المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
الصفحة 3630 · ص. المطبوع 125 · الشرح
( الشَّرْحُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : شَرْطُ كَوْنِ الْمُعَجَّلِ زَكَاةً مُجْزِئًا بَقَاءُ الْقَابِضِ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ إلَى آخِرِ الْحَوْلِ ، فَلَوْ ارْتَدَّ أَوْ مَاتَ أَوْ اسْتَغْنَى بِغَيْرِ 125 الْمَالِ الْمُعَجَّلِ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ يُحْسَبْ عَنْ الزَّكَاةِ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ اسْتَغْنَى بِالْمَدْفُوعِ مِنْ الزَّكَوَاتِ أَوْ بِهِ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَضُرَّ . وَيُجْزِئُهُ الْمُعَجَّلُ بِلَا خِلَافٍ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ : قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : وَهَكَذَا لَوْ تَصَرَّفَ فِي الْمَدْفُوعِ فَاسْتَغْنَى بِرِبْحِهِ وَنَمَائِهِ أَجْزَأَ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّا دَفَعْنَا إلَيْهِ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ عَرَضَ مَانِعٌ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ثُمَّ زَالَ فِي أَثْنَائِهِ ، وَصَارَ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ فِي الطَّرَفَيْنِ ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرَّافِعِيُّ . وَيُشْتَرَطُ فِي الدَّافِعِ بَقَاؤُهُ إلَى آخِرِ الْحَوْلِ بِصِفَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ ، فَلَوْ ارْتَدَّ وَقُلْنَا : الرِّدَّةُ تَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ أَوْ مَاتَ أَوْ تَلِفَ كُلُّ مَالِهِ أَوْ نَقَصَ هُوَ وَالْمُعَجَّلُ عَنْ النِّصَابِ أَوْ بَاعَهُ ، لَمْ يَكُنِ الْمُعَجَّلُ زَكَاةً ، وَإِنْ أَبْقَيْنَا مِلْكَ الْمُرْتَدِّ وَجَوَّزْنَا إخْرَاجَ الزَّكَاةِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ أَجْزَأَهُ الْمُعَجَّلُ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي إجْزَائِهَا فِي حَالِ الرِّدَّةِ خِلَافٌ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَهَلْ يُحْسَبُ فِي صُورَةِ الْمَوْتِ عَنْ زَكَاةِ الْوَارِثِ ؟ قَالَ الْأَصْحَابُ : إنْ قُلْنَا الْوَارِثُ يَبْنِي عَلَى حَوْلِ الْمَوْرُوثِ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَلَا ، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، وَبِهِ قَطَعَ السَّرَخْسِيُّ وَآخَرُونَ ; لِأَنَّهُ تَعْجِيلٌ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ .
( وَالثَّانِي ) يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ ، وَذَكَرَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ قَالَا : وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ حَمَلَ النَّصَّ عَلَى أَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَدِيمِ .
( فَإِنْ قُلْنَا ) : يُحْسَبُ فَتَعَدَّدَتْ الْوَرَثَةُ حُكِمَ بِالْخَلْطَةِ إنْ كَانَ الْمَالُ مَاشِيَةً أَوْ غَيْرَ مَاشِيَةٍ ، وَقُلْنَا بِثُبُوتِ الْخَلْطَةِ فِي غَيْرِهَا ، فَأَمَّا إنْ قُلْنَا : لَا تَثْبُتُ وَنَقَصَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ عَنْ النِّصَابِ ، أَوْ اقْتَسَمُوا وَنَقَصَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ عَنْ النِّصَابِ فَيَنْقَطِعُ الْحَوْلُ وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْمُعَجَّلُ مَضْمُومٌ إلَى مَا عِنْدَ الدَّافِعِ ، نَازِلٌ مَنْزِلَةَ مَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ فَلَوْ عَجَّلَ شَاةً مِنْ أَرْبَعِينَ ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ وَلَمْ يَطْرَأْ مَانِعٌ أَجْزَأَهُ مَا عَجَّلَ ، وَكَانَتْ تِلْكَ الشَّاةُ بِمَنْزِلَةِ الْبَاقِيَاتِ عِنْدَهُ ، فِي شَيْئَيْنِ : فِي إتْمَامِ النِّصَابِ بِهَا وَفِي إجْزَائِهَا ، 126 وَسَوَاءٌ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي يَدِ الْفَقِيرِ أَوْ تَالِفَةً ، ثُمَّ إنْ تَمَّ الْحَوْلُ بَعْدَ التَّعْجِيلِ وَالْمَالُ عَلَى حَالِهِ أَجْزَأَهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَفِي تَقْدِيرِهِ إذَا كَانَ الْبَاقِي دُونَ النِّصَابِ بِأَنْ أَخْرَجَ شَاةً مِنْ أَرْبَعِينَ وَجْهَانِ ( الصَّحِيحُ ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْمُعَجَّلَ كَالْبَاقِي عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يَكْمُلَ بِهِ النِّصَابُ وَيُجْزِئَ . وَلَيْسَ بِبَاقٍ فِي مِلْكِهِ حَقِيقَةً ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ : يُقَدَّرُ كَأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَزُلْ لِيَنْقَضِيَ الْحَوْلُ وَفِي مِلْكِهِ نِصَابٌ ، وَاسْتَبْعَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا ، وَقَالَ : تَصَرُّفُ الْقَابِضِ نَافِذٌ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا ، فَكَيْفَ يُقَالُ بِبَقَاءِ مِلْكِ الدَّافِعِ ؟ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهَذَا الِاسْتِبْعَادُ صَحِيحٌ إنْ أَرَادَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ بَقَاءَ مِلْكِهِ حَقِيقَةً ، وَإِنْ أَرَادَ مَا قَالَهُ فَقَوْلُهُ صَوَابٌ .
( وَأَمَّا ) إذَا طَرَأَ مَانِعٌ مِنْ كَوْنِ الْمُعَجَّلِ زَكَاةً فَيُنْظَرُ ، إنْ كَانَ الدَّافِعُ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ وَبَقِيَ فِي يَدِهِ نِصَابٌ - لَزِمَهُ الْإِخْرَاجُ ثَانِيًا ، وَإِنْ كَانَ دُونَ نِصَابٍ فَحَيْثُ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِرْدَادُ أَوْ يَثْبُتُ وَلَا يَبْلُغُ الْبَاقِيَ مَعَ الْمُسْتَرَدِّ نِصَابًا لَا زَكَاةَ بِلَا خِلَافٍ وَكَأَنَّهُ تَطَوُّعٌ بِشَاةٍ قَبْلَ الْحَوْلِ . وَحَيْثُ ثَبَتَ الِاسْتِرْدَادُ فَاسْتَرَدَّ وَتَمَّ بِالْمُسْتَرَدِّ النِّصَابُ ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ وَالسَّرَخْسِيِّ وَغَيْرِهِمْ .
( أَحَدُهَا ) يَسْتَأْنِفُ الْحَوْلَ وَلَا زَكَاةَ لِلْمَاضِي ، لِنَقْصِ مِلْكِهِ عَنْ النِّصَابِ ، ( وَالثَّانِي ) إنْ كَانَ مَالُهُ نَقْدًا زَكَّاهُ ; لِمَا مَضَى . وَإِنْ كَانَ مَاشِيَةً فَلَا ; لِأَنَّ السَّوْمَ شَرْطٌ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ ، وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَيَوَانٍ فِي الذِّمَّةِ ، ( وَأَصَحُّهَا ) عِنْدَهُمْ تَجِبُ الزَّكَاةُ لِمَا مَضَى مُطْلَقًا ; لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ كَالْبَاقِي عَلَى مِلْكِهِ ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيّ بَلْ لَفْظُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِخْرَاجِ ثَانِيًا قَبْلَ الِاسْتِرْدَادِ - إذَا كَانَ الْمُخْرَجُ بِعَيْنِهِ بَاقِيًا فِي يَدِ الْقَابِضِ . وَقَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ : إذَا اسْتَرَدَّ وَقُلْنَا : كَأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ زَكَاةُ الْمَاضِي .
( وَإِنْ قُلْنَا ) : يَتَبَيَّنُ أَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ ، لَزِمَهُ زَكَاةُ الْمَاضِي ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الثَّانِي الشَّاةُ الْمَقْبُوضَةُ حَصَلَتْ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَهُمَا ، فَيَجِيءُ فِيهَا الْخِلَافُ فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمَجْحُودِ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَكَلَامُ الْعِرَاقِيِّينَ يُشْعِرُ بِجَرَيَانِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ مَعَ تَسْلِيمِ زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ الْمُعَجَّلِ ، قَالَ : وَكَيْفَ كَانَ ، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ لِلْمَاضِي قَالَ الْبَغَوِيّ : فَلَوْ عَجَّلَ مِنْ أَلْفِ شَاةٍ عَشْرًا فَتَلِفَ مَالُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ إلَّا ثَلَاثَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ ، وَكَانَتْ الْعَشَرَةُ بَاقِيَةً 127 فِي يَدِ الْقَابِضِ ، ضُمَّتْ إلَى مَا عِنْدَهُ حَيْثُ ثَبَتَ الِاسْتِرْدَادُ . فَيَصِيرُ الْمَالُ أَرْبَعَمِائَةٍ . وَوَاجِبُهُ أَرْبَعَةُ شِيَاهٍ فَيُحْسَبُ أَرْبَعًا عَنْ الزَّكَاةِ . وَيَسْتَرِدُّ سِتًّا إنْ كَانَ الْقَابِضُ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَإِلَّا فَيَسْتَرِدُّ الْعَشْرَ وَيُخْرِجُ أَرْبَعًا هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَدْفُوعُ بَاقِيًا فِي يَدِ الْقَابِضِ ، أَمَّا إذَا كَانَ الْمَدْفُوعُ تَالِفًا فِي يَدِ الْقَابِضِ .
فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي فِي يَدِ الْمَالِكِ نِصَابًا لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ لِحَوْلِهِ بِلَا خِلَافٍ . وَإِلَّا فَقَدْ صَارَ الضَّمَانُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا تَجْدِيدَ الزَّكَاةِ إذَا كَانَ بَاقِيًا جَاءَ هُنَا قَوْلًا وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الدَّيْنِ ( الْأَصَحُّ ) الْوُجُوبُ ، هَذَا إنْ كَانَ الْمُزَكَّى نَقْدًا ، فَإِنْ كَانَ مَاشِيَةً لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ بِحَالٍ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْقَابِضِ الْقِيمَةُ ، فَلَا يَكْمُلُ بِهَا نِصَابُ الْمَاشِيَةِ ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ : تُقَامُ الْقِيمَةُ مَقَامَ الْعَيْنِ هُنَا ، نَظَرًا لِلْمَسَاكِينِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) لَوْ كَانَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ الزَّكَاةَ الْمُعَجَّلَةَ يَوْمَ الدَّفْعِ غَنِيًّا ، وَيَوْمَ الْوُجُوبِ فَقِيرًا ، لَمْ تَقَعْ عَنْ الزَّكَاةِ بِلَا خِلَافٍ ، نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث