المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السابع
( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِ الْعُمْرَةِ . قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُهَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ، وَلَا تُكْرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد ، وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، تُكْرَهُ الْعُمْرَةُ ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ حَتَّى يَثْبُتَ النَّهْيُ الشَّرْعِيُّ ، وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْخَبَرُ ; وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ الْقِرَانُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بِلَا كَرَاهَةٍ ، فَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُ الْعُمْرَةِ فِيهِ كَمَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ; وَلِأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ لَا يُكْرَهُ فِيهِ اسْتِدَامَةُ الْعُمْرَةِ لَا يُكْرَهُ فِيهِ إنْشَاؤُهَا كَبَاقِي السَّنَةِ .
( وَأَمَّا ) قَوْلُ عَائِشَةَ ( فَأَجَابَ ) أَصْحَابُنَا عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ أَجْوَدُهَا أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْهَا ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَنْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ قَوْلُ 140 صَحَابِيٍّ لَمْ يُشْتَهَرْ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَوْ صَحَّ وَاشْتُهِرَ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى مَنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَجِّ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُمْ : إنَّهَا أَيَّامُ الْحَجِّ فَكُرِهَتْ فِيهَا الْعُمْرَةُ ، فَدَعْوَى بَاطِلَةٌ لَا شُبْهَةَ لَهَا .
( فَرْعٌ ) : فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ . مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ بَلْ يُسْتَحَبُّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَالْعَبْدَرِيُّ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ : تُكْرَهُ الْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ ; لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَلَا تُفْعَلُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً كَالْحَجِّ ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَخَلَائِقُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَحَاضَتْ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُحْرِمَ بِحَجٍّ فَفَعَلَتْ ، وَصَارَتْ قَارِنَةً وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ وَسَعَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ ، فَطَلَبَتْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْمِرَهَا عُمْرَةً أُخْرَى ، فَأَذِنَ لَهَا فَاعْتَمَرَتْ مِنْ التَّنْعِيمِ عُمْرَةً أُخْرَى } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا ، وَنَقَلْته مُخْتَصَرًا .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَكَانَتْ عُمْرَتُهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ ، ثُمَّ أَعْمَرَهَا الْعُمْرَةَ الْأُخْرَى فِي ذِي الْحِجَّةِ ، فَكَانَ لَهَا عُمْرَتَانِ فِي ذِي الْحِجَّةِ . وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا " أَنَّهَا اعْتَمَرَتْ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ أَيْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثُ عُمَرَ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَعْوَامًا فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ عَامٍ ، ذَكَرَ هَذِهِ الْآثَارَ كُلَّهَا الشَّافِعِيُّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدِهِمَا .
( وَأَمَّا ) الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ : اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَشَوَّالٍ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَسَبَقَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ 141 كِتَابِ الْحَجِّ ، وَلَكِنْ لَيْسَتْ دَلَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ قَدْ احْتَجُّوا بِهِ ، وَصَدَّرَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ الْبَابَ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : وَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَوْنِ الْعُمْرَتَيْنِ فِي سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ ، وَهَذَا تَعْلِيقٌ ضَعِيفٌ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَالُوا : عِبَادَةٌ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ ، فَلَمْ يُكْرَهْ تَكْرَارُهَا فِي السَّنَةِ كَالصَّلَاةِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ : مَنْ قَالَ : لَا يَعْتَمِرُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي حَدِيثَ عَائِشَةَ السَّابِقَ ( فَإِنْ قِيلَ ) قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : { اُرْفُضِي عُمْرَتَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ } فَفَعَلَتْ ، ثُمَّ اعْتَمَرَتْ ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا إلَّا عُمْرَةً وَاحِدَةً ( فَالْجَوَابُ ) أَنَّهَا لَمْ تَرْفُضْهَا ، يَعْنِي الْخُرُوجَ مِنْهَا وَالْإِعْرَاضَ عَنْهَا ; لِأَنَّ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ لَا يُخْرَجُ مِنْهُمَا بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا رَفْضُهَا رَفْضَ أَعْمَالِهَا مُسْتَقِلَّةً ; لِأَنَّهَا أَحْرَمَتْ بَعْدَهَا بِالْحَجِّ ، فَصَارَتْ قَارِنَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اُرْفُضِيهَا " أَيْ اُتْرُكِي أَعْمَالَهَا الْمُسْتَقِلَّةَ لِانْدِرَاجِهَا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ ( وَأَمَّا ) امْتِشَاطُهَا ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْمُحْرِمَ يَجُوزُ لَهُ عِنْدَنَا الِامْتِشَاطُ ( وَأَمَّا ) الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ مَالِكٍ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحَجِّ ، فَهُوَ أَنَّ الْحَجَّ مُؤَقَّتٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَكْرَارُهُ فِي السَّنَةِ وَالْعُمْرَةُ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ ، فَتُصَوِّرَ تَكْرَارُهَا كَالصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) قَوْلُ عَائِشَةَ ( فَأَجَابَ ) أَصْحَابُنَا عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ أَجْوَدُهَا أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْهَا ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَنْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ قَوْلُ 140 صَحَابِيٍّ لَمْ يُشْتَهَرْ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَوْ صَحَّ وَاشْتُهِرَ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى مَنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَجِّ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُمْ : إنَّهَا أَيَّامُ الْحَجِّ فَكُرِهَتْ فِيهَا الْعُمْرَةُ ، فَدَعْوَى بَاطِلَةٌ لَا شُبْهَةَ لَهَا .
( فَرْعٌ ) : فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ . مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ بَلْ يُسْتَحَبُّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَالْعَبْدَرِيُّ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ : تُكْرَهُ الْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ ; لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَلَا تُفْعَلُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً كَالْحَجِّ ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَخَلَائِقُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَحَاضَتْ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُحْرِمَ بِحَجٍّ فَفَعَلَتْ ، وَصَارَتْ قَارِنَةً وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ وَسَعَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ ، فَطَلَبَتْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْمِرَهَا عُمْرَةً أُخْرَى ، فَأَذِنَ لَهَا فَاعْتَمَرَتْ مِنْ التَّنْعِيمِ عُمْرَةً أُخْرَى } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا ، وَنَقَلْته مُخْتَصَرًا .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَكَانَتْ عُمْرَتُهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ ، ثُمَّ أَعْمَرَهَا الْعُمْرَةَ الْأُخْرَى فِي ذِي الْحِجَّةِ ، فَكَانَ لَهَا عُمْرَتَانِ فِي ذِي الْحِجَّةِ . وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا " أَنَّهَا اعْتَمَرَتْ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ أَيْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثُ عُمَرَ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَعْوَامًا فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ عَامٍ ، ذَكَرَ هَذِهِ الْآثَارَ كُلَّهَا الشَّافِعِيُّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدِهِمَا .
( وَأَمَّا ) الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ : اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَشَوَّالٍ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَسَبَقَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ 141 كِتَابِ الْحَجِّ ، وَلَكِنْ لَيْسَتْ دَلَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ قَدْ احْتَجُّوا بِهِ ، وَصَدَّرَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ الْبَابَ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : وَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَوْنِ الْعُمْرَتَيْنِ فِي سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ ، وَهَذَا تَعْلِيقٌ ضَعِيفٌ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَالُوا : عِبَادَةٌ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ ، فَلَمْ يُكْرَهْ تَكْرَارُهَا فِي السَّنَةِ كَالصَّلَاةِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ : مَنْ قَالَ : لَا يَعْتَمِرُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي حَدِيثَ عَائِشَةَ السَّابِقَ ( فَإِنْ قِيلَ ) قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : { اُرْفُضِي عُمْرَتَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ } فَفَعَلَتْ ، ثُمَّ اعْتَمَرَتْ ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا إلَّا عُمْرَةً وَاحِدَةً ( فَالْجَوَابُ ) أَنَّهَا لَمْ تَرْفُضْهَا ، يَعْنِي الْخُرُوجَ مِنْهَا وَالْإِعْرَاضَ عَنْهَا ; لِأَنَّ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ لَا يُخْرَجُ مِنْهُمَا بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا رَفْضُهَا رَفْضَ أَعْمَالِهَا مُسْتَقِلَّةً ; لِأَنَّهَا أَحْرَمَتْ بَعْدَهَا بِالْحَجِّ ، فَصَارَتْ قَارِنَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اُرْفُضِيهَا " أَيْ اُتْرُكِي أَعْمَالَهَا الْمُسْتَقِلَّةَ لِانْدِرَاجِهَا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ ( وَأَمَّا ) امْتِشَاطُهَا ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْمُحْرِمَ يَجُوزُ لَهُ عِنْدَنَا الِامْتِشَاطُ ( وَأَمَّا ) الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ مَالِكٍ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحَجِّ ، فَهُوَ أَنَّ الْحَجَّ مُؤَقَّتٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَكْرَارُهُ فِي السَّنَةِ وَالْعُمْرَةُ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ ، فَتُصَوِّرَ تَكْرَارُهَا كَالصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث