهُ ، ( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالْقَبْضِ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَوَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) لَيْسَ لَهُ ، ( وَالثَّانِي ) لَهُ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إذَا أَثْبَتْنَا الرُّجُوعَ فَفِيهِ تَقْدِيرَانِ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِمَا الْأَصْحَابُ وَحَوَّمَ عَلَيْهِمَا صَاحِبُ التَّقْرِيبِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّا نَتَبَيَّنُ أَنَّ مِلْكَ الدَّافِعِ لَمْ يَزُلْ ، وَكَانَ الْمِلْكُ مَوْقُوفًا .
( وَالثَّانِي ) أَنَّ الْمَدْفُوعَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الزَّكَاةِ وَالْقَرْضِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ الزَّكَاةُ مَوْقِعَهَا وَإِلَّا فَهُوَ قَرْضٌ . قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا فِي نِهَايَةِ الْحُسْنِ . قَالَ فَعَلَى هَذَا ( إنْ قُلْنَا ) : الْقَرْضُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالتَّصَرُّفِ لَمْ يَكُنْ لِلْقَابِضِ 124 الْإِبْدَالُ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ . قَالَ : وَلَوْ بَاعَهَا ثُمَّ طَرَأَ الْمَانِعُ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا سَبَقَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث