المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
الصفحة 3775 · ص. المطبوع 233 · الشرح
( الشَّرْحُ ) أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ { ۝ لِيَتَصَدَّقْ الرَّجُلُ مِنْ دِينَارِهِ } إلَى آخِرِهِ ، فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِهِ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ ، وَحَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ كُلُّهُ صَحِيحٌ ، إلَّا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ صَاحِبِ الْمَغَازِي عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ . وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ مُدَلِّسٌ وَالْمُدَلِّسُ إذَا قَالَ : ( عَنْ ) ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ .
( وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ ) فَالظَّمَأُ : الْعَطَشُ . وَالرَّحِيقُ : الْخَمْرُ الصَّافِيَةُ ، وَخُضْرُ الْجَنَّةِ بِإِسْكَانِ الضَّادِ أَيْ ثِيَابُهَا الْخُضْرُ ، قَوْلُهُ : ( وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ ) رُوِيَ بِرَفْعِ الدَّالِ وَنَصْبِهَا وَالرَّفْعُ أَجْوَدُ ، وَحَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَكَذَا هُوَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ كَمَا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ . وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْوَسِيطِ فِي آخِرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ بَيْنَكُمَا كَمَا بَيْنَ كَلِمَتَيْكُمَا } فَزِيَادَةٌ لَا تُعْرَفُ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَوْلُهُ : ( بَيْنَا نَحْنُ ) أَيْ بَيْنَ أَوْقَاتِ قُعُودِنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهُ : ( مِنْ رُكْنِهِ ) بِضَمِّ الرَّاءِ ، أَيْ جَانِبِهِ وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ تَغْيِيرٌ فِي تَرْتِيبِهِ وَلَفْظِهِ ، وَاَلَّذِي فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد { ۝ جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْسَرِ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَذَفَهُ بِهَا فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ أَوْ لَعَقَرَتْهُ } ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ الْبَاقِي . وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْكِتَابِ : ( هَاتِهَا ) هُوَ بِكَسْرِ التَّاءِ فَلَوْ وَلَا يَجُوزُ فَتْحُهَا بِلَا خِلَافٍ ، وَقَوْلُهُ : ( مُغْضَبًا ) بِفَتْحِ الضَّادِ - وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ - 233 وَقَوْلُهُ : ( فَحَذَفَهُ بِهَا ) ، الْحَاذِفُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَذَفَهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ رَمَاهُ بِهَا ، وَإِنَّمَا قَيَّدْتُهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ; لِأَنِّي رَأَيْتُ مِنْ صَحَّفَهُ ، وَالصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا حَذَفَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ . وَقَوْلُهُ : ( لَأَوْجَعَهُ أَوْ عَقَرَهُ ) أَيْ جَرَحَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ( لَأَوْجَعَتْهُ أَوْ عَقَرَتْهُ ) ، يَعْنِي الْقِطْعَةَ الْمَحْذُوفَ بِهَا ، وَقَوْلُهُ : ( يَتَكَفَّفُ النَّاسَ ) أَيْ يَطْلُبُ الصَّدَقَةَ وَيَتَعَرَّضُ لِأَخْذِ مَا يَكْفِيهِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ( يَسْتَكْفِ ) وَهُمَا صَحِيحَانِ
، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ فِيهِ : تَكَفَّفَ وَاسْتَكْفَفَ . وَقَوْلُهُ : ( عَنْ ظَهْرِ غِنَى ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ عَنْ غِنًى يَعْتَمِدُهُ وَيَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى النَّوَائِبِ . ذَكَرَ صَاحِبُ الْحَاوِي لَهُ مَعْنَيَيْنِ ( هَذَا ) ، ( وَالثَّانِي ) أَنَّ مَعْنَاهُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ ، وَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ : إنَّ الْمُرَادَ غِنَى النَّفْسِ ، إنَّمَا تَصْلُحُ الصَّدَقَةُ لِمَنْ قَوِيَتْ نَفْسُهُ وَاسْتَغْنَتْ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَثَبَتَ يَقِينُهُ وَصَبَرَ عَلَى الْفَقْرِ . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ ) فَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً : يُسْتَحَبُّ لِمَنْ فَضَلَ عَنْ كِفَايَتِهِ وَمَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أَنْ يَتَصَدَّقَ ; لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَدَلَائِلُهُ مَشْهُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الصَّدَقَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ; لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : وَهِيَ فِي رَمَضَانَ آكَدُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ لِلْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُ أَفْضَلُ الشُّهُورِ ، وَلِأَنَّ النَّاسَ يَشْتَغِلُونَ فِيهِ عَنْ الْمَكَاسِبِ بِالصِّيَامِ وَإِكْثَارِ الطَّاعَاتِ ، فَتَكُونُ الْحَاجَةُ فِيهِ أَشَدَّ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَسِّعَ فِيهِ عَلَى عِيَالِهِ ، وَيُحْسِنَ إلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ وَجِيرَانِهِ ، لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الصَّدَقَةِ عِنْدَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ وَعِنْدَ الْكُسُوفِ وَالسَّفَرِ وَبِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَفِي الْغَزْوِ وَالْحَجِّ وَالْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ ، كَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَأَيَّامِ الْعِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَفِي كُلِّ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ هِيَ آكَدُ مِنْ غَيْرِهَا : قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِ الْفَاضِلِ عَنْ دَيْنِهِ وَنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَسَائِرِ مُؤَنِهِمْ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) نَعَمْ ( وَالثَّانِي ) لَا ( وَأَصَحُّهَا ) إنْ صَبَرَ عَلَى الْإِضَافَةِ فَنَعَمْ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث