المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
الصفحة 3955 · ص. المطبوع 366 · الشرح
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَأَصْلُهَا مِنْ الْكَفْرِ ، بِفَتْحِ الْكَافِ ، وَهُوَ السِّتْرُ ، لِأَنَّهَا تَسْتُرُ الذَّنْبَ وَتُذْهِبُهُ . هَذَا أَصْلُهَا ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِيمَا وُجِدَ فِيهِ صُورَةٌ مُخَالِفَةٌ أَوْ انْتِهَاكٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إثْمٌ كَالْقَاتِلِ خَطَأً وَغَيْرِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ ( عِتْقُ رَقَبَةٍ ) فَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : إنَّمَا قِيلَ لِمَنْ أَعْتَقَ نَسَمَةً وَأَعْتَقَ رَقَبَةً وَفَكَّ رَقَبَةً ، فَخُصَّتْ الرَّقَبَةُ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ ; لِأَنَّ حُكْمَ السَّيِّدِ وَمِلْكَهُ كَالْحَبْلِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَكَالْغُلِّ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْهُ ، فَإِذَا أُعْتِقَ فَكَأَنَّهُ أُطْلِقَ مِنْ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي تَهْذِيبُ الْعِتْقِ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ ( بِعَرَقِ تَمْرٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَيُقَالُ أَيْضًا : بِإِسْكَانِ الرَّاءِ ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ فَتْحُهَا وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : الْمِكْتَلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَالزِّنْبِيلُ بِكَسْرِ الزَّايِ وَالزَّنْبِيلُ بِفَتْحِهَا ، وَالْقُفَّةُ وَالسَّفِيفَةُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَاءٍ مُكَرَّرَةٍ ، وَكُلُّهُ اسْمٌ لِهَذَا الْوِعَاءِ الْمَعْرُوفِ ، لَيْسَ لِسِعَتِهِ قَدْرٌ مَضْبُوطٌ ، بَلْ قَدْ يَصْغُرُ وَيَكْبُرُ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ فِي الْكِتَابِ ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد " فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا " وَقَوْلُهُ { ۝ مَا بَيْنَ لَابَّتَيْ الْمَدِينَةِ } يَعْنِي حَرَّتَيْهَا ، وَالْحَرَّةُ هِيَ الْأَرْضُ الْمُكَبَّسَةُ حِجَارَةً سَوْدَاءَ ، وَيُقَالُ لَهَا لَابَةٌ وَلُوبَةٌ وَنَوْبَةٌ بِالنُّونِ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي التَّهْذِيبِ وَقَوْلُهُ { ۝ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ } وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُهَذَّبِ " نَوَاجِذُهُ " وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَالنَّوَاجِذُ هِيَ الْأَنْيَابُ .
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي اللُّغَةِ ، وَهُوَ مُتَعَيِّنُ هُنَا جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَيُقَالُ : هِيَ الْأَضْرَاسُ ، وَهِيَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً وَقُلْنَا : إنَّ الْأَمَةَ لَا تَمْلِكُ الْمَالَ فَهِيَ مِنْ أَهْلِ الصَّوْمِ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا الْعِتْقُ وَإِنْ قُلْنَا : إنَّهَا تَمْلِكُ أَجْزَأَ عَنْهَا الْعِتْقُ ، هَكَذَا يَقَعُ عَنْهَا الْعِتْقُ وَإِنْ قُلْنَا : إنَّهَا تَمْلِكُ أَجْزَأَ عَنْهَا الْعِتْقُ هَكَذَا يَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ 366 وَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا الْعِتْقُ ، وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ " وَلَا يَجِبُ " وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ ) فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى : هَذِهِ الْكَفَّارَةُ مُرَتَّبَةٌ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَيَجِبُ عِتْقُ رَقَبَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَذْكُورِ ، وَصِفَةُ هَذِهِ الرَّقَبَةِ وَبَيَانُ الْعَجْزِ عَنْهَا الْمُجَوِّزُ لِلِانْتِقَالِ إلَى الصَّوْمِ ، وَالْعَجْزُ عَنْ الصَّوْمِ الْمُجَوِّزُ لِلِانْتِقَالِ إلَى الطَّعَامِ وَبَيَانُ التَّتَابُعِ مَا يَقْطَعُهُ ، وَالْإِطْعَامُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ كُلِّهِ مُسْتَقْصَى فِي كِتَابِ الْكَفَّارَاتِ عَقِبَ كِتَابِ الظِّهَارِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِيمَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ( أَصَحُّهَا ) تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الرَّجُلِ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَا يُلَاقِيهَا الْوُجُوبُ .
( وَالثَّانِي ) تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَتَكُونُ عَنْهُ وَعَنْهَا ، وَهِيَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .
( وَالثَّالِثُ ) تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَعَلَيْهَا كَفَّارَةٌ أُخْرَى قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ : فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ اُعْتُبِرَ حَالُهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ أَعْتَقَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّوْمِ صَامَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِطْعَامِ أَطْعَمَ وَلَا نَظَرَ إلَى الْمَرْأَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وُجُوبٌ . وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّالِثِ اُعْتُبِرَ حَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفْسِهِ ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ أَعْتَقَ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّوْمِ صَامَ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِطْعَامِ أَطْعَمَ ، وَلَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا مُوَافَقَةُ صَاحِبِهِ إذَا اخْتَلَفَتْ صِفَتُهُمَا ، بَلْ هُمَا كَرَجُلَيْنِ أَفْطَرَا بِالْجِمَاعِ فَيُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ .
( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْهُ وَعَنْهَا ، فَهَذَا مَحَلُّ التَّفْصِيلِ وَالتَّفْرِيعِ الطَّوِيلِ ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ : عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَدْ يَتَّفِقُ حَالُهُمَا ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ ، فَإِنْ اتَّفَقَ نُظِرَ - إنْ كَانَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ - أَعْتَقَ الرَّجُلُ رَقَبَةً عَنْهُمَا ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ 367 الْإِطْعَامِ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا عَنْهُمَا ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ بِأَنْ كَانَا مَمْلُوكَيْنِ أَوْ حُرَّيْنِ مُعْسِرَيْنِ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، ; لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْبَدَنِيَّةَ لَا تُتَحَمَّلُ .
( وَأَمَّا ) إذَا اخْتَلَفَ حَالُهُمَا فَقَدْ يَكُونُ أَعْلَى حَالًا مِنْهَا ، وَقَدْ يَكُونُ أَدْنَى ، فَإِنْ كَانَ أَعْلَى نُظِرَ - إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ ، وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الصَّوْمِ أَوْ الْإِطْعَامِ - فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ ( الصَّحِيحُ ) مِنْهُمَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ : يُجْزِئُ الْإِعْتَاقُ عَنْهُمَا ; لِأَنَّ مَنْ فَرْضُهُ الصَّوْمُ أَمْ الْإِطْعَامُ إذَا تَكَلَّفَ الْعِتْقَ أَجْزَأَهُ وَقَدْ زَادَ خَيْرًا ، وَهُوَ أَفْضَلُ ، كَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ : قَالَ أَصْحَابُنَا : إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ أَمَةً فَعَلَيْهَا الصَّوْمُ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يُجْزِئُ عَنْهَا ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْوَلَاءَ وَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَهُنَا : لَا يُجْزِئُ عَنْهَا الْعِتْقُ إلَّا إذَا قُلْنَا : إنَّ الْعَبْدَ يُمْلَكُ بِالتَّمْلِيكِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهَا كَالْحُرَّةِ الْمَعْسَرَةِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَرِيبٌ ، وَالْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْعِتْقُ عَنْ الْأَمَةِ قَوْلًا وَاحِدًا .
وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ فِي الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فَقَالَ : لَا يَصِحُّ إعْتَاقُ الْعَبْدِ سَوَاءٌ قُلْنَا : يَمْلِكُ أَمْ لَا ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْوَلَاءَ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) مِنْ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقِينَ عَنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ : لَا يُجْزِئُ الْإِعْتَاقُ عَنْ الْمَرْأَةِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهَا الصَّوْمُ إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ ، وَفِيمَنْ يَلْزَمُهُ الْإِطْعَامُ عَنْهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ وَجْهَانِ .
( أَحَدُهُمَا ) يَلْزَمُهَا ; لِأَنَّ الزَّوْجَ أَخْرَجَ وَظِيفَتَهُ وَهِيَ الْعِتْقُ ( وَأَصَحُّهُمَا ) يَلْزَمُ الزَّوْجَ ، فَإِنْ عَجَزَ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ إلَى أَنْ يَقْدِرَ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَعْدُودَةٌ مِنْ مُؤَنِ الزَّوْجَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الزَّوْجِ .
( أَمَّا ) إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْإِطْعَامِ ، فَإِنْ تَكَلَّفَ الْإِعْتَاقَ فَأَعْتَقَ رَقَبَةً أَجْزَأَتْ عَنْهُمَا جَمِيعًا فَأَمَّا إنْ أَرَادَ الصِّيَامَ . فَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ : يَلْزَمُهُ أَنْ يَصُومَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا أَنْ يُطْعِمَ عَنْهَا ، قَالُوا : لِأَنَّ النِّيَابَةَ تَصِحُّ فِيهِمَا ، قَالُوا : وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا كَفَّارَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَبَعَّضُ فَوَجَبَ تَكْمِيلُ كُلِّ نِصْفٍ مِنْهَا ، هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ . 368 قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَمُقْتَضَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ فِي إجْزَاءِ الْإِعْتَاقِ عَنْهُمَا عَنْ الصِّيَامِ أَنْ يُجْزِئَ هُنَا الصِّيَامُ عَنْ الْإِطْعَامِ ، هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الزَّوْجُ أَعْلَى حَالًا مِنْهَا ، فَإِنْ كَانَ أَدْنَى نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِطْعَامِ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ أَطْعَمَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَزِمَهَا الصِّيَامُ عَنْ نَفْسِهَا ; لِأَنَّهُ لَا نِيَابَةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ أَوْ الْإِطْعَامِ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْإِعْتَاقِ صَامَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ أَطْعَمَ وَلَزِمَهُ الْإِعْتَاقُ عَنْهَا إذَا قَدِرَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا كَانَ الزَّوْجُ مَجْنُونًا فَوَطِئَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ مُخْتَارَةً ( فَإِنْ قُلْنَا ) عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ ، لَزِمَتْهَا الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهَا ، وَإِنْ قُلْنَا : تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ دُونَهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا ، ( وَإِنْ قُلْنَا ) تَجِبُ كَفَّارَةٌ عَنْهُ وَعَنْهَا ، فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ ( أَصَحُّهُمَا ) يَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهَا ، وَلَا يَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّحَمُّلِ ، كَمَا لَا تَلْزَمُهُ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ .
( وَالثَّانِي ) قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِ الْمَجْنُونِ عَنْهَا ; لِأَنَّ مَالَهُ صَالِحٌ لِلتَّحَمُّلِ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِوَطْئِهِ ، وَالْوَطْءُ كَالْجِنَايَةِ وَجِنَايَةُ الْمَجْنُونِ مَضْمُونَةٌ فِي مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُرَاهِقًا فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ كَالْبَالِغِ تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِنَا : عَمْدُهُ عَمْدٌ ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ نَائِمًا فَاسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ فَكَالْمَجْنُونِ وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ بِأَنَّا إذَا قُلْنَا : الْكَفَّارَةُ عَنْهُ وَعَنْهَا وَجَبَتْ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِدْخَالِ فِي مَالِهَا ; لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لِلزَّوْجِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) لَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُسَافِرًا صَائِمًا وَهِيَ حَاضِرَةً صَائِمَةً ، فَإِنْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّرَخُّصَ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي طَرِيقَةِ خُرَاسَانَ ( أَصَحُّهُمَا ) لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ فَصَارَ كَقَاصِدِ التَّرَخُّصِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَهَكَذَا حُكْمُ الْمَرِيضِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ إذَا أَصْبَحَ صَائِمًا فَجَامَعَ وَكَذَا الصَّحِيحُ إذَا مَرِضَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ ثُمَّ جَامَعَ ، فَحَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ ، فَيَجِيءُ فِي الْكَفَّارَةِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ ، وَحُكْمُ التَّحَمُّلِ مَا سَبَقَ ، وَحَيْثُ 369 قُلْنَا : لَا كَفَّارَةَ فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث