المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
الصفحة 3850 · ص. المطبوع 284 · الشرح
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَفِي الشَّهَادَةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا رُؤْيَةُ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ قَوْلَانِ ، قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ : لَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ عَدْلَيْنِ ، لِمَا رَوَى الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْجَدَلِيُّ ( جَدِيلَةُ قَيْسٍ ) قَالَ : { ۝ خَطَبَنَا أَمِيرُ مَكَّةَ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ فَقَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُمْسِكَ لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ لَمْ نَرَهُ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا } ( وَقَالَ ) فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ : يُقْبَلُ مِنْ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { ۝ تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ ، فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ } وَلِأَنَّهُ إيجَابُ عِبَادَةٍ ، فَقُبِلَ مِنْ وَاحِدٍ احْتِيَاطًا لِلْفَرْضِ ( فَإِنْ قُلْنَا ) يُقْبَلُ مِنْ وَاحِدٍ ، فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : 284 أَحَدُهُمَا ) يُقْبَلُ ; لِأَنَّ مَا قُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ قُبِلَ مِنْ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ كَإِخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَالثَّانِي ) لَا يُقْبَلُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ طَرِيقَهَا طَرِيقُ الشَّهَادَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ شَاهِدِ الْفَرْعِ مَعَ حُضُورِ شَاهِدِ الْأَصْلِ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ ، وَلَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ الْفِطْرِ إلَّا شَاهِدَانِ ، لِأَنَّهُ إسْقَاطُ فَرْضٍ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعَدَدُ احْتِيَاطًا لِلْفَرْضِ ، فَإِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَقُبِلَ قَوْلُهُ وَصَامُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَتَغَيَّمَتْ السَّمَاءُ فَفِيهِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ لِأَنَّهُ إفْطَارٌ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُمْ يُفْطِرُونَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ ، لِأَنَّهُ بَيِّنَةٌ ثَبَتَ بِهَا الصَّوْمُ فَجَازَ الْإِفْطَارُ بِاسْتِكْمَالِ الْعَدَدِ مِنْهَا كَالشَّاهِدَيْنِ .
وَقَوْلُهُ : إنَّ هَذَا إفْطَارٌ بِشَاهِدٍ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الَّذِي ثَبَتَ بِالشَّاهِدِ هُوَ الصَّوْمُ ، وَالْفِطْرُ ثَبَتَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ وَذَلِكَ يَجُوزُ كَمَا نَقُولُ : إنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ثُمَّ وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِالْوِلَادَةِ ثَبَتَتْ الْوِلَادَةُ وَثَبَتَ النَّسَبُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لِلْوِلَادَةِ . وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَصَامُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ فَفِيهِ وَجْهَانِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْحَدَّادُ : لَا يُفْطِرُونَ ; لِأَنَّ عَدَمَ الْهِلَالِ مَعَ الصَّحْوِ يَقِينٌ وَالْحُكْمَ بِالشَّاهِدَيْنِ ظَنٌّ ، وَالْيَقِينُ يُقَدَّمُ عَلَى الظَّنِّ ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا : يُفْطِرُونَ ; لِأَنَّ شَهَادَةَ اثْنَيْنِ يَثْبُتُ بِهَا الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا الْفِطْرُ . وَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ الْهِلَالُ وَعَرَفَ رَجُلٌ الْحِسَابَ وَمَنَازِلَ الْقَمَرِ وَعَرَفَ بِالْحِسَابِ أَنَّهُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَفِيهِ وَجْهَانِ . قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ ; لِأَنَّهُ عَرَفَ الشَّهْرَ بِدَلِيلٍ فَأَشْبَهَ إذَا عَرَفَ بِالْبَيِّنَةِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ لَا يَصُومُ ; لِأَنَّا لَمْ نُتَعَبَّدْ إلَّا بِالرُّؤْيَةِ وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ أَفْطَرَ وَحْدَهُ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ } وَيُفْطِرُ لِرُؤْيَتِهِ هِلَالَ شَوَّالٍ سِرًّا ، لِأَنَّهُ إذَا أَظْهَرَ الْفِطْرَ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهْمَةِ وَعُقُوبَةِ السُّلْطَانِ ) .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث