المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
الصفحة 3679 · ص. المطبوع 158 · الشرح
( الشَّرْحُ ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ . وَسَبَقَ هُنَاكَ بَيَانُ الِاحْتِرَازِ بِقَوْلِهِ : عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ وَإِنَّمَا قَاسَ عَلَى الصَّلَاةِ لِلرَّدِّ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا تَفْتَقِرُ الزَّكَاةُ إلَى نِيَّةٍ . وَوَافَقَ عَلَى افْتِقَارِ الصَّلَاةِ إلَى النِّيَّةِ . وَهَذَا الْقِيَاسُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يُنْتَقَضُ بِالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَفِي وَقْتِ النِّيَّةِ وَجْهَانِ : " أَحَدُهُمَا " يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ فِي حَالِ الدَّفْعِ ; لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَدْخُلُ فِيهَا بِفِعْلِهِ فَوَجَبَتْ النِّيَّةُ فِي ابْتِدَائِهَا كَالصَّلَاةِ ) فَقَوْلُهُ : " بِفِعْلِهِ " احْتِرَازٌ مِنْ الصَّوْمِ - وَفِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) لَا يَصِحُّ أَدَاءُ الزَّكَاةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي صِفَةِ النِّيَّةِ وَتَفْرِيعِهَا وَبِوُجُوبِهَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ . وَشَذَّ عَنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ فَقَالَ : لَا تَجِبُ وَيَصِحُّ أَدَاؤُهَا بِلَا نِيَّةٍ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ . وَدَلِيلُنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَتُخَالِفُ الدَّيْنَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ كَالصَّلَاةِ . وَأَجَابَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ بِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّ لَمَّا لَمْ يَفْتَقِرْ 158 الْمُتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْبَدَنِ كَالْقِصَاصِ وَحْدِ الْقَذْفِ إلَى نِيَّةٍ ، لَمْ يَفْتَقِرْ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَالِ وَحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَدَنِ إلَى النِّيَّةِ فَكَذَا الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَالِ وَأَجَابَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ بِأَنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ عِبَادَةً وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ صَاحِبِهِ ، فَالْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ نَوَى بِقَلْبِهِ دُونَ لَفْظِ لِسَانِهِ أَجْزَأَهُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ لَفَظَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَنْوِ بِقَلْبِهِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) لَا يُجْزِئُهُ وَجْهًا وَاحِدًا ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالسَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ .
( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَكْفِيهِ اللَّفْظُ بِاللِّسَانِ دُونَ نِيَّةِ الْقَلْبِ .
( وَالثَّانِي ) لَا يَكْفِيهِ وَيَتَعَيَّنُ الْقَلْبُ ، وَهَذَا الطَّرِيقُ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، ذَكَرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ . قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ الْأَشْهَرُ . قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى هَذَا الْخِلَافَ قَوْلَيْنِ ، وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الطَّرِيقِ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ اشْتِرَاطُ نِيَّةِ الْقَلْبِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالِاكْتِفَاءِ بِاللِّسَانِ الْقَفَّالُ وَنَقَلَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ . وَأَشَارَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ إلَى هَذَا فَقَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : سَوَاءٌ نَوَى فِي نَفْسِهِ أَوْ تَكَلَّمَ فَإِنَّمَا أَعْطَى فَرْضَ مَالٍ ، فَأَقَامَ اللِّسَانَ مَقَامَ النِّيَّةِ ، كَمَا أَقَامَ أَخْذَ الْإِمَامِ مَقَامَ النِّيَّةِ . قَالَ وَبَيَّنَهُ فِي الْأُمِّ فَقَالَ إنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَجْعَلَ النِّيَّةَ فِي الزَّكَاةِ كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ افْتِرَاقُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فِي بَعْضِ حَالِهِمَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا ؟ وَيُجْزِئُ أَنْ يَأْخُذَهَا الْوَالِي بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ فَتُجْزِئُ عَنْهُ وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الصَّلَاةِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ النِّيَّةَ لَا بُدَّ مِنْهَا . قَالَ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : " إنْ قَالَ بِلِسَانِهِ هَذَا زَكَاةُ مَالِي أَجْزَأَهُ " قَالَ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا النَّصِّ فَقَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الصَّيْدَلَانِيُّ : أَرَادَ الشَّافِعِيُّ لَفْظَ اللِّسَانِ مَعَ نِيَّةِ الْقَلْبِ ، قَالَ : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : " يَكْفِي اللَّفْظُ وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْقَلْبِ . " وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ قَالَ : وَاحْتَجَّ الْقَفَّالُ بِأَمْرَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الزَّكَاةَ تَخْرُجُ مِنْ مَالِ الْمُرْتَدِّ وَلَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ .
( وَالثَّانِي ) جَوَازُ النِّيَّةِ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ . وَلَوْ كَانَتْ نِيَّةُ الْقَلْبِ مُتَعَيِّنَةً لَوَجَبَتْ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهَا مُبَاشَرَتُهَا ; لِأَنَّ النِّيَّاتِ 159 سِرُّ الْعِبَادَاتِ وَالْإِخْلَاصُ فِيهَا ، قَالَ الْإِمَامُ : فَقَدْ حَصَلَ فِي النِّيَّةِ قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَكْفِي اللَّفْظُ أَوْ نِيَّةُ الْقَلْبِ ، أَيُّهُمَا أَتَى بِهِ كَفَاهُ .
( وَالثَّانِي ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ تَعْيِينُ نِيَّةِ الْقَلْبِ ، قَالَ الْبَغَوِيّ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِ الْقَفَّالِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِاللَّفْظِ : لِأَنَّ النِّيَابَةَ فِي الزَّكَاةِ جَائِزَةٌ ، فَلَمَّا نَابَ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ فِيهَا جَازَ أَنْ يَنُوبَ الْقَلْبُ عَنْ اللِّسَانِ ، قَالَ : وَلَا يَرُدُّ عَلَيْنَا الْحَجُّ حَيْثُ تُجْزِئُ فِيهِ النِّيَابَةُ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ نِيَّةُ الْقَلْبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَنُوبُ فِيهِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحَجِّ ، وَفِي الزَّكَاةِ يَنُوبُ فِيهَا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَنَابَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ جَازَ ، هَذَا كَلَامُ الْبَغَوِيِّ ، وَفِي اسْتِنَابَةِ الْكَافِرِ فِي إخْرَاجِهَا نَظَرٌ ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ الْجَوَازُ كَمَا يَجُوزُ اسْتِنَابَتُهُ فِي ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث