المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السابع
الصفحة 4494 · ص. المطبوع 344 · الشرح
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) إذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَلَزِمَهُ جَزَاؤُهُ ثُمَّ قَتَلَ صَيْدًا آخَرَ لَزِمَهُ لِلثَّانِي جَزَاءٌ آخَرُ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : هُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ كَافَّةً إلَّا مَنْ سَنَذْكُرُهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ : يَجِبُ الْجَزَاءُ بِالصَّيْدِ الْأَوَّلِ دُونَ مَا بَعْدَهُ وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ دَاوُد قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ دَاوُد : لَوْ قَتَلَ مِائَةَ صَيْدٍ إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ بِالْأَوَّلِ فَقَطْ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَأَحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ } فَعَلَّقَ وُجُوبَ الْجَزَاءِ عَلَى لَفْظِ ( مَنْ ) قَالُوا وَمَا عُلِّقَ عَلَى لَفْظِ مَنْ لَا يَقْتَضِي تَكْرَارًا كَمَا لَوْ قَالَ : مَنْ دَخَلَ الدَّارَ فَلَهُ دِرْهَمٌ أَوْ مَنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ فَإِذَا 344 تَكَرَّرَ دُخُولُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا دِرْهَمًا بِالدُّخُولِ الْأَوَّلِ وَإِذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهَا لَا يَقَعُ إلَّا طَلْقَةٌ بِالدُّخُولِ الْأَوَّلِ قَالُوا : وَلِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } وَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَى الْعَوْدِ غَيْرَ الِانْتِقَامِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ } قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ لَنَا دَلَالَتَانِ : ( إحْدَاهُمَا ) أَنَّ لَفْظَ الصَّيْدِ إشَارَةٌ إلَى الْجِنْسِ ; لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ يَدْخُلَانِ لِلْجِنْسِ أَوْ الْعَهْدِ وَلَيْسَ فِيهِ مَعْهُودٌ فَتَعَيَّنَ الْجِنْسُ وَأَنَّ الْجِنْسَ يَتَنَاوَلُ الْجُمْلَةَ وَالْأَفْرَادَ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى - { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ } يَعُودُ إلَى جُمْلَةِ الْجِنْسِ وَآحَادِهِ " وَالدَّلَالَةُ الثَّانِيَةُ " أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } وَحَقِيقَةُ الْمُمَاثَلَةِ أَنْ يَفْدِيَ الْوَاحِدَ بِوَاحِدٍ وَالِاثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ وَالْمِائَةَ بِمِائَةٍ وَلَا يَكُونُ الْوَاحِدُ مِنْ النِّعَمِ مِثْلًا لِجَمَاعَةِ صُيُودٍ وَلِأَنَّهَا نَفْسٌ تُضْمَنُ بِالْكَفَّارَةِ فَتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْقَتْلِ كَقَتْلِ الْآدَمِيِّينَ وَلِأَنَّهَا غَرَامَةُ مُتْلَفٍ فَتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْإِتْلَافِ كَإِتْلَافِ أَمْوَالِ الْآدَمِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : وَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ صَيْدَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَزِمَهُ جَزَاءَانِ فَإِذَا تَكَرَّرَ بِقَتْلِهِمَا مَعًا وَجَبَ تَكَرُّرُهُ بِقَتْلِهِمَا مُرَتَّبًا كَالْعِيدَيْنِ وَسَائِرِ الْأَمْوَالِ .
( وَالْجَوَابُ ) عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ لَفْظَ " مَنْ " لَا يَقْتَضِي تَكْرَارًا قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّمَا يَصِحُّ هَذَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ الثَّانِي وَاقِعًا فِي مَحَلِّ الْأَوَّلِ ( فَأَمَّا ) إذَا وَقَعَ الثَّانِي فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْأَوَّلِ فَإِنَّ تَكْرَارَهُ يُوجِبُ تَكْرَارَ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ : مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَإِذَا دَخَلَ دَارًا لَهُ ثُمَّ دَارًا لَهُ اسْتَحَقَّ دِرْهَمَيْنِ فَكَذَلِكَ الصَّيْدُ لَمَّا كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ وَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مَا تَعَلَّقَ بِالْأَوَّلِ ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : { وَمَنْ عَادَ } أَنَّ الْمُرَادَ وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَتَلَ صَيْدًا ; لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ } أَيْ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث